فكر

عندما يغيّر الوسطُ الاتجاه.. الانكسار وتغيّر مسار الإنسان

بقلم: أ. د/ محروس رشاد أحمد

أستاذ الفيزياء – جامعة سوهاج

في عالم الفيزياء، عندما ينتقل شعاع الضوء من وسط شفاف إلى وسط آخر يختلف عنه في الكثافة الضوئية، فإنه لا يستمر في السير في الاتجاه نفسه، بل ينحرف عن مساره الأصلي. وتُعرف هذه الظاهرة باسم الانكسار، وهي من الظواهر الأساسية التي تقوم عليها العدسات والمجاهر والتلسكوبات والألياف الضوئية وغيرها من التطبيقات التي غيرت حياة الإنسان.

واللافت في هذه الظاهرة أن الضوء لا يغير اتجاهه من تلقاء نفسه، وإنما يتغير مساره بسبب تغير الوسط الذي ينتقل خلاله. فاختلاف خصائص الوسط الجديد يؤدي إلى تغير سرعة الضوء، ومن ثم يتغير اتجاهه وفق قوانين دقيقة وضعها الله في هذا الكون.

وعندما نتأمل حياة الإنسان، نجد تشابهًا يدعو إلى التفكر. فالإنسان يولد بفطرة سليمة، ثم يبدأ مساره في التشكل تحت تأثير البيئات التي يعيش فيها. فالأسرة، والمدرسة، والأصدقاء، ووسائل الإعلام، والمجتمع، والثقافة، كلها تمثل “أوساطًا” قد تؤثر في اتجاه حياته، كما تؤثر الأوساط المختلفة في اتجاه شعاع الضوء.

ولهذا كان الإنسان كثيرًا ما يتغير عندما ينتقل من بيئة إلى أخرى. فقد يدخل طالب إلى مدرسة يسودها الاجتهاد والانضباط، فيزداد نشاطًا وطموحًا. وقد ينتقل آخر إلى بيئة تستهين بالعلم، فيفقد حماسه شيئًا فشيئًا. وقد يعيش شاب بين رفقة صالحة فتقوده إلى الخير، بينما ينحرف آخر بسبب صحبة سيئة غيرت مسار حياته.

إن التغيير هنا لا يحدث غالبًا بصورة مفاجئة، بل يبدأ بانحرافات صغيرة، ثم تتراكم مع الزمن حتى يصبح الإنسان في مكان لم يكن يتخيل يومًا أنه سيصل إليه. وهذا يشبه شعاع الضوء؛ فقد يكون انحرافه عند نقطة الانكسار بسيطًا، لكنه كلما قطع مسافة أطول ازداد ابتعاده عن مساره الأول.

ومن هنا نفهم لماذا اهتم الإسلام بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان، وحذر من أثرها في تكوين الشخصية. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ }التوبة: 119{. فالأمر ليس مجرد اختيار لأصدقاء طيبين، بل اختيار لوسطٍ يساعد على الثبات والاستقامة.

وقال النبي ﷺ: “مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير…” فهذا الحديث يصور ببلاغة أثر البيئة في الإنسان؛ فالمرء قد يكتسب من جليسه خيرًا دون أن يشعر، كما قد يتأثر بالشر ولو لم يقصده.

ومن خصائص الانكسار أن مقدار الانحراف يعتمد على الفرق بين الوسطين. فكلما كان الاختلاف أكبر، كان تغير الاتجاه أوضح. وكذلك الإنسان؛ فكلما انتقل إلى بيئة تختلف جذريًا في قيمها وعاداتها، كان تأثيرها فيه أشد، إن لم يكن لديه من الوعي والإيمان ما يحفظ له ثباته.

وهنا يظهر دور المبادئ الراسخة. فليست كل الأشعة تنكسر بالطريقة نفسها، كما أن الناس ليسوا سواء في التأثر بظروفهم. فهناك من يمتلك من قوة الشخصية وصفاء العقيدة ما يجعله يتعامل مع البيئات المختلفة دون أن يفقد هويته، وهناك من يتغير سريعًا مع كل مؤثر جديد.

وقد ضرب القرآن مثالًا رائعًا للثبات في مواجهة الضغوط، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ >فصلت: 30{. فالاستقامة هي القدرة على المحافظة على الاتجاه الصحيح، رغم تغير الظروف من حول الإنسان.

ومن الملاحظ أيضًا أن العدسات تستفيد من ظاهرة الانكسار لتجمع الأشعة المشتتة في نقطة واحدة، أو لتصحح مسارها، فتُنتج صورة أكثر وضوحًا. وهكذا قد تكون بعض التجارب الصعبة في حياة الإنسان سببًا في إعادة توجيه مساره نحو الأفضل. فليست كل الانكسارات خسارة، بل قد يكون بعضها بداية للهداية، أو سببًا في النضج، أو طريقًا لاكتشاف الذات.

كم من إنسان غيّرت محنةٌ حياته إلى الأفضل، وكم من فشلٍ كان بداية نجاح، وكم من تجربة مؤلمة أعادت ترتيب أولوياته وقربته من الله. فالانكسار في الحياة قد يتحول – إذا أحسن الإنسان التعامل معه – إلى نقطة تصحيح للمسار، لا إلى نهاية الطريق.

ولعل أجمل ما في هذا التشبيه أن الضوء، مهما تغيّر اتجاهه، يبقى ضوءًا. وكذلك الإنسان، مهما أخطأ أو ابتعد، فإن باب العودة إلى الطريق المستقيم يبقى مفتوحًا ما دام حيًا. وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ )الزمر: 53). فهذه الآية تبعث الأمل في كل من شعر أن مساره قد انحرف، وتؤكد أن تغيير الاتجاه نحو الخير ممكن دائمًا.

إن ظاهرة الانكسار تعلمنا أن البيئة تؤثر، لكنها لا تلغي مسؤولية الإنسان عن اختياراته. وتعلمنا أن تغيير المسار قد يكون إلى الأسوأ إذا استسلم الإنسان للمؤثرات السلبية، وقد يكون إلى الأفضل إذا أحسن اختيار بيئته، أو استفاد من تجاربه، أو عاد إلى ربه بعد غفلة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق التأمل: ما هي الأوساط التي نعيش فيها اليوم؟ وهل تقربنا من أهدافنا وقيمنا، أم تغير اتجاهنا عنها شيئًا فشيئًا؟ فكما يحرص الفيزيائي على معرفة الوسط الذي يمر فيه الضوء ليفهم سبب انكساره، ينبغي للإنسان أن يتأمل البيئات التي تحيط به، لأنها قد تكون السبب في استقامته… أو في انحراف مساره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى