أدب

ثرثرة شوق …لأمي

من خزائن الذاكرة

فتيحة عبد الرحمن بقة |  الجزائر

ــ من أفضال الله الكثيرة عليَ أني كنت طفلة تحرص كل الحرص على ألا تتْعِبَ أمها (رحمها الله) .

فلا أدخِل الحِيرة إلى قلبها ، ولا أرفع إليها خصوماتي مع إخوتي و زميلاتي في المدرسة ، فما شكوتُ إليها يوما ولا كلفتها بخدمة ، و لا طمعت في جهودها ( يشهد الله) … بل كنت أحرص منذ الصغر على ألا ترى ملابسي المتسِخة فكانت تتفاجأ بها على الحبل ( منشورة) ، لم أتعلم هذا من أحد لكن رغبة (عدم ازعاجها) كانت تكبر يوما بعد يوم ، و تزداد توهجا في أعماقي حين أسمعها تجهر بالدعاء ، (ريحتيني الله يريح قلبك).
كنت أحرص على تنظيف مكاني و كل أشيائي إلا ما فاتني سهوا ..
كبُرت و انتقلت إلى بيتي الزوجي في مدينة بعيدة و ازداد حرصي على بث السعادة في قلبها ، فكنت لا أبْدي لها من تفاصيل حياتي إلا ما يُبهج روحها و أخفي عنها كل ألم و أوجاع ..
زياراتها قليلة جدا لكنها و في كل زيارة كانت تحظى مني ومن أبنائي بمعاملة الملِكة .
فبمجرد إطلالتها من الباب يركض جميع أولادي لحضنها ، يأخذ أحدهم الحقيبة ، ويأخذ الثاني بيدها ليُجلسها على الأريكة و يسرع الآخر لينزع الحذاء من رجليها ، و يا فرحتي حين يهرع حفيدها لإحضار الماء الذي كانت لا تشربه إلا باردا بكأس نظيفة جدا ، لتلتفت إلى جدة اولادي (المقعدة) قبل أن تسألني حالي فتسألها :
ــ هل يعتنون بك جيدا؟!..
ابتسمُ والبهجة تغمر قلبي لزيارتها ، وأحضنها في صَمت و شوقي يرتعش ..
و أسمع صوت جدة الأولاد (حماتي) فرحة بقدومها :
ــ يا سَهلا ..
ــ يعتنون بي كما يفعلون معك الآن .. بل أكثر ..
و ينشغلان في حديث طويل ، أمي تسأل والأخرى تجيب وينتهي الحديث بالدعاء وكأنهما صديقتان حميمتان اتفقتا عليَ ..
كنت أجتهد أكثر طيلة بقائها معنا، لأعِد لها إقامة مريحة ، و الأصناف المختلفة من الطعام الذي تحبذه ، رغم انشغالي الدائم بالجدة و بالبيت ومن فيه ، فكانت تخفف الزيارة رغم توسل اأحفادها و جدتهم ، و تودعنا على أمل اللقاء ..
إلا آخر مرة فقد اكتفت بمهاتفتي بعد غياب أشهر طويلة ، و وعدتني بالزيارة كالعادة لكنها لم تفعل ..
غادرت إلى الرفيق الأعلى و تركت سيرتها المِسك .. و أجمل الذكريات .
ــ و لو بيدي عودة العُمر ، لبقيت تحت قدميها و لَـجعلت خدمتها راحة لقلبي و بدني ..

( رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا..)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى