
أ. سعيد مالك| معلم لغة عربية – مسقط
ليست اللغة العربية مجرد كلمات نرتبها في جمل لنعبّر بها عن أفكارنا، وإنما هي عالم واسع تستطيع فيه الكلمة أن ترسم صورة، وأن تحرك إحساسًا، وأن تجعل المعنى المجرد شيئًا نراه ونشعر به. ومن هنا يأتي علم البيان، أحد علوم البلاغة العربية، ليكشف لنا كيف يستطيع المتكلم أو الكاتب أن يعبّر عن المعنى الواحد بطرق مختلفة، فيجعله أوضح وأجمل وأشد تأثيرًا. وقد عرّف البلاغيون علم البيان بأنه (العلم الذي يُعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه). وأشهر أبوابه: التشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز المرسل. وهذه الأبواب ليست مجرد قواعد للحفظ، بل أدوات فنية تجعل النص أكثر جمالًا وعمقًا، ولذلك نجدها حاضرة بقوة في القرآن الكريم والشعر العربي والنثر.
أولًا: التشبيه: أن نرى المعنى في صورة
التشبيه هو عقد مقارنة بين شيئين يشتركان في صفة معينة، باستخدام أداة ظاهرة أو مقدرة. ومن أمثلته قولنا: العلم كالنور في حياة الإنسان؛ فقد شبهنا العلم بالنور؛ لأن كليهما يهدي ويكشف الطريق.
وللتشبيه أربعة أركان أساسية: المشبّه، والمشبّه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه.
ومن أجمل الأمثلة القرآنية قوله تعالى:﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: 261].هنا شبّه الله تعالى أثر الإنفاق في سبيله بحبة تنبت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، في صورة بديعة توضح عِظم الثواب وتضاعف الأجر. ومن التشبيه القرآني أيضًا قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39]. فقد شُبّه القمر في آخر منازله بالعرجون القديم؛ لأن كليهما يتخذ شكلًا دقيقًا مقوسًا.
والتشبيه لا يقتصر على القرآن؛ فنقول: الجندي كالأسد في الشجاعة، ووجه الطفل كالبدر، والعالِم كالمصباح يهدي الناس.
وقد يُحذف أحد أركان التشبيه، فيزداد جماله وقوته، مثل قولنا: العلم نور. فهنا لم نستخدم أداة التشبيه، ولذلك يسمى تشبيهًا بليغًا، وكأن العلم والنور شيء واحد في شدة الإضاءة والهداية.
ثانيًا: الاستعارة: عندما تتحدث الأشياء بلسان الإنسان، والاستعارة لون أكثر عمقًا من التشبيه؛ لأنها تقوم على تشبيه حُذف أحد طرفيه. فإذا قلنا: ابتسم الصباح، فنحن نعرف أن الصباح لا يبتسم حقيقة، لكننا شبهناه بإنسان يبتسم، ثم حذفنا المشبّه به، وأبقينا شيئًا من صفاته وهو الابتسام. ومن أجمل الأمثلة القرآنية قوله تعالى:﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4].
لم يقل زكريا عليه السلام: انتشر الشيب في رأسي، وإنما صُوّر الشيب بصورة النار المشتعلة التي تنتشر بسرعة؛ فكانت الصورة أكثر قوة وتأثيرًا. ومن ذلك قوله تعالى:﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 1].
فالظلمات هنا تُصوّر الضلال والجهل والكفر، بينما النور يصوّر الهداية والإيمان. وكأن الهداية طريق يخرج الإنسان من ظلام حقيقي إلى نور حقيقي. ومن الاستعارة أيضًا قوله تعالى:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103].فليس المقصود حبلًا ماديًا، وإنما صُوّرت أسباب الوحدة والتمسك بدين الله بحبل قوي يتمسك به الناس حتى لا يتفرقوا. وفي حياتنا اليومية نقول: قتلني الحنين، وابتلع البحر السفينة، وصرخ الحق في وجه الباطل. وهذه التعبيرات تجعل المعنى أكثر حركة وحيوية.
ثالثًا: الكناية: المعنى الذي نفهمه دون أن يُقال مباشرة. والكناية تعبير لا يُراد منه المعنى الظاهر وحده، وإنما يُراد به معنى ملازم له، مع إمكان إرادة المعنى الأصلي.
فعندما نقول: فلان كثير الرماد، فقد لا يكون المقصود كثرة الرماد فعلًا، وإنما الإشارة إلى كثرة الطبخ، وكثرة الطبخ تدل على كثرة الضيوف، وكثرة الضيوف تدل على الكرم. ونقول: فلان نظيف اليد، فنحن لا نقصد بالضرورة نظافة يده المادية، وإنما نقصد أنه أمين بعيد عن الخيانة أو المال الحرام. ومن التعبيرات الكنائية: فلان طويل النجاد، ويُقصد بها في بعض الاستعمالات الدلالة على طول القامة، وفلان أبيض الوجه، وقد يُراد بها حسن السمعة والمكانة. والكناية من الأساليب التي تمنح اللغة رقيًا وجمالًا؛ لأنها تجعل القارئ يشارك في الوصول إلى المعنى بدل أن تقدمه إليه بصورة مباشرة.
رابعًا: المجاز المرسل: علاقة تتجاوز التشابه. المجاز المرسل هو استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي لعلاقة غير المشابهة، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. ومن أشهر علاقاته: الجزئية، والكلية، والسببية، والمسببية، والمحلية، والحالية وغيرها. قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2]. فالأموال في حقيقتها لأصحابها، وهم اليتامى، لكن التعبير جاء على هذا النحو للدلالة على رد الأموال إليهم وتمكينهم منها.
ومن أمثلة المجاز المرسل قولنا: شربتُ الكأس. فالإنسان لا يشرب الكأس نفسها، وإنما يشرب ما فيها، فالعلاقة هنا المحلية؛ لأن الكأس محلّ للمشروب. ونقول: قرأتُ طه حسين، والمقصود قرأت كتابًا من كتبه، فذكر اسم المؤلف وأُريد مؤلَّفه، وهذه علاقة المسببية أو اعتبار ما كان بحسب السياق والتحليل البلاغي. ونقول: أطلقت الدولة الأيدي العاملة، والمقصود العمال، فأُطلق الجزء وأُريد الكل، وهذه علاقة الجزئية.
كيف نفرق بين أقسام علم البيان؟
قد يختلط الأمر على الطالب، لكن يمكن الوصول إلى الإجابة من خلال سؤال بسيط:
(1) إذا وجدت مقارنة واضحة بين شيئين، فابحث عن التشبيه.
(2) وإذا وجدت تشبيهًا حُذف أحد طرفيه، وأصبح أحد الشيئين يُذكر بصفة الآخر، فغالبًا نحن أمام استعارة.
(3) أما إذا كان التعبير يشير إلى معنى مقصود بطريقة غير مباشرة، مع إمكان إرادة المعنى الظاهر، فغالبًا هي كناية.
(4) وإذا استُعمل اللفظ في غير معناه الأصلي لعلاقة غير المشابهة، فهذه مجاز مرسل.
وهكذا نكتشف أن علم البيان ليس مجموعة مصطلحات جامدة، وإنما هو فن يجعل اللغة قادرة على التصوير والإيحاء والتأثير. فالتشبيه يرسم المقارنة، والاستعارة تمنح الأشياء حياة وحركة، والكناية تجعل المعنى يصل إلينا في هدوء وذكاء، أما المجاز المرسل فيفتح أمام الكلمة علاقات واسعة تتجاوز معناها المباشر.
ولهذا كان القرآن الكريم من أعظم النماذج التي تكشف روعة البيان العربي؛ فالكلمة فيه لا تأتي عبثًا، والصورة لا تُذكر لمجرد الزينة، بل تأتي لخدمة المعنى وتقويته وترسيخه في النفس…



