رحلة الإسراء والمعراج مدرسة إيمانية وتربوية عظيمة

أ. سعيد مالك| معلم لغة عربية وتربية إسلامية
إن رحلة الإسراء والمعراج من أعظم الأحداث في السيرة النبوية، ومن أبرز المعجزات التي أكرم الله تعالى بها نبيه محمدًا ﷺ، فقد جمعت بين الإسراء الأرضي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج السماوي من بيت المقدس إلى السماوات العُلا، في رحلة ليلية خارقة للعادة، لكنها ثابتة بنص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. ولم تكن هذه الرحلة مجرد معجزة لإثبات صدق النبوة، بل كانت مدرسة إيمانية وتربوية عظيمة، تحمل في طياتها دروسًا ومواعظ خالدة للمسلمين في كل زمان ومكان.
أولًا: تسلية النبي ﷺ وتثبيته بعد المحن
جاءت رحلة الإسراء والمعراج في وقت عصيب من حياة النبي ﷺ، بعد عام الحزن الذي فقد فيه زوجته خديجة رضي الله عنها، وعمه أبا طالب، واشتد فيه أذى المشركين، خاصة بعد عودته من الطائف. فكانت هذه الرحلة تكريمًا إلهيًا وتثبيتًا لقلبه الشريف، ودليلًا على أن الله لا يترك عباده الصالحين في الشدائد.قال الله تعالى:﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾(سورة الإسراء: 1)وفي هذا درس للمؤمن بأن الفرج يأتي بعد الضيق، وأن مع العسر يسرًا.
ثانيًا: بيان مكانة النبي ﷺ عند ربه
تُظهر الرحلة المنزلة العظيمة التي بلغها النبي ﷺ، حيث اختصه الله بالوصول إلى سدرة المنتهى، وسماع الوحي بلا واسطة، وهو شرف لم ينله بشر قبله. وهذا يوجب على المسلمين محبته وتعظيمه وطاعته، واتباع سنته قولًا وعملًا، امتثالًا لقوله تعالى:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾(سورة الحشر: 7).
ثالثًا: عِظَم شأن الصلاة ومكانتها
من أعظم الدروس المستفادة من الإسراء والمعراج فرضُ الصلاة، فقد فرضها الله تعالى في السماء السابعة دون واسطة، مما يدل على مكانتها العظيمة، فهي عمود الدين، وأول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة.قال رسول الله ﷺ:«أول ما يُحاسَب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله» (رواه الترمذي)؛ كما أن تخفيف عدد الصلوات من خمسين إلى خمس رحمةٌ من الله بعباده، ودليل على يسر هذا الدين.
رابعًا: الإيمان بالغيب واليقين بالله
كانت رحلة الإسراء والمعراج اختبارًا حقيقيًا للإيمان، فقد كذّب بها المشركون، وارتد بسببها ضعفاء الإيمان، بينما صدّقها المؤمنون الصادقون دون تردد. ويبرز هنا موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين قال: “إن كان قال فقد صدق”، فاستحق لقب الصديق. وهذا يعلم المسلمين أن الإيمان الحق يقوم على التسليم الكامل لله ورسوله، لا على مقاييس العقل وحدها.
خامسًا: وحدة الرسالات السماوية
صلاة النبي ﷺ بالأنبياء إمامًا في المسجد الأقصى دليل واضح على وحدة الرسالات السماوية، وأن جميع الأنبياء دعوا إلى توحيد الله وعبادته. كما يؤكد أن الإسلام هو الدين الخاتم الجامع لما سبقه من الشرائع، قال تعالى:﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾(سورة آل عمران: 19)
سادسًا: التحذير من المعاصي وعواقبها
رأى النبي ﷺ خلال الرحلة مشاهد مؤثرة لأناس يُعذَّبون بسبب ذنوبهم، مثل آكلي الربا، والمغتابين، والذين يتركون الصلاة، وفي ذلك موعظة بليغة وتحذير شديد من المعاصي، ودعوة صريحة للتوبة والرجوع إلى الله قبل فوات الأوان.
سابعًا: المسجد الأقصى ومكانته في الإسلام
تُبرز الرحلة مكانة المسجد الأقصى المبارك، فهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وربطه الله بالمسجد الحرام في آية واحدة، مما يدل على قدسيته وأهميته في عقيدة المسلمين، ووجوب الحفاظ عليه والدفاع عنه.
ثامنًا: الصبر طريق النصر والتمكين
تُعلمنا رحلة الإسراء والمعراج أن الصبر على البلاء طريق الرفعة والتمكين، وأن الله يجزي الصابرين خير الجزاء، وأن ما يمر به المؤمن من ابتلاءات ليس دليل خذلان، بل قد يكون مقدمةً لعطاء عظيم.
إن رحلة الإسراء والمعراج ليست مجرد قصة تُروى، بل هي منهاج حياة، ومدرسة إيمانية متكاملة، تغرس في النفس اليقين بالله، وتعظيم الصلاة، والصبر على الشدائد، والالتزام بأوامر الله ورسوله. وهي دعوة دائمة لكل مسلم أن يراجع علاقته بربه، ويتمسك بدينه، ويوقن بأن وعد الله حق، وأن العاقبة للمتقين.



