الشاعرة العراقية إسراء الأسدي.. بين جرح الوطن وشفاء اللغة!!

مجدي بكري | القاهرة
رئيس التحرير التنفيذي ل “عالم الثقافة”
من بغداد التي ما تزال تُسقي القصائد من نهرين لا يشيخان، ومن صوت امرأة تعلمت أن تكتب على جرحها قبل الورق، جاءت إسراء الأسدي حاملة لغة لا تشبه أحداً. ليست شاعرة تبحث عن التصفيق، ولا كاتبة تريد أن تُرضي ذائقة جاهزة. هي امرأة تصعد إلى الكلمة كما يصعد الناجي إلى سطح البيت وقت الفيضان، بكل ما أوتيت من عناد وأنوثة.
في ديوانها “دون ذلك.. وأكثر!” الصادر عن دار المفكر العربية للطبع والنشر بالقاهرة، لا تجد إسراء الأسدي منشغلة بإثبات عراقيتها ولا بمناداة المنفى. هي أبعد من ذلك. تكتب كمن يعرف أن الوطن ليس جغرافيا فقط، بل هو كل ما نفقده ونحن أحياء. ومن هنا يبدأ الديوان كاعتراف طويل، كرسالة لم تُرسل، كصلاة سرية بين الشاعرة وبين الأشياء التي خذلتها الحياة.
اللغة عند إسراء ليست زخرفة. هي جرح مفتوح يتكلم. تقول الشعر بلغة امرأة عاشت الحروب ولم تكتب عنها كشاهدة باردة، بل كمن كانت في الوسط، تمسح الغبار عن وجه طفل، وتجمع بقايا كتب، وتحاول أن تُقنع قلبها أن الغد يستحق أن نكتب له. ولذلك تجيء قصائدها مشبعة برائحة البيوت العراقية: برائحة الخبز والياسمين والخوف. لكنها لا تستسلم للحزن. في كل نص هناك انعطافة، هناك سؤال يفتح الباب للضوء “دون ذلك.. وأكثر” وكأنها تقول للقارئ: نعم خسرنا، ولكننا لم نخسر كل شيء بعد.
ما يميز إسراء الأسدي أنها لا تكتب الشعر النسوي بالمعنى الضيق. لا تختزل الأنثى في البكاء والانتظار. أنثاها مقاتلة، ساخرة أحياناً، حالمة أحياناً، لكنها أبداً لا تكون ضحية. تقف أمام الرجل والقدر والتاريخ وتقول: “أنا هنا، وسأسمي الأشياء باسمي”. في قصائدها عن الحب لا يوجد استجداء. الحب عندها فعل مقاومة. أن تحب في زمن الخراب هو أن تختار الحياة رغم كل الأدلة التي تقدمها لك الشوارع. وأن تكتب عن الجسد دون خجل هو أن تستعيد ملكية هذا الجسد الذي حاولت الحروب والخطابات أن تسلبه منها.
القاهرة احتضنت هذا الديوان، وكأنها كانت تعرف أن هذا الصوت يحتاج إلى مدينة أخرى تفهمه. دار المفكر العربية للطبع والنشر قدمت الكتاب في طباعة أنيقة تليق بثقل النصوص. اختيار القاهرة لم يكن مصادفة. المدينة التي قرأت نازك الملائكة وبدر شاكر السياب من قبل، تعرف كيف تستقبل شاعرة عراقية جديدة تضع يدها على نبض الجيل. “دون ذلك.. وأكثر!” ليس عنواناً عبثياً. هو مفتاح الديوان كله. فالشاعرة تقول دائماً إن ما نقوله هو أقل بكثير مما نحتمل، وأقل بكثير مما نريد أن نقول. بين السطر والسطر هناك صمت، وهناك حرب، وهناك بيت لم يعد موجوداً، وهناك اسم حبيب لم يُذكر.
تقرأ إسراء فتشعر أنك أمام جيل كامل يتكلم بلسان امرأة واحدة. جيل تعلم أن يخفي الدمعة في طرف العين حتى لا يراها أحد، وتعلم أن يضحك بصوت عال حتى لا يُتهم بالضعف. قصائدها تمشي على الحافة بين الشخصي والعام. تحكي عن أمها فتجد كل الأمهات العراقيات، وتحكي عن شارعها فتجد كل الشوارع التي أغلقت في وجوهنا. لا تقدم لك إسراء الأسدي خلاصات جاهزة. تتركك في منتصف النص، تائهاً، كما تركتنا الحياة تماماً، ثم تمد لك يدها في آخر سطر.
هناك موسيقى خفية في نصوصها. ليست موسيقى العروض الكلاسيكي، بل موسيقى النفس. إيقاع الأنفاس المتقطعة، إيقاع من يركض ثم يقف فجأة ليلتقط أنفاسه. وهذا ما يجعل قراءة الديوان تجربة جسدية. لا تقرأه بعينيك فقط. تقرأه بقلبك وبيدك التي ترتجف وأنت تقلب الصفحات.
“دون ذلك.. وأكثر!” شهادة على أن الشعر العراقي لم يمت. أنه فقط تغير. لم يعد يصرخ فقط، صار يهمس أيضاً. لم يعد يجلد الذات فقط، صار يرممها. إسراء الأسدي تنتمي إلى موجة جديدة من الشاعرات العربيات اللواتي يكتبن من قلب الكارثة، لكنهن يرفضن أن يكن ضحايا في النص. يكتبن ليعشن، لا ليمتن على الورق.
وفي النهاية، هذا الديوان ليس فقط كتاب شعر. هو وثيقة. وثيقة عن امرأة قررت أن تواجه الخراب بالجمال، وأن تواجه الصمت بالكلمة، وأن تقول للعالم: ها أنا، بكل ما فيّ من كسور ومن نور. “دون ذلك” هو كل ما قيل من قبل عن الحرب والمنفى والمرأة. “وأكثر” هو ما تضيفه إسراء بصوتها الذي لا يشبه إلا صوتها. صوت سيبقى يتردد في أروقة القاهرة وبغداد وكل المدن التي لا تزال تؤمن بأن القصيدة قادرة على إنقاذنا ولو مرة واحدة.
م




