تاريخ

أهداف ووسائل تشويه التاريخ.. التشريح السياسي والثقافي للذاكرة

التاريخ بين التقديس و التدنيس

د. طارق عبد الحامد

بعد أن تتبعنا في الفصول السابقة الأخطاء المنهجية والأيديولوجية في كتابة التاريخ، والصعوبات الذاتية التي يواجهها المؤرخ، نصل في هذا الفصل إلى القلب المظلم من عملية التعامل مع الماضي: التشويه المتعمد. إذا كانت الأخطاء السابقة قد تكون غير مقصودة أحيانًا أو ناتجة عن قصور، فإن التشويه هو عملية هجومية هادفة، تعمد إلى تزوير الحقائق أو تلوينها أو دفنها لخدمة مصالح قوى محددة في الحاضر. إنه لا يمثل إخفاقًا في المنهج فحسب، بل هو استخدام للمنهج نفسه كسلاح لصناعة رواية مزيفة. هذا الفصل يحاول تشريح هذه الظاهرة الخطيرة، من خلال الإجابة على أسئلة محورية: لماذا يشوَّه التاريخ؟ من يفعل ذلك؟ وما الوسائل المستخدمة؟ وما آثار ذلك على المجتمعات؟ وكيف يمكن مقاومته؟

1. لماذا يُشوَّه التاريخ؟ أهداف سياسية، طائفية، استعمارية

تشويه التاريخ ليس عملاً عشوائيًا، بل هو استراتيجية مقصودة تحقق أهدافًا محددة. هذه الأهداف تشكل الدافع الرئيسي وراء كل محاولات التلاعب بالذاكرة الجماعية.

1.1. الأهداف السياسية: بناء الشرعية وإسقاط الخصوم

· تأسيس شرعية النظام الحاكم: تحتاج الأنظمة، خاصة الجديدة أو غير المستقرة، إلى أسطورة تأسيسية (Founding Myth) تبرر وجودها وسلطتها. قد تشمل هذه الأسطورة تضخيم دورها في التحرير (من الاستعمار، من نظام سابق)، أو ربط نسبها بشرعية تاريخية (كالخلافة، أو السلالات الملكية القديمة)، أو تصوير نفسها كحامية للهوية والتراث في مواجهة أخطار خارجية مزعومة.
· تكريس الهيمنة الداخلية: قد تشوه النخبة الحاكمة تاريخ فئات معينة (كالأقليات العرقية، الطبقات الدنيا، المناطق المهمشة) لتصويرها على أنها متخلفة أو غير موالية، مما يبرر استبعادها السياسي أو استغلالها الاقتصادي.
· تصفية الخصوم السياسيين: يتم تشويه تاريخ الحركات أو الأحزاب أو الشخصيات المعارضة، بربطها بأحداث سلبية في الماضي (تعاون مع استعمار، فشل في إدارة أزمة، ارتكاب فظائع)، أو بنزع الشرعية التاريخية عنها بوصفها “خارجة على الإجماع الوطني” أو “مؤامرة خارجية”.

1.2. الأهداف الطائفية والمذهبية: تأبيد الانقسام

· تكريس الهوية الطائفية المنغلقة: تشويه تاريخ الطوائف الأخرى لتصويرها على أنها “الآخر الخائن” أو “المنحرف” عبر العصور، وتعظيم مظالم الطائفة الخاصة لخلق عقلية الحصار وثقافة الضحية، مما يغذي الكراهية ويمنع أي مصالحة تاريخية أو تعايش سلمي.
· إضفاء القداسة على الذات ونزعها عن الآخر: يتم تقديم تاريخ طائفة معينة على أنه تاريخ “الإسلام الحقيقي” أو “المذهب النقي”، بينما يصور تاريخ الآخرين على أنه تاريخ “البدع” و”الضلالات”. هذا يعطي للصراع الحاضر بعدًا عقائديًا أبديًا، ويجعل من المستحيل نقده أو حله سياسيًا.

1.3. الأهداف الاستعمارية وما بعد الاستعمارية: إخضاع العقل

· تبرير الاستعمار: كما رأينا مع الخطاب الاستشراقي، تم تشويه تاريخ المستعمرات لتصويرها على أنها أراضٍ بلا تاريخ حقيقي، أو أنها كانت تعيش في ظلام وجهل وحروب قبلية قبل وصول “الحضارة” الأوروبية. هذا التشويه كان يهدف إلى ترويض الشعوب المستعمَرة نفسيًا، وجعلها تقبل بأن الاحتلال هو “عبء الرجل الأبيض” وخدمة تقدّمية لها.
· خلق النخب التابعة: عمل الاستعمار على تعليم وتدريب نخب محلية تتبنى رؤيته التاريخية وتحتقر تراثها الخاص، مما يضمن استمرار مصالحه الثقافية والاقتصادية حتى بعد رحيله العسكري.
· استمرارية التبعية في مرحلة ما بعد الاستعمار: قد تستمر النخب الحاكمة الوطنية في تبني الروايات الاستعمارية عن تاريخها (خاصة فيما يتعلق بتقسيم الحدود أو طبيعة الصراعات الداخلية)، لأن هذه الرواية تخدم مصالحها في الحكم، أو لأنها ببساطة لم تستطع تخليص نظامها التعليمي والفكري من الإرث الاستعماري.

1.4. أهداف قومية وإقليمية: صناعة الأمجاد والمطالب

· دعم المطالب الإقليمية: اختلاق روايات تاريخية أو تزييفها لإثبات تبعية إقليم معين لدولة ما، أو لتبرير غزوه وضمه. الصراعات في البلقان، القوقاز، والشرق الأوسط مليئة بأمثلة على استخدام التاريخ كسلاح في النزاعات الحدودية.
· بناء أساطير التفوق القومي: تضخيم الإنجازات الحضارية للأمة وتجاهل أو تقزيم إنجازات الجيران، لخلق شعور زائف بالتفوق يُستخدم لتجنيد الجماهير في مشاريع توسعية أو لتعويض الشعور بالنقص الحضاري المعاصر.

2. وسائل التشويه: ترسانة التلاعب بالذاكرة

2.1. تزوير الوثائق والمخطوطات

هو الوسيلة الأكثر مباشرة وجرأة، وتشمل:

· صناعة وثائق كاملة: مثل “بروتوكولات حكماء صهيون” المزورة في روسيا القيصرية، والتي استخدمت لتشويه صورة اليهود واتهامهم بمؤامرة عالمية. في السياق العربي، تنتشر أحيانًا “وصايا” أو “رسائل” مزورة تنسب لشخصيات تاريخية (كالخلفاء أو العلماء) لخدمة غرض طائفي أو سياسي معاصر.
· التدخل في المخطوطات الأصلية: بإضافة فقرات، أو حذفها، أو تغيير كلمات في مخطوطات قديمة، خاصة خلال عمليات النسخ المتعاقبة. كان هذا معروفًا في العصور الوسطى في سياق الصراعات المذهبية.

2.2. انتقاء الروايات والتلاعب بالسياق

وهي وسيلة أكثر دهاءً وانتشارًا، حيث لا يتم تزوير الوثيقة بل توظيفها بشكل خبيث:

· الاقتباس الجزئي المشوه: اقتطاع جملة أو فقرة من سياقها لتُعطي معنى معاكسًا لمعناها الأصلي. مثلاً، قد يُقتطع كلام لزعيم معارض عن انتقاد نظام سابق، ويُقدّم على أنه ثناء على النظام الحالي!
· تضخيم هامشي وتهميش جوهري: إعطاء مساحة كبيرة في السرد التاريخي لحدث ثانوي أو شخصية هامشية لأنها تخدم الرواية المطلوبة (مثل تصوير خلاف شخصي على أنه صراع مصيري)، بينما يتم التعتيم على الأحداث الكبرى والمحركة لأنها لا تخدم تلك الرواية أو تعارضها.
· عزل الأحداث عن سياقها العام: كأن تُذكر معركة دموية بين طائفتين في القرن السابع عشر دون ذكر أن الظروف الاقتصادية القاسية (مجاعة، ضرائب باهظة) هي التي فجرت العنف الطائفي، مما يعطي انطباعًا بأن الصراع كان عقائديًا محضًا.

2.3. تغييب المصادر المعارضة والإقصاء

· محو الذاكرة المضادة: منع تداول أو نشر كتب ومذكرات وتسجيلات تقدم رواية مخالفة للرواية الرسمية. قد يتم ذلك عبر منع نشرها، أو مصادرتها، أو عدم منح تراخيص طبعها، أو تهميش مؤلفيها أكاديميًا وإعلاميًا.
· التعتيم على الأرشيفات: حجب الأرشيفات الرسمية (خاصة تلك المتعلقة بالفترات الحساسة مثل حقب الانقلابات أو الحروب الأهلية) عن الباحثين، أو فتحها بشكل انتقائي فقط للباحثين الموثوقين من قبل النظام.
· تدمير الآثار والشواهد المادية: هدم المعالم الأثرية أو الدينية التي ترمز لتاريخ جماعة معينة، كما حدث في تفجير تماثيل بوذا في باميان من قبل طالبان، أو تدمير المواقع التراثية في الصراعات الطائفية بالعراق وسوريا. هذا هو “تزوير التاريخ” على أرض الواقع، بمحو الشاهد المادي نفسه.

2.4. استخدام مصطلحات إيديولوجية محمَّلة

اللغة ليست ناقلة بريئة، بل هي أداة تشكيل. لذا، يتم اختيار مصطلحات محددة تحمل دلالات عاطفية أو أخلاقية لتحميل الحدث التاريخي بمعنى مسبق:

· تغيير التسميات: تسمية الاحتلال بـ “التحرير”، والمقاومة بـ “الإرهاب”، والانقلاب بـ “الثورة”، والعكس صحيح. فما يسميه الفلسطينيون “نكبة 1948” يسميه الإسرائيليون “حرب الاستقلال”.
· استخدام لغة التمجيد أو التحقير: وصف أفعال “الفريق الذي نؤيده” بـ “البطولة، الشهامة، الفداء” ووصف نفس الأفعال إذا قام بها الخصم بـ “الوحشية، الغدر، الإرهاب”.

2.5. توظيف الفن والتعليم والإعلام

· المناهج الدراسية: تعديل كتب التاريخ المدرسية لتعليم الأجيال الناشئة الرواية التاريخية الرسمية المشوهة، وغرس الصور النمطية عن “الآخر” منذ الصغر.
· الإعلام والسينما والتلفزيون: إنتاج أعمال درامية ووثائقية تقدم رواية تاريخية مبسطة وموجهة عاطفيًا، حيث تتحول الشخصيات إلى رموز للخير والشر. هذه الوسائل أكثر تأثيرًا من الكتب الأكاديمية لأنها تخاطب المشاعر مباشرة.
· الاحتفالات والمناسبات الرسمية: استغلال الذكريات الوطنية (كعيد الاستقلال، ذكرى معركة) لتكرار وتكريس الرواية الرسمية من خلال الخطابات والطقوس.

3. أمثلة تاريخية ومعاصرة على تشويه التاريخ

3.1. المثال التركي: إنكار الإبادة الأرمنية

تمثل السياسة الرسمية التركية، لسنوات طويلة، نموذجًا صارخًا لتشويه التاريخ بدوافع قومية. فبعد سقوط الدولة العثمانية، تبنت الجمهورية التركية بقيادة أتاتورك رواية تاريخية قومية علمانية، قامت بـ:

· إنكار كامل لحدوث أي إبادة جماعية ممنهجة ضد الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، ووصف الأحداث بأنها “مشاكل وقت الحرب” أو “تهجير متبادل” نتيجة تمرد أرمني.
· قوانين تمنع التعبير عن الرأي المخالف لهذه الرواية (مثل المادة 301 من القانون التركي).
· الضغط الدبلوماسي والسياسي على الدول التي تعترف بالإبادة الأرمنية.
الهدف هنا هو حماية”شرف الأمة التركية” المؤسسة للجمهورية، وعدم تحميلها تبعات جرائم الدولة العثمانية، والحفاظ على الوحدة الوطنية بصورتها العلمانية القومية.

3.2. المثال الصهيوني: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”

قام المشروع الصهيوني على رواية تاريخية تشويهية عميقة لفلسطين وشعبها، شملت:

· تغييب التاريخ العربي والإسلامي لفلسطين، وتصويرها على أنها “أرض مقفرة” أو “أرض مقدسة بانتظار الشعب اليهودي” فقط.
· تشويه صورة الفلسطينيين وتصويرهم كبدو رحل لا جذور لهم، أو كغرباء جاءوا من مناطق مجاورة، أو كمتعاونين مع النازية (في تضخيم بعض حوادث التعاون الفردي).
· التركيز الحصري تقريبًا على التاريخ اليهودي للقدس وفلسطين في الرواية الإسرائيلية والدولية، وإهمال الحقب الإسلامية والمسيحية العربية الطويلة.
هذا التشويه كان ضروريًا أخلاقيًا وسياسيًا لتبرير مشروع استعمار استيطاني اقتلاعي،ولإقناع يهود العالم والدول الغربية بشرعيته.

3.3. المثال الطائفي في العراق وسوريا

بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، شهد تاريخ المنطقة تشويهًا طائفيًا ممنهجًا من جميع الأطراف:

· الخطاب الشيعي المتطرف: قام بتصوير تاريخ العراق الإسلامي كله على أنه تاريخ صراع بين “أهل البيت وأتباعهم” و”بني أمية وأتباعهم”، متجاهلاً القرون الطويلة من التعايش والتداخل، ومضخمًا دور بعض الشخصيات السنية التاريخية في اضطهاد الشيعة.
· الخطاب السني المتطرف: رد بالمثل، فصور الشيعة على أنهم “روافض” أو “مجوس” جاءوا بهدف تقويض الإسلام السني منذ القرون الأولى، وأنهم كانوا دائمًا خونة يتعاونون مع الغزاة (كالتتار أو الصفويين أو الأمريكيين).
· استخدام وسائل الإعلام الفضائية والإنترنت لنشر هذه الروايات المشحونة، مما غذى دوامة العنف الطائفي وكرّس الانقسام المجتمعي على أسس تاريخية مزيفة.

3.4. التشويه في إفريقيا: من قبل المستعمر وبعده

قام الاستعمار الأوروبي بتشويه تاريخ إفريقيا بوصفه “قارة بدون تاريخ” قبل وصوله، مجرد قبائل بدائية في حروب دائمة. حتى أن بعض المؤرخين الاستعماريين نسبوا كل المعالم الحضارية العظيمة في إفريقيا (كأهرامات مروي في السودان، أو مدينة زيمبابوي العظمى) إلى أجناس أخرى (كالحضارة المصرية أو العرب)! هذا التشويه كان يهدف إلى تحطيم كرامة الأفارقة وتبرير استعبادهم واستعمارهم. لاحقًا، سعت حركات التحرر الوطني ومؤرخون أفارقة لإعادة كتابة التاريخ، ولكنهم وقعوا أحيانًا في فخ القومية الرومانسية التي بالغت في تمجيد الماضي واختلقت انتصارات وهمية.

التشويه كمرض والوعي كعلاج

إن دراسة ظاهرة تشويه التاريخ تكشف أنها ليست مجرد أخطاء أكاديمية، بل هي مرض اجتماعي وسياسي خطير. آثارها مدمرة: فهي تغذي الصراعات، وتحول دون المصالحة الوطنية، وتقتل الحوار، وتجمد المجتمعات في ماضٍ أسطوري أو مؤلم. مقاومة هذا التشويه هي مسؤولية جماعية:

· مسؤولية المؤرخين: بالتمسك بالنزاهة والمنهج، وكشف عمليات التزوير والتلاعب، وكتابة التاريخ بجرأة.
· مسؤولية المؤسسات التعليمية والإعلامية: بتعليم التفكير النقدي، وعرض الروايات المتعددة، وتجنب تبسيط التاريخ لأغراض سياسية.
· مسؤولية المجتمع المدني: بدعم مبادرات الحقيقة والمصالحة، ونشر الوعي بخطورة التوظيف السياسي للتاريخ.
· مسؤولية الفرد القارئ: بتطوير مناعة نقدية، والسؤال دائمًا: من قال هذا؟ ولماذا يقوله الآن؟ وما المصادر الأخرى؟

التاريخ الحقيقي ليس ملكًا للسلطة ولا للطائفة ولا للأيديولوجيا. إنه ذاكرة مشتركة تحتاج إلى رعاية صادقة. محاربة تشويهه هي دفاع عن حق الأجيال في معرفة حقيقة ماضيها، كي تستطيع أن تبني حاضرها بحرية وتخطط لمستقبلها بسلام.

هوامش الفصل الخامس

¹ للمزيد حول مفهوم “الأسطورة التأسيسية”، انظر: Hobsbawm, Eric, and Terence Ranger, eds. The Invention of Tradition. Cambridge University Press, 1983. (إيريك هوبزباوم وترينس رينجر (تحرير)، ابتكار التقاليد، ترجمة: أحمد حسان، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2012).
² انظر تحليلاًمفصلاً لاستخدام التاريخ في الصراع العربي-الإسرائيلي: Pappé, Ilan. The Ethnic Cleansing of Palestine. Oneworld Publications, 2006. (إيلان بابيه، التطهير العرقي لفلسطين، ترجمة: أحمد خليفة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2007).
³ حول التشويه الطائفي للتاريخ،انظر: الوردي، علي. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. دار كوفان، لندن، 1991، ج1، ص 5-30.
⁴ حول التشويه الاستعماري لتاريخ إفريقيا وردود الأفعال عليه،انظر: كي زيربو، جوزيف. كتابة التاريخ الإفريقي أو إنقاذ الذاكرة. ترجمة: محمد عبد الكريم الوافي، منشورات عيون المقالات، الدار البيضاء، 1992.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى