مقال

عباس آل حميد عضو مجلس الدولة العماني: المنظومة الوطنية لربط التوظيف بالمهارات تعالج البطالة من جذورها

مجدي بكري | القاهرة 

رئيس التحرير التنفيذي لجريدة عالم الثقافة 

من عُمان التي لا ترفع صوتها لتُثبت وجودها، يخرج رجال يُقاسون بثقل أثرهم لا بضجيج أسمائهم. ومن بينهم يقف الأستاذ.. “عباس آل حميد” عضو مجلس الدولة في سلطنة عُمان، كواحد من أولئك الذين جمعوا بين دقة الأرقام واتساع الرؤية، وبين صرامة المحاسب القانوني وحكمة المستشار.

ثلاثة عقود لم تمر مرور الكرام في سيرته. ثلاثة عقود من القيادة المتميزة، رسم خلالها خرائط نمو لمؤسسات عالمية، وترك بصمة لا تُمحى في كل مكان حلّ فيه. الشريك التنفيذي لشركة بيكر تيلي العالمية في سلطنة عُمان، والمؤسس والرئيس التنفيذي لأكاديمية مريت، ومدير معتمد واستشاري إدارة معتمد… ألقاب كثيرة، لكنها كلها تصب في نهر واحد: بناء الإنسان قبل بناء المؤسسة.

في عالم المال والأعمال، حيث تُقاس الأشياء بالربح والخسارة، اختار عباس آل حميد أن يُقاس بمعيار آخر: كم عقولاً أهّل؟ كم شاباً عُمانياً حوّل من باحث عن فرصة إلى صانع فرصة؟ ولذلك لم يكتفِ بمقعده في مجالس الإدارة، بل أسس *أكاديمية مريت* ليكون له بيت يُخرّج القادة. أكاديمية لم تُبنَ لتوزيع الشهادات، بل لتفكيك عقدة الخوف من السوق، ولتأهيل الإنسان العُماني بلغة العصر، وبمعايير عالمية، وبروح عُمانية.

وأكاديمية مريت ليست مشروعاً تجارياً بقدر ما هي مشروع وطن. فيها يلتقي المحاسب بالقائد، ويتعلم المدير أن الرقم وحده لا يكفي، وأن الإدارة فن قبل أن تكون علماً. فيها يُدرّب الشباب على ما لا تُدرّسه الجامعات دائماً: كيف تُتخذ القرارات تحت الضغط، كيف تُقاس الكفاءة، كيف تُبنى فرق العمل، وكيف يكون التعمين الحقي إحلالاً بالكفاءة لا بالمجاملة.

وحين وصل إلى “عضوية مجلس الدولة” ، لم يذهب عباس آل حميد ليُضاف إلى قائمة. ذهب ليُضيف. ذهب بعقل المحاسب الذي لا يقبل الغموض، وبعين الاستشاري الذي يرى المشكلة من جذورها، وبقلب المؤسس الذي يعرف أن أي قانون أو سياسة لا تساوي شيئاً إذا لم تنعكس على حياة الناس.

وهنا نصل إلى أكثر ما أراه قدرة على معالجة مشكلة الباحثين عن عمل من جذورها: مشاركته في الإعداد للمنظومة الوطنية الجديدة لربط التوظيف بالمهارات. هذه المنظومة التي تقول للشاب بوضوح: هذه المهنة، وهذه متطلباتها، وهذا طريقك إليها. لا وعود فضفاضة، ولا توظيف شكلي. معايير وطنية واضحة لكل مهنة، فيعرف الباحث ما المطلوب بدقة ويتأهل له ويُقاس بعدالة.

هذه هي عُمان التي يؤمن بها عباس آل حميد. عُمان التي لا تمنح الوظيفة كهبة، بل تمنح الأدوات التي تصنع الوظيفة. عُمان التي تُحوّل التعمين من رقم في تقرير إلى قصة نجاح في شركة. وعندما تُربط الوظيفة بالمهارة، يربح الاقتصاد الوطني مباشرة، لأننا نكون قد وضعنا الرجل المناسب في المكان المناسب، لا لأن اسمه مناسب، بل لأن كفاءته مناسبة.

من يراقب مسيرة الرجل يلاحظ خيطاً واحداً يربط كل محطاته: الإيمان بأن الاستثمار الحقي هو في العقل. في بيكر تيلي قاد فرقاً وحقق نسب نمو عالية في مؤسسات عالمية، لا بالضغط، بل ببناء أنظمة. في أكاديمية مريت زرع قادة، لا موظفين. في مجلس الدولة يشارك في رسم سياسات، لا في استهلاكها. وفي كل ذلك كان صوته هادئاً، وحضوره ثقيلاً، ومنطقه مقنعاً.

عباس آل حميد محاسب قانوني بالمهنة، لكنه مربٍ بالغريزة. مدير معتمد بالشهادة، لكنه قائد بالتجربة. استشاري إدارة باللقب، لكنه مهندس مستقبل بالفعل. لا يفصل بين السوق وبين الوطن، ولا بين الربح وبين الأثر. يقول ما معناه دائماً: إذا أردت اقتصاداً قوياً، فابدأ بإنسان قوي. وإذا أردت تعميناً ناجحاً، فابدأ بمهارة حقيقية.

اليوم، حين يتحدث الشباب العُماني عن فرصهم، يتحدثون بلغة جديدة. لغة المعايير، ولغة الكفاءة، ولغة “ماذا أتعلم لأستحق؟” وهذا التحول لم يأتِ من فراغ. جاء من رجال جلسوا على طاولات صعبة، وكتبوا بنوداً أدق، ورفضوا الحلول السريعة. وكان عباس آل حميد في قلب هذا الجهد.

عُمان لا تحتاج إلى من يصرخ باسمها. تحتاج إلى من يبنيها. وعباس آل حميد بناها برقم، وبمنهج، وبأكاديمية، وبمقعد في مجلس يشرّع للمستقبل. “دون ذلك” تبقى الطموحات، “وأكثر” هو ما صنعه: منظومة، وأكاديمية، وجيل يؤمن أن الطريق إلى الوظيفة يبدأ من المهارة.

عباس آل حميد.. رجل من عُمان، لعُمان، وبعُمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى