أدب

لم تكن في الحسبان

محمد المخلافي| صنعاء – اليمن

قبل يومين، خرجت مع ابني أيهم (11 عامًا) عند التاسعة صباحًا إلى شارع المطاعم في ميدان التحرير، وسط العاصمة صنعاء. كان الجو جميلًا، وكانت السماء مغطاة بسحب كثيفة تبشر بالمطر.. تناولنا الفطور، ثم اتجهت، كعادتي، إلى المكان القريب من الميدان، حيث يجلس بعض الأصدقاء على الكراسي الممتدة تحت الأشجار. بينهم أدباء وشعراء وكتّاب، وأغلبهم ينتمي إلى أيام الصحافة والحياة الثقافية في اليمن.

هناك يجدون متنفسًا، ولو لبعض الوقت، يتبادلون الأحاديث، ويستعيدون ذكرياتهم ومشاركاتهم في الندوات والمعارض والفعاليات الأدبية التي كانت تُقام من وقت إلى آخر في العديد من العواصم العربية والعالمية. وهكذا يستمرون حتى قبيل الظهر، ثم يغادرون، وأثناء عودتنا إلى البيت، مررنا أمام بوابة المتحف الحربي، فطلب مني أيهم الدخول ليكتشف ما بداخله. قطعنا التذاكر، ثم دخلنا. كان المتحف شبه خالٍ من الزوار، تذكرت عندما كنت أعمل مرشدًا سياحيًا قبل عشرين عامًا؛ إذ كان المكان يعج بالسياح من مختلف الجنسيات، وكأنك في سوق مركزي.

استقبلنا مرشد المتحف، الأستاذ عادل حلبون، بابتسامة جميلة. وما إن بدأ يشرح لنا تاريخ بعض القطع الأثرية المعروضة، التي يعود تاريخ بعضها إلى آلاف السنين، حتى سألته إن كان من الممكن التصوير. قال: نعم. ثم استأذنته في تسجيل شرحه أثناء حديثه عن هذه القطع، وأخبرته أنني أنوي كتابة مقال عن هذه الزيارة، أنقل فيه بعضًا مما يحتويه هذا المتحف. قال لي: (بكل سرور، يمكنك ذلك).

ثم واصل حديثه، مشيرًا إلى الأواني الزجاجية الخاصة بالملكة بلقيس، والتي كانت تستخدمها للعطور والمكياج وأدوات الزينة. وقد تم فحصها في إيطاليا باستخدام وسائل وتقنيات حديثة، حددت عمرها بما يقارب ثلاثة آلاف سنة. وأشار إلى ما ورد في القرآن الكريم:﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾وإلى جانب ذلك، توجد مكحلة كانت تستخدمها الملكة بلقيس ضمن أدوات التجميل الخاصة بها أيضًا، كما يوجد الميل المصنوع من الذهب، والمحفوظ في المخزن، وفق ما ذكره المرشد. ثم انتقل بنا إلى الحديث عن مدينة براقش التي تقع في محافظة الجوف شمال شرقي اليمن. ويقول المثل اليمني الشهير: (جنت على نفسها براقش).

ويقال إن مدينة براقش كانت محصنة من جميع مداخلها، ولم يكن أحد يعرف موقعها أو نفقها السري. وكانت الكلبة وحدها تخرج إلى البئر لتشرب ثم تعود. لكن القوم لاحظوا خروجها، فتتبعوا أثرها حتى اكتشفوا مدخل المدينة، ودخلوا إليها وقضوا على أهلها. ومنذ ذلك الحين ارتبط اسم الكلبة براقش بهذا المثل الذي ظل يتردد: (جنت على نفسها براقش).بعدها انتقلنا إلى نماذج من المراسلات بين نبي الله سليمان والملكة بلقيس. وكانت عبارة عن قوالب تستخدم لحفظ الرسائل ولفّها قبل إرسالها، وكانت تُكتب بالخط المسند. ويوجد عقد زواج مكتوب بالخط الشعبي (الزبور)، على أعواد من خشب النخيل، ويُعد من أقدم المخطوطات في اليمن.

كان أكثر ما جذبني تمثالًا صغيرًا لطفل، يُعد من أصغر التماثيل في العالم. نحته الإنسان اليمني قبل نحو ثلاثة آلاف عام بدقة وحرفية مدهشة. وشاهدنا نسخة من رسالة النبي محمد ﷺ الموجهة إلى ملك البحرين المنذر بن ساوى التميمي، يدعوه فيها إلى الإسلام أو دفع الجزية. وتحمل الرسالة ختم الرسول ﷺ، وكانت الكتابة فيها بلا تنقيط.وفي جناح الأسلحة، شاهدنا أحجار المنجنيق، التي كانت تُصنع بأشكال دائرية، واستخدمت في العصور الإسلامية الوسطى، حيث كانت تُجهّز بالزيت والرماد وتُشعل بالنار، ثم تُطلق باتجاه القلاع والحصون لحرقها وتدميرها. وبجانبها، كانت هناك دروع حديدية يرتديها الجنود للحماية من السيوف والخناجر.

وانتقل بنا المرشد نحو السيوف اليمنية القديمة، وتحدث عن مكانتها التاريخية، مشيرًا إلى شهرة السيف اليمني منذ صدر الإسلام، وما تذكره الروايات عن جودة صناعته وصلابته. كما أشار إلى معركة مؤتة، حيث قيل إن تسعة سيوف انكسرت بيد خالد بن الوليد رضي الله عنه أثناء القتال، بينما صمد السيف اليمني طوال المعركة. كما ذكر أن النبي ﷺ كان يستقدم السيوف من اليمن في بدايات الإسلام، لما عُرفت به من جودة ومتانة. إلى جانبها، تظهر ثلاث جنابي خاصة بالقبائل اليمنية؛ من اليمين حاشد، ثم بكيل، والأخيرة مذحج، والتي تمثل جزءًا من الهوية والتراث الشعبي. وتتميز هذه الجنابي بتنوع أشكالها وزخارفها ورموزها من قبيلة إلى أخرى.

وهناك أيضًا بنادق عربية قديمة، تُعد من أقدم أنواع البنادق التي صُنعت في اليمن. وكانت تُعبّأ بالبارود، وتُشعل بواسطة الفتيلة، وتستخدم رصاصات صغيرة جدًا تشبه (الزراقيف). وقد استُخدمت في بدايات القرن العشرين، ومنها ما يعود إلى عام 1902. كما توجد بنادق أخرى كانت تُستخدم لأغراض الزينة، خصوصًا خلال العهد العثماني، إلى جانب رشاش (مكسيم) الذي صُنع في ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، ووصل إلى اليمن عبر العثمانيين.

وتوجد (شواهد) قبور لجنود عثمانيين ما تزال بارزة، وتظهر براعة الأتراك أثناء وجودهم في اليمن، وتحمل رموزًا للقبعات العسكرية التي كانت تُستخدم في ذلك الوقت ومن بينها شاهد يعود إلى جندي صغير يحمل رمز (القبعة العزيزية)، نسبة إلى عهد السلطان عبدالعزيز، وآخر يعود إلى جندي كبير يحمل رمز (القبعة السلطانية)، نسبة إلى عهد السلطان عبدالحميد.كما لفت انتباهنا أيضًا كرسي الوالي العثماني، الذي يبلغ ارتفاعه نحو مترين، وصُمم بهذا الشكل ليعكس رمزية السلطة والمكانة التي كان يمثلها الوالي العثماني في ذلك الوقت.وشاهدنا أيضًا نموذجًا للقطار، الذي يُعد من أقدم مشاريع السكك الحديدية في المنطقة، وهو مشروع أنشأه السلطان عبدالحميد الثاني قبل الحرب العالمية الأولى عام 1902. وكان يمتد من الحديدة إلى مدينة الخوخة، مع وجود خطة لتمديده ليصل إلى الحجاز وبلاد الشام، بهدف ربط الجزيرة العربية بأكملها. لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى، وما تبعها من سقوط الدولة العثمانية، أدى إلى توقف المشروع وعدم اكتماله.

وهناك بندقية مضادة للطيران صُنعت في ألمانيا، ويصل مداها إلى ثمانية كيلومترات، وكانت تستخدم في عهد الإمام. إلى جانبها، توجد أدوات عسكرية تعود إلى عهد الجيش الإمامي، كان الجنود يحملونها خلف الجنابي، ومنها المكحلة، والمشرعة، والمقط الخاص بالشوك، ومقص للشعر، وعلبة البردقان (الشمة). وفي وسط المتحف، توجد دراجة نارية دخلت اليمن عام 1964، ويقال إنها أول دراجة نارية دخلت البلاد. وأضاف المرشد أن سرعتها تعادل ربع سرعة الطائرة.

وبالقرب منها، تقف سيارة الملكة البريطانية (إليزابيث) التي استخدمتها خلال شهر العسل في عدن وجزيرة كمران، خلال فترة الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن. وهناك أيضًا مجسم لمعبد (إله الشمس)، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام. ويضم المعبد (360) غرفة بعدد أيام السنة، وكان يُستخدم في عهد الملكة بلقيس لمراقبة الشمس، حيث كانت تدخل أشعتها كل يوم من نافذة، فكان يُعد بمثابة تقويم يُعرف من خلاله فصول السنة، وكانت الملكة تنام كل يوم في غرفة من غرفه طوال أيام العام. وطائرة (ميج 17)، التي تُعد من أقدم الطائرات التي وصلت إلى اليمن من روسيا في إطار العلاقات مع الاتحاد السوفيتي، وقد أُهديت إلى اليمن مقابل تزويدها بالحبوب خلال فترات الحرب العالمية، وفقا لما ذكره المرشد.دخلت هذه الطائرة الخدمة في اليمن عام 1967، واستخدمت خلال حصار السبعين يومًا، كما شاركت في ضربات على مداخل صنعاء بعد قيام الجمهورية. إلى جانب الأسد المحنط، توجد هدية قدمها معمر القذافي، الرئيس الليبي السابق، للمتحف أثناء زيارته لليمن عام 1994، وهي عبارة عن نمس مع فار يلتهم ثعبانًا، بالإضافة إلى ورل.

جاءت هذه الزيارة على غير ترتيب، ولم يكن الوقت كافيًا، لذلك اكتفيت بالحديث عن بعض القطع الأثرية، رغم أن المتحف يضم الكثير من الآثار التي تستحق التوقف عندها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى