متى نؤلّف نحوا حديثا للغتنا الحديثة؟

بروفسور: سليمان جبران | حيفا – فلسطين

تتطوّر اللغة الحيّة بتطوّر الناطقين بـها، وتتغيّر بتغيّر أحوالهم؛ من عصر إلى عصر، ومن مستوى حضاريّ فكريّ ثقافيّ إلى آخر. هذا ما حدث للعتنا العربيّة أيضا: تطوّرت تطوّرا هائلا في العصور الوسطى بتطوّر الناطقين بها، من مجتمع صحراويّ قبليّ إلى إمبراطورية عظمى ورثتْ الحضارات القديمة كلّها، حتى غدتْ تبعا لذلك أرقى اللغات آنذاك؛ وتراجعت في ظلّ الدولة العثمانية حتى بلغت الحضيض، وتهدّدها الضياع والانقراض.

في عصرنا هذا أيضا واجهت لغتنا حضارة أرقى منها وأوسع، فكان لا بدّ لها من التطوّر معجما ونحوا، وبسرعة أيضا، لتتمكن من اللحاق باللغات الوافدة. على هذا النحو تطوّرت لغتنا المعاصرة تطوّرا كبيرا بجهود آلاف المترجمين والصحافيين والمبدعين، أكثر ممّا تطوّرت بجهود مؤسسات رسميّة لم تكنْ أساسا في المراحل الأولى، حتى غدت اليوم مختلفة اختلافا بيّنا عن لغة الأقدمين. لعلّنا لا نلاحظ بوضوح كلّ التغيير الذي طرأ على اللغة في عصرنا هذا، لقربـها منّا، واعتيادها في قراءاتنا وكتاباتنا. لكنْ لو طالع سيبويه ومعاصروه نصّا من لغتنا اليوم لأنكروه تماما، ولم يفهموا منه إلا القليل القليل!

يتمثّل تطوّر لغتنا الحديثة في مجاليْن أساسيّين: الأوّل هو استحداث ألفاظ ومصطلحات جديدة بالابتكار والاشتقاق والنحت والتعريب، وبذلك انضافتْ إلى لغتنا العربية آلاف الألفاظ والتراكيب والتعابير الجديدة، بعضها واضح نعرفه، وبعضها يتردّد على ألسنتنا وأقلامنا، حتى المحافظين منّا، دونما إدراك لأصله الأجنبيّ في أحيان كثيرة.

المجال الثاني هو التطوّر والتجديد في مبنى الجملة، أو في النحو ذاته، وهو تطوّر لا تلحظه العين دائما، لأنّ القارئ يمرّ بهذه الأساليب الجديدة فيألفها حتى يظنّها من الأساليب الكلاسيكية التي يجيزها النحو والنحاة. ثمّ إنّ إصرار رجال اللغة والقائمين على المؤسّسات التعليمية، على تفسير كلّ التجديدات المبنوية بأحكام النحو الكلاسيكي، بالمنطق حينا وبالقسر أحيانا، قد يُوهم القرّاء، والمثقّفين أحيانا، أنّ لغتنا المعاصرة ما زالتْ محكومة بنحو سيبويه والكسائي، لا تشذّ عنه أو تخرج عليه. وإلا فما معنى محاولات “النحاة” الجدد فرض القوالب النحوية الكلاسيكية على كلّ المباني الحديثة، المستقاة في معظمها من اللغات الأجنبية واللغات المحكيّة، وبالعنت والقسر غالبا؟ لا أظنّنا نغالي إذا قلنا إنّ نحو لغتنا الحديثة قد تغيّر وتطوّر بحيث باتت الحاجة ماسّة إلى وضع نحو حديث للغتنا الحديثة، تماما كما وضع أجدادنا نحوا للغتهم التي تداولوها في تلك الأيّام. هل يُعقل أن يحكم لغتنا اليوم نحو وضعوه قبل ثلاثة عشر قرنا وأكثر، هل في اللغات المعاصرة كلّها لغة تعاني ما تعاني لغتنا حين تُفرض عليها، في عصرنا هذا، أحكام العصور الوسطى وأعرافها؟

واضح أنّ نحو اللغة المعاصرة يتأثر في تطوّره، كما ألمحنا، بعاملين حاسمين: العامل الأوّل هو الترجمة من اللغات الأخرى، ولا أظنّ اللغة العربية عرفتْ عهدا ازدهرت فيه الترجمة من اللغات الأخرى، كمّا ونوعا، كما نشهد في هذه الأيّام. وكم من مترجم يتبنّى خلال عمله المضني مبنى الجملة الأجنبية، واعيا أو دون وعي، فيلاقي هذا المبنى الجديد قبولا لدى القرّاء والكتّاب، ولا يلبث أنْ يشيع على الأقلام والألسنة، فيكتسب بذلك رواجه السريع وشرعيّته. العامل الثاني طبعا هو لغتنا المحكيّة؛ اللغة الطبيعية في حديثنا وتفكيرنا أيضا. ففي عصرنا هذا لم يعد المبدعون يتهيّبون “حماة الفصاحة” في نقل الأبنية المحكية إلى اللغة المعيارية، شعرا ونثرا، لتشيع هذه الأبنية دونما حرج، وتغدو جزءا لا يتجزّأ من لغتنا الحديثة.

بل إنّ هذه الأبنية المستقاة من المحكيّة غالبا ما تُضفي على النصّ مذاقا طازجا يلاقي هوى في نفوس قرائه، فيكفل له الشيوع والانتشار الواسع. لعلّ نزار قباني، في هذا المجال، هو أكثر من استفاد من نحو المحكية وصياغاتها، في شعره السياسيّ بوجه خاصّ، فكان ذلك عاملا بارزا من عوامل انتشار شعره في كلّ مكان وعلى كلّ لسان!

لسْنا هنا في مجال تعداد كلّ الأبنية الحديثة التي “خرجت” عن النحو الكلاسيكيّ، وسوّغها شيوعها في النصوص الحديثة، حتى غدت “شرعيّة” لا اعتراض عليها ولا استنكار، فذلك يحتاج إلى دراسات مستفيضة ينجزها رجال اللغة المتخصّصون وفي إطار أوسع مدى. أردنا فقط لفتَ الأنظار إلى هذه القضيّة الهامّة في لغتنا، وإلى حاجة لغتنا الحديثة إلى نحو حديث، أسوة بجميع اللغات الحيّة المعاصرة. لذا فإننا نكتفي بإيراد أمثلة معدودة وقعنا عليها عرَضا، محاولين تفسيرها دونما “تخريج” نحوي لها، أو “إعرابها”، كما هو دأب “الغيورين”!

  • عودة الضمير على ما بعده

يعود الضمير في النحو الكلاسيكي على ما قبله، دون استثناء. نقول: عاد الرجل إلى بيته مساء، ضمير الغائب، الـهــاء، يعود على الاسم قبله – الرجل. هذا هو المبنى الكلاسيكي طبعا. إلا أنّ الأساليب الحديثة يعود فيها الضمير على ما بعده أيضا، إمّا بتأثير اللغات الأجنبيّة التي نترجم منها، أو لسبب بلاغيّ يستدعي تقديم جزء من الجملة على آخر. على هذا النحو نقرأ ونسمع مباني كثيرة مثل: بعد هبوطه في المطار صرّح وزير الخارجية بأن…، إنّه مبنى شائع سائغ، ولم يعدْ يلقى المعارضة أيضا!

  • مضافان أو أكثر لمضاف إليه واحد

وهو مبنى شائع، رغم خروجه عن الأسلوب الكلاسيكي، بحيث لم يعدْ يعترض عليه أو يلتفت إليه حتى غلاة المحافظين. فكما نقول: كُتب التلميذ ودفاتره، شاع وتشرْعَنَ في لغتنا الحديثة أن نقول أيضا: كُتب ودفاتر التلميذ. فلا اللغة العربية تضعضعت ولا نحوها استغاث طالبا النجدة!

  • كلَّ عام وأنتم بخير

وهو مبنى مستقى، في رأينا، من اللغة المحكــيّــة، عرضنا له بكثير من التفصيل في موضع آخر من الكتاب، مبيّنين طريقة “الغيورين” في تخريجه، أو تطبيق النحو الكلاسيكي عليه قسرا، فلا حاجة إلى تكرار ذلك ثانية.

  • ذات وكافّة للتوكيد المعنوي

من المعروف أن التوكيد المعنوي يقتصر على ألفاظ معدودة هي: كلّ، جميع، كلا، كلتا، نفس، عين، كقولنا: قابلتُ المدير نفسَه/عينَه. إلا أننا في لغتنا الحديثة نقول أيضا: قرأت الكتاب ذاتَه، بمعنى نفسه، وشارك الأصدقاء كافّتهم، بمعنى كلّهم.

  • الكاف في غير التشبيه

تعتبر كتب النحو الكاف حرف جرّ، وتفيد التشبيه، كقولنا: وجهك كالبدر. بل يعتبرونها أحيانا اسما مضافا لما بعده إذا كانت الجملة قبلها غير مكتملة نحويا، كما في بيت المتنبي: وما قتل الأحرارَ كالعفو عنهم… من حيث معناها لا تذكر المراجع الكلاسيكيّة سوى التشبيه، أمّا في اللغة الحديثة فكثيرا ما تُستخدم استخداما جديدا، بمعنى بصفة أو باعتبار، كقولنا: نحن كمعلمين (بصفتنا/ باعتبارنا معلمين) يجب أن نرفع من شأن اللغة العربية بين تلاميذنا. المحافظون لا يقبلون طبعا مثل هذا الاستعمال للكاف، إلا أنّه من الشيوع بحيث يفرض شرعيّته.

  • الجملة الاستفهامية مضافا إليه

أدوات الاستفهام، سواء كانت حرفا أو اسما، لها حقّ الصدارة، بأسلوب النحاة، فلا ترد إلا في أول الجملة. لذا فإنّ الجملة الاستفهامية لا تشكّل عادة جزءا من جملة كبيرة فيكون لها محلّ من الإعراب. إلا أنّ اللغة الحديثة أخذت شيئا فشيئا في استخدام الجملة الاستفهامية مفعولا به، ومضافا إليه أيضا. الحالة الأولى منتشرة تماما، بتأثير نحو المحكيّة ربما، حتى غدتْ مقبولة سائغة يأخذ بها معظم الكتّاب دونما حرج. ما أكثر ما نكتب ونقرأ، في الصحافة والأدب، جملا مثل: لا أحد يعرف متى وقع الحادث، لم تعلن اللجنة من الفائز في المسابقة. أمّا أنْ تقع الجملة الاستفهامية مضافا إليه فذلك أقل شيوعا، وأغلب الظنّ أنه بتأثير الترجمة من اللغات الأجنبية أيضا. ما المانع، مع ذلك، من استخدام المبنى المذكور، كما هو في الجمل التالية التي عثرنا عليها في نصوص حديثة مختلفة:

– كان من المهمّ معرفة كيف تمّ تلقّي نظريته في مصر.

– … تجعل مسألة هل نحن إزاء لغة واحدة أم إزاء لغات متباينة، مسألة ذات مغزى.

– من الصعب أن نتوصّل إلى فهم مسألة ما هي الوقائع التي يستند إليها هذا الخوف.

– … لفحص هل يلائم النصّ أهداف القراءة، وهل يستحقّ الاستمرار في قراءته.

  • بعضهم البعض

إذا كان تلاميذ الصفّ يساعد أحدهم الآخر، فكيف نصوغ ذلك باستخدام الاسم بعض؟ في المباني الكلاسيكية هناك طريقتان للتعبير عن ذلك:

– يساعد التلاميذ بعضُهم بعضا، كما في الآية القرآنية:”… أم آتيناهم كتابا فهم على بيّنة منه بل إنْ يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا” (فاطر 35/40). في هذه الحالة تعتبر بعض الأولى بدلا، والثانية مفعولا به، وهو مبنى جائز وشائع طبعا، سواء كان المبدل منه اسما ظاهرا أو ضميرا متّصلا.

– التلاميذ يساعد بعضُهم بعضا، كما في الآية القرآنية:”… ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتَخذ بعضُهم بعضا سخريّا” (الزخرف 43/32). وهذا المبنى أبسط في تركيبه من سابقه، فهو من فعل وفاعل ومفعول به طبعا. أمّا في لغتنا الحديثة فنجد:

يساعد التلاميذ بعضهم البعض / التلاميذ يساعدون بعضهم البعض. في هذين المبنيين تأثير واضح لنحو اللغة المحكية، لذا من الطبيعي أنْ لا نجدهما في النصوص الكلاسيكية، وعليه فلا “تخريج” أو إعراب لهما أيضا. بل إن “الغيورين” يعتبرون ذلك خطأ فاحشا لا بدّ من “تصويبه”، رغم شيوعه في الصحافة، وفي الأدب أيضا!

  • أفعل التفضيل، هل تظل المطابقة فيه مطلقة؟

من الأحكام المعروفة أنّ أفعل التفضيل “إذا كان معرّفا فلا بدّ من المطابقة”، نحو: البنت الكبرى، الرجلان الأفضلان. بكلمة أخرى، إذا كان أفعل التفضيل صفة معرّفة بال، وهذا ما يهمّنا هنا، فحكمه أن يتبع ما قبله، الموصوف، في الجنس، أي في التذكير والتأنيث، فإذا قلنا البنت الأكبر كان ذلك خطأ. بناء على هذه القاعدة، علينا أن نقول: القرية الجُملى (مؤنث أجمل)، الساحة الوُسعى (مؤنث أوسع)، النتيجة الرُّوعى (مؤنث أروع)! إذا استثنينا ألفاظا معدودة متداولة في اللغة (مثل: كبرى، صغرى، عظمى، سفلى، عليا، دنيا، قصوى، طولى…) نجد أن اللغة الحديثة لا تأخذ بهذا الحكم، بل تجعل أفعل التفضيل مذكّرا مفردا دائما؛ على حالة واحدة “جامدة” لا تتغيّر. فكثيرا ما نقرأ اليوم تراكيب مثل: القصة الأروع، الطبيعة الأجمل، الدولة الأقوى وهكذا! لعلّ الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل كان أوّل من أجاز لنفسه، حين كان محرّرا لصحيفة الأهرام قبل سنوات طويلة، أن يتجاهل الحكم المذكور. فكم من مرّة سمعناه وقرأناه يردّد تركيب “الدولتان الأعظم”، أي الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفييتي، يوم كانت العلاقات بين هاتين الدولتين شغل العالم الشاغل. قد يكون هيكل تأثّر بالصياغة في اللغات الأجنبية وقد يكون استثقل “الدولتان العظيمان”، لكنّه بذلك أوّل من شرْعن هذه الصياغة، ربّما، فلم تعد تنفر الأذن منها، وغدت اليوم صياغة يمرّ عليها “الغيورون” في صمت، دونما اعتراض أو احتجاج. لا يستطيع كلّ الكتّاب، ولا الأذن تستسيغ تداول الأمثلة “الغريبة” المذكورة أعلاه في سبيل المطابقة. من واجبنا إذن القبول ببقاء أفعل التفضيل على حالة واحدة لا تتغيّر، مفرد مذكّر، باستثناء ألفاظ معدودة تداولتها لغتنا الحديثة. وسواء شرعنّا هذه الصياغة أو استنكرناها، فالصحافيون والكتّاب لن يعودوا إلى أحكامنا كلّما جلسوا إلى الكتابة، والحياة كفيلة بشرعنة كلّ ما تراه معقولا وسائغا!

  • حتّى في سياقات حديثة

إذا كان الفرّاء مات وفي قلبه شيء من حتى، فلغتنا الحديثة أضافت إلى حتّى استعمالات لم يعرفها الفرّاء ورفاقه في العصور الوسطى. رغم ما نالته حتى من سمعته سيّئة، عند النحاة والتلاميذ، إلا أنّها على الغالب من نوعين:

  1. حتى الجارّة، بمعنى إلى، والاسم بعدها يرد مجرورا، بلغة النحاة، فنقول: انتظرتُ حتى نهايةِ الدرس، أو المثال المألوف لدى النحاة: أكلتُ السمكة حتى رأسِها. وهي حتى نفسها طبعا التي يرد بعدها المضارع منصوبا بأن مضمرة، مثل: لا تأكل حتى تجوعَ (إلى أن تجوعَ).
  2. حتى العاطفة، بمعنى وأيضا، نحو: فرّ الجميع حتى القائدُ (وأيضا القائد)، أو أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها. لكنّ اللغة الحديثة، كما ذكرنا، أضافتْ استعمالات جديدة إلى حتى لا يجوز فيها اعتبارها جارّة، ويصعب القول إنها عاطفة لعدم ورود معطوف عليه قبلها. إنها صياغات جديدة تأثرت فيما يبدو بنحو لغتنا المحكيّة أو بالأساليب الأجنبية. للتمثيل لا للحصر:

يعترف بذلك حتّى المعارضون.

لم يقبل المعارضون حتى الصمت.

حتى أنت تنكر كلّ ما حدث؟

  • هو الآخر، هي الأخرى

هذا التركيب من تراكيب لغتنا الحديثة، ويعني: هو أيضا، هي أيضا. أغلب الظن أن هذا التركيب مصدره المحكيّة المصرية، (هوّ لاخر / راخر)، “تسلّل” إلى النصوص القصصية أوّل الأمر، ثم شاع على أقلام الكتّاب المصريين، وغير المصريين أيضا.

  • صياغات “انفعل” جديدة في لغتنا المعاصرة

كلّ من يتأمّل لغتنا الحديثة يلاحظ بوضوح تزايد الوزن انفعل ومشتقّاته في صياغات جديدة لم تعرفها لغتنا الكلاسيكية. هناك أفعال كثيرة في المصادر القديمة، من الثلاثي المجرّد بوجه خاصّ، لا يشتقّ منها وزن انفعل، وإنما تبنى للمجهول بدلا من هذا الوزن. فنحن مثلا نقول كُتِبَ ولا نقول انكتب، رغم أنه “مطاوع” كَتَبَ، أو “المجهول” منه في دلالته لا شكله.

إلا أن لغتنا الحديثة، في منحاها التبسيطي، تميل إلى انفعل بالذات لسببين: الأوّل أن هذا الفعل لا يحتاج إلى تشكيل، كما في المبنيّ للمجهول، ولذا فإن استخدامه أسهل وأوضح طبعا، خصوصا في النصوص غير المشكولة. السبب الثاني هو أن لغتنا المحكيّة في جميع لهجاتها لا تعرف صيغة المبنيّ للمجهول عادة، تماما كما في العبريّة التي يقوم فيها وزن نِفْعال، الموازي لوزن انفعل العربي، بديلا للمجهول دائما. وبتأثير المحكية أخذت تتسلّل إلى اللغة المعيارية أفعال كثيرة بوزن انفعل لم تعرفها اللغة الكلاسيكية، أو هي “خروج” عن الأبنية الكلاسيكية في نظر المتشدّدين. هكذا بدأت تتخلّل لغتنا المعاصرة أفعال مثل: انبنى، انقاس، انغلق، انجرح، انطرح، انضاف، انسمع، انضرب، انقتل، انداس، انخلط… بعضها شاع حتى ألفته الآذان، وبعضها ما زالت الآذان تنكره، لكن لا أحد يستطيع إلغاءه. في هذا السياق، لابدّ أيضا، كما نردّد دائما، من تأليف قاموس معاصر شامل يشرعن مثل هذه الاشتقاقات الجديدة، وآلاف الألفاظ والمصطلحات المبتكرة والمعرّبة، ليثري بذلك لغتنا العربية ويوحّدها في هذه الحقبة الحرجة من تاريخها.

هذا قليل من كثير من “نحو اللغة الحديثة”، أوردناه للتمثيل لا أكثر. فغايتنا هنا التنبيه إلى ضرورة تأليف نحو جديد، يتقصّى ويشرعن الظواهر النحوية والصرفية الجديدة كلّها في لغتنا الحديثة، لا تأليف هذا النحو، فهو يحتاج إلى جهود كبيرة، وسنين عديدة أيضا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى