المتكمّلون بغيرهم

محمد عبد العظيم العجمي | كاتب مصري

هؤلاء الذين أبوا إلا يتصدقوا بعطاءات السماء عليهم ــ صدقة لا يؤجرون بها ـــ ثم تسيل نفوسهم في إثر من يظنون أن تأتيهم منهم منفعة.. وهيهات!! إذا كان ما أغدق عليك من عطاءات ربانية فياضة قد ذهب من بين يديك ومن أمام ناظريك يوما يوما، ولحظة لحظة، ونفسا نفسا، دون أن تذهب نفسك عليه حسرات.. فكيف تنتظر من غيرك أن يكون أشفق عليك من نفسك أو أرحم بك منك؟!!
تلك البصمة والصبغة والصنعة الربانية التي أودعت بلطف في كل قلب ونفس، فلم تتكرر ولم تتشابه، ولم تكن إحداها مكتملة أو مفتقدة إلى غيرها، إنما كان لها من خصوصية التفرد ما يجعلها تشق طريقها بين طبقات الحياة وأنواع المخلوقات وصنوف البشر بصورة متفردة لا تحتاج في اكتمالها أو تحقيق ذاتها إلا ما دعته ضرورة التكامل الفطري بين الخلق، وما خطته يد المقادير من افتقار الكل ِإلى الكل والبعض إلى البعض، مهما كان دوره ومهما قل عطاؤه أو ازداد.
أما أن يتأمل المرء ذاته فلا يجد فيها من هذا العطاء المدرار سوى هذا البخس، وهذا القُلّ؛ فينعي حظه ويُحقّر نفسه، ثم يبحث لها عن دور في الحياة تتقنه، فلا يخالها كفيلة بأي دور سوى أن تدلي من دلوها في دلاء غيرها، وأن تفيض من رصيد عمرها الثمين على أرصدة من تظن من قبلهم عطاءً أو منفعةً أو مردودا.. تصرف هذا الرصيد الرباني وتُصرّفه راضية بما لم ترض به ضعاف المخلوقات من النمل والنحل والحشرات والهوام، والفيارس والخلايا الأحادية، والحيوانات ضعيفها وعظيمها، والطيور بغاثها ونسورها، والوحش، والإنس والجن كل قد علم حظه، وسعى في قدره فلا يلوي على قدر غيره، ولا يكتمل إلا بنفسه ولا يؤدي في رسالة الحياة الفطرية إلا دوره الذي فطر عليه وصبغت عليه خلاياه وتكوينه.
تدرك هذه المخلوقات بفطرتها السوية ما جبلت عليه، وما أنيط بها من دور فتقوم به دون كلل ولا ملل، ولا تخاذل، ولا تهاون فتجد النحل دؤوب في أعشاشه والطير في أوكاره، والنمل في جحوره ” كل قد علم صلاته وتسبيحه”، ثم تلتفت إلى الإنسان فتجد هذا الصنف المتبلد المتلفت المأفون الذي يتأمل قرارة نفسه فيسخط، ويرى حظه فيبهت، وينظر أمامه فيقنط، ولا يجد على ساحة الكون في داخله وخارجه إلا هذا السلب، وهذا المنع.. فتتطلع هذه النفس السالبة أن تسحب من رصيدها سلبا لا عطاء ، وموتا لا نماء.
فهل هذا إلا اتهام للخالق، وعيبة للصانع، وازدراء للقدرة التي ما عز عليها تمكين الدودة في جحرها، والذر أن يغالب عوامل الطبيعة فيصرعها ليحفظ بقاءه ويستلب من بين ضراوتها حظه ويقضي فيها نهمته؟! ألا يعلم هذا الساعي على عمل زهيد يكف به نفسه، ويطعم به جوعه، ويكفل به ذرية من خلفه ضعافا أنه يتكامل مع هذا البناء الكوني النظمي العجيب الذي قال الله عنه “وإن من شيء إلا يسبح بحمده” .. وأنه مُمَكّن فيما قدر له تمكينا يناظر فيه وينافس تمكين الفلك الدوار والنجوم السيارة والكون العظيم؟ من هذا الذي يظن أن في شانه هوانا وفي عمله احتقارا وقد استقبل يومه مع السحر كما استقبلته مفردات الكون، فغمر النور قلبه، وسرت في أوصاله قشعريرة النفحة الجديدة من هذا اليوم المكتنز بالجديد والجميل، وأشرب قلبه ترانيم هذا الصباح الوضيء، وانفعلت روحه مع بواكير السحر، وعطاءات الفلق، فأقبل على أمره، وشمر عن يده، ورمى في غمار هذا الموج الصباحي شباكه، وأفرد على ضفافه شراعه، وأزجى على بساطه فلكه.. ثم أقبل ينظر كيف يثمر يومه، وكيف تزهر نبتته اليومية في نفسه ومادته، وقوته وأجره، وروحه. كيف تمن عليه يد القدرة المحققة من عطاء الروح وعطاء المادة، فلا يرجع من ذلك إلا مطمئن النفس قارّ العين، ساكن البال، رابط الفؤاد.. ثم كالٍّا من عمل يده، فمغفورا له.
أما المُتكمّلون المتجمّلون بغيرهم، فهم هذا النمط المخيف الذي ألقى بثقله عالة على الكون فأرهق الطبيعة وأتعب نفسه، وأثقل على الخلق حتى ظله؛ فبدا يتلفت ويتلقف الشوارد والغرائب، ويتقحم غمار بنيات الطريق التي لم تكن مهيأة لمروره عليها، ولم يك مرحبا به في ورودها، ويندفع في إثر المتحققين ليكون ظلا لهم أوصورة أوعلامة.
هذا الموظف المتملق من فوقَه، لو استطاع أن يضيف إلى رصيده الوظيفي ما يرضي نفسه لما تنكب عن قدره، وهذا الفائت حظه من نصيب العمل الكسبي، فهو في ركاب أهل السياسة والفن والنجومية والإعلام محالفا ومنافحا ومؤيدا ومسددا، يصنع من الفراغ شغلا، ومن التنطع صناعة وعملا؛ وهذا الذي صاحب الفراغ واستلهى بالنوم والكسل، وأغفل تسابيح الجماد والحياة، ونبذ حظه وراءه ظهريا، فأبلى نفسه كل يوم وليلة حتى خرج صفر اليدين مغبون العمر.
وهذا الذي تملق الفرص وسعى في اقتناصها، وهو يعلم تمام العلم أنها ليست له، وأن مقوماته أقل أن تبلغه ما يسعى إليه، ولكنه يجد في افتعال الكسب وقطف ثمار غيره، وإحراز ما ليس من حظه، فيبلغ بعض النجاح وينسب إلى نفسه حظ غيره، ولا يزال على حاله حتى يأوي في النهاية إلى بوار “إن الله لا يصلح عمل المفسدين”.
الكون معلم بارع يعلمنا كيف نتفاعل معه ونتناغم، والطبيعة مدرسة متفننة جامعة مهيئة لقدومنا واستقبالنا، وأم حانية تسعى جاهدة في الحفاظ علينا وعلى مقدراتنا التي استحفظت عليها، ولا ينقص الإنسان إلا استيقاف النظر وإعمال العقل، وتقليب الرأي فيما مُنّ عليه به كيف يستثمره وكيف يصرفه، لا كيف يهدره ويفسده ثم يخرج من الحياة نادما خاسرا لم يخلف بصمة قد خلفها أقل الحيوانات في الطبيعة ، وقد حقت كلمة القرآن “أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا” (الفرقان).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى