عقيل علي الشاعر الذي سحبَ رأسهُ من مياه القبيلة

قراءة: عقيل هاشم | العراق

مات الشاعر” عقيل علي” في 2005 وكانت آخر قصيدة له في جيبه وهي:

” ريح الجمرة”

أغمضت المقلتين

ومضيت

بعد انطفائها

مازال الانتظار مرتحلٌ

والذي لايجيء قبضُ رمادْ

فالتجيء له

وأهجر الجدار

وسادتك الرصيف

وطعامك بقايا فضلات المزابل

التوجس والدهشة والحيرة وأيام اللاجدوى

فراشك وغطاؤك وزادك دوما

فأغمض المقلتين كذلك أنت إلى الأبد

مازلت مرتحلا وستظل،

داخل روحك

فإلى متى ياعقيل علي

ما من خلاص؟

أهذه ما يسمى حياة

كلا،

أنه الموت في الحياة كل رمشة جفن

أنه إذن ما تبقى من ما محسوب عليك حياة بيديك

وكفى

كفى.

وكانت آخر كلمات قالها “عقيل علي” لأحد الأصدقاء عن الوطن “لا أقسى من غربة الوطن، كل الذين في المنافي لم يعانوا مثلما عانينا،غربة الداخل أقسى..عشنا المنفى في الداخل.. فأنا لاجئ في وطني.

مسيرته الإبداعية:

تتشكل ملامح الشعر عند الشاعر عقيل علي من الموضوعات المجددة التي تتناول الشعر الذاتي والوجودي، الشاعر كان يشكو من الوحدة والعزلة ،فجعلت الأنا ينبوعا لافتضاض البكارات الاولى لشعره ، فقد كتب بما هو عابر وآني، عن غياب رفقاء الدرب في هذا الخضم الهائل من مواكب الحروب والسقوط والاندحار للمدن والجمال معا ، فحاول ان يستحضر هذه الامكنة في المخيلة وفي هذه الحالة لا مناص من استيهام اللاوعي ، وهذا الانطواء والارتكان الى العزلة راح يؤجج في النفس مشاعر السخط والكراهية والعزوف عن ضروب المتعة ، إحساس يثبت النظر في البؤر السوداء القاتمة، ويأسر الذات فتصبر أسيرة اللوعة والحسرة والعذاب. ويتنامى هذا المظهر الانكساري ليصار مرتبة “اللعنة” والوسم على هذا النحو، ينقل العلة من الحس الى الغيب، ومن المعلوم الى المجهول. وهذا يعكس دون شك ما يفعله الاعتقاد خفية في جسد النص. وتفضي الصفات السالفة والأحوال المتمكنة: الوحدة الهم – اللعنة الى الحالة الارتكاسية: الخوف؛ أي توجس السقوط والفشل قبل مباشرة الفعل، وانشغال بتجنب الخطر المتوهم والقناعة بمكتسبات الذات الوهمية. ولهذا حدث الانفصام الذاتي .

وإذا كان مكان الإقامة خارجا عن الإرادة فإن المواطنة إجبارية تلزم الذات ما لا تطبق وتجردها من رهافة إحساسها وسمو عواطفها: الجمال والحب، لتنقل الكتابة إلى ما يقوضها الكراهية والبشاعة. ومنذ القدم كانت علاقة الكتابة بالفعل موضع تأمل واشكال مقلق رج اليقينيات، وأحل النسبي محل المطلق.

وبالقدر الذي أصيب فيه الأدعياء بالخيبة فتدافعوا رافعين شعارات الانتهاء والعبثية ولا جدوى الفن في الحياة، بالقدر الذي قوى إيمان المريدين الأوفياء بأن قيمة الكتابة تتعدى السطح لتنفذ الى الأعماق، فما فائدة فعل يتحقق الآن وهنا ويزول غدا وهناك كما تفعل السياسة.

وضمن هذا السياق الجدلي يجب أن ننتبه إلى أن ما يخيم على القصيدة من مظاهر مأساوية ورؤى سوداوية ما هو إلا اضطراب وانقطاع موصول بلحظة العبور. وإذا كانت الذات تبدو الآن عاجزة مسلولة، فما ذلك إلا لأن سياق التغيير: إبداعي وتاريخي أشد تعقيدا، ودروب الخلاص مرحلي، موحدة ومن ثم فإن كل الخيارات الممكنة تؤدي الى الأفق المسدود: ولا غرو أن يكون هذا المدخل النص منفتحا على الداخل والخارج حيث يمكننا تلمس الانساق النصية من جهة أولى، كما يوفر لنا، من جهة ثانية، مادة ضرورية لوضع النص في سياقه التاريخي، وحواراته مع الثقافة والحضارة المعاصرة.

الشاعر عقيل علي  قصائده تتضمن دفئاً انسانياً صادقاً وإحساساً عارماً بالإنسانية، وشعوراً مفعماً بهمومه وآلامه وعذاباته، ويستلهم الواقع الجماعي والسياسي القهري بقدرة تصويرية هادئة بارعة ، نصوص متنوعة المواضيع والتقنيات ، وتمزج بين الواقع والخيال، إنها تنفذ إلى أعماق النفس وتتلمس الألم ، وتتميز بصفات أسلوبية متنوعة بالرغم من تكثيف اللغة، واقتضاب المفردات لتكون متوترة ، مميزة ، ومركزةكتبها بلغة دلالاتها قائمة على إبداع المخيلة، لكنها تحاول إقناعنا دائماً بصدق ما ترويه، وهي تعالج الموضوعات برهافة مميزة ، موجهة اهتمامه خاصة نحو الهموم المكبوتة المضطهدة ونحو أسس الصراع الطبقي، والاستغلال والعنصرية والاغتراب الحياتي، والقهر السياسي، وجمود العاطفة وامتهان الكرامة الانسانية، لغته الشاعرية  تتناسب مع حرارة الموضوع؛ فهو يحاول أن يطرح أسئلة مهمة حول الهوية والانتماء.

عقيل علي شاعر متمكن، يشدنا بلغته المنسابة وأسلوبه المشوق الممتع، وموضوعاته المتنوعة بكل جرأة ووضوح، نرى فيها خليطا ومزيجاً من الشعر والسرد والأسئلة الوجودية، وبالرغم من شعريته المتفردة فإن دواوينه لم تأخذ حقها من الاهتمام النقدي، ولم ينصفه النقد في حياته ويقدمه بشكل يليق بمكانته، فهل ينصفه التاريخ الادبي والثقافي بعد موته.

أما عن حياته الخاصة والشخصية فقد كانت شخصية الشاعر عقيل علي  شخصية إشكالية، بدءا من الأشياء الحياتية العادية وتاثير  التفاصيل على نصوصه الشعرية حتى الخاصة جدا، عقيل علي كشاعر ناشئ من مدينة الناصرية لم تمنحه المدينة  الدفء فعمل أعمال متنوعة لتنتهي به في فرن خبز، بدأ في الكتابة الشعرية وأجادها بحيث نجح في نشر بعض محاولاته الأولى،  تزامن ظهوره مع أهواء سياسية تلوّنا بها آنذاك المدينة، أهواء سياسية تركت آثارها على مجرى حياته وانطباعاته بها، رغم كل التحوّلات السياسية والثقافية التي مررت بها المدينة فيما بعد.

وعندما ابتعد الجميع عنه وأصابه الاغتراب الداخلي فكر بالذهاب إلى العاصمة .. وهكذا اتجه إلى بغداد، جالس الأدباء والشعراء في مقاهي بغداد الأدبية، ويوم لم يبق له صديق يجالسه، ومن بقي منهم لا يريد مجالسته، حاصرته عزلة اجتماعية ووجدانية قاسية، إنها الغربة البغدادية من جديد.. وانفرط عقد الأصدقاء وتفرّق أصحابه، ضاعوا، هجروا أو هجّروا… لكنه قبل  وبصمت قدره الجديد بمختلف كوابيسه.. وتذوق الضياع الحقيقي والانقطاع عن كل مسببات الحياة العادية.. إنها الحماقة بعينها التي جعلته صدّق أحاديث المغامرين قبله.. تصوّر نفسه مسافرا وسافر وهاهو يتذوق نتيجة قراراته.

وفي خضم هذه الأيام القاسية وفي قمة اليأس هناك، لم يكن يملك غير وجوده في العراء وبضعة كتب وقصاصات ورقية لقصائد شعرية ذابلة مودعة عند هذا أو ذاك. حالة ربما رفعت مقاييس اليأس لديه وضاعفت من إحباطه، هو المحبط أبدا.. فبعد عام من سفره لم يجد حتى مكان إقامة ثابت، بل لم يكن لدي ما يسد ثمن الزاد.. كان يؤمن بالتأثير السريع لما يكتبه وينشره وحينما يتأخر رد الفعل أو لا يأتي أبدا، يحاول أن يتوهمه، على الأقل في سنواته التي أمضاها في التسكع في العاصمة، ففي ذلك الحيز الضيق يمكن أن يستشعر الشاعر ردود الفعل بسرعة قياسية وهي حالة لا يمكن أن يسمح بها تعدد الأصوات والقضايا وأولويات النشر وتعدد الاهتمامات واختلافها واختلاطها..كان من الصعب على اصدقائه أن يصدّقوا بأن عقيل علي رحل.

حياته:

 “عقيل علي” شاعر عراقي من جيل السبعينات، ولد في 1949 في مدينة الناصرية، عاش في بغداد، عمل في أعمال يدوية، فقد عمل خبازاً في أفران الناصرية. في السبعينيات حاول “عقيل” الذهاب إلى الكويت دون أوراق ثبوتيه برفقة أحد أصدقاءه، وتم القبض عليهما وترحيلهما إلى العراق، بعدها تم تجنيده في الجيش العراقي وذهب إلى كردستان و انضم للحرب ثم طرد من الجيش…

يقول “عقيل علي” في حوار له بمجلة (الكلمة) في 1974: “لا أتوق إلى محاولة تفسير الشعر.. ولا أمنهج القصيدة.. ولا أمنحها الحدود.. ثمة مخاوف عديدة وأحزان لها أن تنفجر لتكون قصيدة أو دموعاً.. هذه هي الحكاية.. زمن القصيدة، حجمها.. يلدان بتلقائية ولا موعد مسبق.. لا أتعاطف مع الكثير مما يخرج هذه الأيام، ثمة محاولات عديدة تجري لتجعل الشعر عقيماً.. أكثر الشعر لدينا جسد زنخ بثياب نظيفة. وقصيدة النثر خصوصاً حوصرت بمرارة ونجاحها رهين بإخلاص شعرائها لها.. لا أرى أن محمد الماغوط منحها الكثير.. كان لي في فترة قصيرة أن أطلع على نماذج من كتابات متباينة لعلها هي الأساس المتواضع في أدبي.. بعدها بدأتُ أنسج دروبي بصبر وأحياناً بعبثية.. سُحرتُ أولاً بنداء رجل (الانتحار تتويج لكل الملذّات)، لم أسعَ إلى محاكاته لكنني أجده يثيرني.. وأنتظر..في ذي قار صلبتُ عشرين عاماً ويزيد على عتبة الألم..من هنا تولدت رغبة عميقة في الهرب.. مم؟.. وإلى أين؟ لعل في القصيدة عوالم وألواناً شفيفة أو براقة.. ولهذا أكتب.. هل قلتُ شيئاً مهماً ؟ لا أدري. ولا أطمح في ذلك.. وأخيراً.. من أول النهار عبرت شتيمة الأيام.. مكتظاً بالخوف.. وأنا يحتسيني ضيوف العائلة.. وفوانيس شبابي.. وأنا العنق..أغتصبُ بودّ في سجن النبي.. أسحبُ رأسي من مياه القبيلة.. متوهجاً كالغضب.. وزنخاً كالنذالة..”

أصدر “عقيل علي” ديوانين هما: “جنائن آدم” 1990، و”طائر آخر يتوارى” عام 1992، ولديه العديد من القصائد التي نشرها في صحف ومجلات عراقية وعربية عديدة، وكان له أكثر من ديوان شعري جاهز للطبع قبل وفاته.

فكم تعب في لم شتاته وأحكم تفاصيله التي أوجزت شاعرية منسجمة في السراب الحياتي الموقن لمخيال الشاعر المليء بالاندحار اليومي لملموس حياته، حتى أجاد مخياله في كيفيته الإبداعية الكاتبة للشعر لما يملك من هيمنة في ذهنيته الشعرية ودرايته رغم تبعثر محيطه المشوش والمجانب لعدته الشديدة العسر عند وضوح مآله وعدته الإتيانية  لمبدع القصيدة، فالجملة الشعرية المختزلة لديه، أدت وسعها الشعري بجدارة إبداعية هادئة إلينا ومن خلال عطائه الشديد وتلك الكثافة الإبداعية ومختزلها”.

رغم إنجازه المبكر لمجموعتين ظهرت له مجموعتان شعريتان (جنائن آدم) و( طائر آخر يتوارى) والتي عدّت من أبرز ملامح المغامرة الشعرية العراقية لما سمي ب(جيل السبعينات).. وربما هي أكثر المؤثرات التي عصفت بشخصيته اليومية والشعرية وافترضت لذة العزلة والانطواء بعيدا عن الصراعات التي أثارتها المرحلة بكل تداعياتها السياسية والثقافية والشعرية خاصة..

لقد ظلت تجربة “عقيل علي” من أكثر التجارب إثارة في قراءة الصوت الشعري الجديد القادم من مدن الجنوب، خاصة بعد أن قام الشاعر “كاظم جهاد” بطبع مجموعتيه الشعريتين آنفا ليقينه بأن “عقيل علي” يملك احتقانا شعريا داخليا، لكنه لا يملك الجرأة والشجاعة في تبني هذه المغامرة وطبعا حظيت المجموعتان الشعريتان باهتمام النقاد العرب أكثر من اهتمام النقاد العراقيين، الذين كانوا مشغولين بإيجاد قراءات قسرية لهذا التحول الشعري في إطار النظرية السياسية أو في إطار ما خلفته المدارس اليسارية الواقعية من جيوب في القراءة والتأويل، وحتى القراءات التي استعارات الخطابات الحداثوية كانت محدودة جدا وذات اشتغالات لم تتبناها الصحافة الثقافية باستثناء مجلة (الكلمة) النجفية.

كان “عقيل علي” يمارس كتابة القصيدة اليومية بامتياز، إنها قصيدته الشخصية الحميمة التي تلازم قلقه اليومي وبوهيمية حياته والمحتشدة بالتقاطات قريبة منه، الخوف/ الجوع/ الحزن/ الموت/السأم/ استحضار الأصدقاء الموتى.. نجد ثيمة الموت/موت الجسد حاضرة في يوميات “عقيل علي” ويتداولها كشرط أنطولوجي في وعيه وفي لعبة كتابته.. إذ يخفت صوت الحياة تماما في لغته الشعرية مقابل حضور مدوي للطبيعة/الملاذ الأخير، وحضور الجسد الذي تعلّم النسيان والكبت والمراثي والذي تنهشه الحروب والسموم”.

آخر قصيدة كتبها “عقيل علي” كانت هي البيان العلني الذي أجهض لعبة الحياة، أشهر من خلالها موته المباح، وربما كانت لحظة توهجه الأخير الذي أعلن أنه الوحيد المكشوف العاري أمام حياة تبادله الموت، لذا رفض من أجل إحساسه السري هذا كل محاولات الترميم التي تجعله عند لحظات عاطلة عن الروح، لقد صرخ عاليا وبقسوة بعد زمانات طويلة من الصمت والانكفاء والعزلة والطرد، وكأنه أراد أن يمارس أقصى احتجاجه على الجسد والآخرين والحياة وينصت لوهلة فاضحة إلى صوته الداخلي الطاعن بالألم والاحتجاج”.

عقيل علي شاعر يتفاعل مع نصه تفاعلاً جنونياً، ويكرس كل وقته للمعرفي، وهذه النتيجة هي في مجملها خلاصة طبيعية تتحقق فيها أصالته الشعرية وأشكاله التعبيرية، مما أبرزته إلى الواقع كنموذج متطور ضمن صيرورة تتطور باستمرار بخطى واثقة وبرؤية تحقق وظيفتها ومغزاها الدلالي، وبدافع من الحرص يؤسس “عقيل علي” نصاً بالغ الطموح مختزلا من الشوائب، بعدّة قليلة دالة، لمحاولة نهضة الشعر إنجازاً وتأهيلاً وفي إثبات كينوناته، محاولة منه لإدانة الموقف فكرياً، وإحالته على الملأ كتراجيديا مليئة بلحظات النواح وكثافة الألم، وهنا تكمن قدرته الإبداعية، ومما ساعد بشكل رئيسي على تطور بنية النص، دأب الشاعر على خلق الجملة الشعرية، وهو ما يمكن تسميتها الجملة التقنية المحكمة ذات دلالة شديدة الكثافة والاختزال”.

صيف عام 1990 حين نشر الراحل قصيدته (شتاء النقود) في صحيفة الجمهورية، أحدثت تلك القصيدة في حينها تحولا جديداً في مسار الشعر العراقي الحديث، الأمر الذي جعل النقاد والشعراء والمتذوقين للشعر يكتبون عن تلك القصيدة العشرات من الدراسات النقدية الجادة، في محاولة لمعرفة أسرار العمق المعرفي والمضمون في جوهر قصيدة “عقيل علي” التي ظلت ومازالت عصية على النقاد أنفسهم، ولأن “عقيل علي” شاعر عراقي قضى حياته عاملاً بسيطاً في أفران الخبز الذي كان يقدم للناس الفقراء خبزاً حاراً، كان في ذات الوقت يقدم قصيدته الحارة للشعر العراقي والعربي، والمعروف عن “عقيل علي” إنه لا يحب الشهرة ولا أضواءها كونه يكتب القصيدة ويمضي إلى عالمه الخاص، وإذا كان ثمة شعراء استطاعوا أن يلعبوا في اللغة داخل قصيدتهم بطريقة فنية عالية فأحد هؤلاء هو الشاعر “عقيل علي”.

كتب قصيدة “شتاء النقود” بطريقة فنية عالية جداً، واستطاع في حينها أن يجعل من الصحافة الثقافية العراقية في ذلك الوقت تتفرغ للكتابة عن تلك القصيدة، إذ لم يمّر يوم وعلى مدى شهور إلا وقد كتب عن شتاء النقود هنا وهناك”.

 “كان عقيل يرى أمامه شعباً كاملاً ينسفح على الطرقات فلم يتردّد في اعتناق الشارع كحقيقة ساطعة وملاذ نهائيّ”.

في المجموعة الشعرية (جنائن آدم)، نرى أن قصائد تلك المجموعة تمثل ملخصا ً وافيا ً لتجربة “عقيل على” الإنسانية، من خلال نظرة فلسفية للعزلة والغربة والوحدة والضياع والألم الوجودي الذي يعتصر رجلا عانى من كل الفقر والتشرد والضياع في متاهة الزمن ودوامة المدينة، من خلال سلامة الدلالة و قدرة التعبير، فهو شاعر يجيد التعايش والتفاعل مع قصيدته التي يبكيها بالكلمات على صفحات تئن، في جمل شديدة الكثافة والاختزال، تلك الجملة الشعرية التي تخشع نبرتها في صوفية واضحة محكومة بموسيقى العبارة، ومن خلال التحليق في فضاءات اللغة تسبح المترادفات والمتضادات والمعنى الإيحائي للكلمة في سماء البلاغة اللغوية التي تميز قصائد “عقيل” في غموض جميل يشحذ ذهن القارئ ويبعد عنه الملل، تلخص هذه المجموعة حكايات من العلاقات الإنسانية الطبيعية بين “عقيل” الإنسان البسيط في مشوار الحياة المتعرج، نرى في “جنائن آدم” نوعا متطورا من الحداثة التي قد يراها البعض نوعا من التطرف والبعد عن التراث العربي في محاولة مقاربة للشعر المترجم إلا أن “عقيل” تمكن من الفكاك من فخ هذه التهمة وهذا التلميح من خلال لغته العربية الزاخرة و الغنية، وفي مجموعته الشعرية (طائر آخر يتواري) والتي صدرت عام 1992 يقودنا العنوان إلى “عقيل” ذلك الحزين الغريب في أرضه والمقيم في مدينة تنسحب من تحت قدميه، يبحث عنها ويحبها رغم كل شيء حين يمسي الوطن منفى”.

قصيدة شـتاء النقود

عقيل علي

لقد جاءوا.

أعرفك أيها الأكثر انخفاضا من المراقد، والأكثر

انخفاضا من النظرة المتخفية بالوصايا

.. أيها المقشعر من أنين الرمال

ومن الهبوب الذي يلاحق النورس المرابط.

على مداخل صحراء

هي سوق للغجر، تقرأ فيه الأحلام ما قد رأته

كنا نصنع حصنا للوردة المرحبة بأناشيدنا،

وبأعيادها التي تشهد على المرارة الحية

.. كانت أحشاؤنا أكثر رحابة، والنار على أرصفتها

تغازل جنون الحدقات التي تحدث عن نعمة القلب

المصغي

ثم فرشنا خواصر الحجر

حين ترك الغروب مفاتيحه لنا

ومنح الصرخة الصديقة

للذكرى التي لن تذبل.

في هجرة الملح

احترقت أجمل الأوراق

وأمحيت مدن كانت أكثر علوا من الحراب

ثم أقبل شتاء ممسكا برنين القشة

كنت أنقش البحر على الركب الطرية

وأصنع غارا من تلاواتي للأصابع الأكثر طراوة من الرحم

ثم فجأة جاء

من أنت؟

قل ما تريد قوله

إني أقطر من لفحك نصيب الوردة ودلالها

وتلك هي الأكاذيب تطلب المشورة

قل ما تريد قوله

عندي لك هذا السر:

العاشقة أكملت عدتها

والنهر أهدى لنا مباهجه

تولهه

خلجاته

وأخرج لنا لسان نقائه

أنا الذي يصفعكم بهذا السناء

قل ما تريد قوله

لك وحدك امتنان النشيد، لك وحدك يا أمين

صفحاتنا

ولك ينحني الليل المليء بالحمى

المجد، كل المجد لك يا من نلت ضربات الشمس.

لكن آه

كان وجعنا مقذوفا صوب البعيد. كان مجيئنا من

أجل عقاب العقاب

ومر على أهوائنا أنين رضاب مفخورة

ما قد رسم يمازح المذاري، ويمسح أجفانهن بالقبل

المدماة.

أكنا بعيدين، ومن بعدنا ذلك كنا نبتهل،

ونحلق،

متنعمين تحت ظل أشرعتنا بوصايا ملحك

لكن دعك

دعك بعيدا عن الأوراق

الأوراق مرايا تتهجى وجهها

ودع يديك بعيدة عن جرح النائم

دعك بعيدا

التساؤل لوعة تغوي

كانت الظهيرة حلما، وكان الحلم صحوة التراب

كان جوعي عاشقة تأكل ما محوته- جوعي ندم

الأبرياء- جوعي حوضي،

لم تستقر فيه، بل كتبت على جدرانه فاتحتك،

وتأملت في مراياه حلمك النازح الأخير.

سأصرخ بكم،

وأطعنكم بحراب الضوء

– بهذه اللهفة كنت أتكلم فيما مضى-

سأصرخ بكم،

وآخرون سيتحدثون عما تحدثنا به

إنك تتحدث كما يليق بك يا بحر النعم، هذا هو

امتيازك.

الصامتون يوقدون المشاعل لمدن أكثر من الحراب

ثم جاء الظل.

ظل امرأة، ليروي لنا شيئا آخر

عالية صرخة أيتها المرأة، . . عالية صرختك، يا حواء

كنا نبكي تحت إبطيه

“لا أحد قد سمع بهذه المكاشفة، حين كنا نرسم

أفواها، فيما مضى كان البحر قد طعمها بزعفران

الحذر،

كنا نبلل ظمأها بماء الجهات كلها،

ونلوح لها بمناديل نقعها حليب أثداء يافعة”

وفجأة لاح من بعيد صليل سيوف الغياب، وبان

وجهه

أيها الغياب، يا من يعطينا ظهره، ليترك لنا كلامه

أيها الغياب..

على أجمل الأوراق التي أمحيت

كتبنا وصايا الصمت

وحنطنا الجنون الأكثر حياء

بلسانه الطاهر

مر الضاحك، المتجهم، عطس على تخاريم العظماء،

وقلم أظافرهم الحيوانية

الرمال العارية، تنهب ثمرة الاعتراف المستحمة في

الظل الذي يتقدم ذكراهم

هو ذا عصركم.

لشبيهي

آه شبيهي، من يستطيع أن يدوزن قرارات قلبك

تشبيهي الحر

سأعطي قوتي

لنناديهم بأسمائهم

وننسج منذ الآن خواء خوائهم

هو ذا سرهم.

لقد جاءوا

ها هي ذكرى مديح الوردة تستيقظ

ها هو يدنو ليطعن الدموع الحبيبة

ها هو يدنو ليحظي بلسانه

الموجة الفانية تطعن، لاهثة، صراخها

هوذا شتاء النقود”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى