مقال
أخر الأخبار

محمد نظمي.. حضور ثقافي يتجاوز الكتابة إلى خدمة المشهد الأدبي

د سهام الزعيري | القاهرة 

في المشهد الثقافي السكندري، هناك أسماء لا يرتبط حضورها بالكتابة وحدها، وإنما بالمشاركة في الحياة الثقافية والعمل على دعم المؤسسات والفعاليات التي تجمع المبدعين. ويأتي الكاتب محمد نظمي في مقدمة الأسماء التي ارتبطت خلال السنوات الأخيرة بالحركة الأدبية والثقافية في الإسكندرية.

والحديث عن محمد نظمي يبدأ من الإسكندرية، ليس باعتبارها مجرد مسقط أو مدينة ينتمي إليها، وإنما باعتبارها البيئة الثقافية التي شكلت جانبا مهما من حضوره العام.

فالإسكندرية تمتلك تاريخا طويلا في صناعة المشهد الأدبي والفني المصري، وما زالت مؤسساتها الثقافية وملتقياتها الأدبية تمثل مساحة مهمة للتواصل بين أجيال المبدعين.

ومن داخل هذا المشهد، تولى محمد نظمي رئاسة نادي الأدب المركزي بالإسكندرية، وشارك في عدد من الفعاليات والمؤتمرات الأدبية التي ناقشت قضايا الإبداع ودور الأدب في قراءة المجتمع والواقع.

وكان من بين هذه المشاركات حضوره في المؤتمر الأدبي «نصر أكتوبر في أدب الإسكندرية»، الذي أقيم بقصر ثقافة برج العرب، وشارك فيه عدد من أدباء ومثقفي المحافظة.

كما جاء اسمه ضمن المكرمين في فعاليات ثقافية وأدبية شهدتها الإسكندرية، في إطار تقدير عدد من رموز الحركة الثقافية في المدينة.

هذه المشاركات تكشف عن جانب مهم في تجربة محمد نظمي؛ وهو أن علاقته بالثقافة لم تتوقف عند إنتاج النص الأدبي، وإنما امتدت إلى المجال العام الذي تتحرك فيه الثقافة، من خلال الندوات والمؤتمرات والأنشطة الأدبية والمؤسسات الثقافية.

وهذا الدور له أهميته، خاصة في المحافظات التي تحتاج إلى استمرار الحركة الثقافية خارج إطار الفعاليات المركزية في القاهرة.

الإسكندرية، بما تملكه من تاريخ ثقافي كبير، تحتاج دائما إلى أسماء تؤمن بأن استمرار هذا التاريخ لا يتحقق باستدعاء الماضي فقط، وإنما بخلق مساحات جديدة للكتاب والمبدعين، وربط الأجيال ببعضها، والحفاظ على حضور المدينة في خريطة الثقافة المصرية.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة محمد نظمي.

لكن التطور الأهم في حضوره خلال الفترة الأخيرة جاء من خلال العمل النقابي.

فمحمد نظمي عضو بالمجلس الاستشاري الأعلى للنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، وفي سبتمبر 2026 أعلن نقيب كتاب مصر الدكتور علاء عبد الهادي عن تبرع نظمي بمبلغ مليون جنيه لدعم النقابة.

ووفقا لما أعلنته النقابة، خصص نصف مليون جنيه من قيمة التبرع لدعم المشروع الصحي للنقابة، بينما خصص النصف الآخر لدعم فروع النقابة في المحافظات.

هذه الخطوة تستحق التوقف، ليس بسبب قيمة التبرع فقط، وإنما بسبب طبيعة المجالات التي وجه إليها.

فالمشروع الصحي يرتبط مباشرة بالخدمات التي تقدمها النقابة لأعضائها، بينما يمثل دعم الفروع في المحافظات دعما للبنية الثقافية والنقابية خارج القاهرة.

وهنا يتجاوز دور الكاتب حدود الكتاب والندوة والمشاركة الأدبية إلى مساحة أوسع تتعلق بالمسؤولية تجاه المجتمع الثقافي نفسه.

ومن وجهة نظري، فإن أهمية هذه الخطوة تكمن في أنها تفتح نقاشا ضروريا حول مفهوم دور المثقف في الوقت الراهن.
هل يقتصر دور الكاتب على إنتاج النص؟
أم أن انتماءه إلى مؤسسة ثقافية يفرض عليه أدوارا أخرى؟
الإجابة ليست واحدة، لكنها بالتأكيد ترتبط بقدرة المبدع على تحويل حضوره الثقافي إلى تأثير يتجاوز تجربته الفردية.
وفي حالة محمد نظمي، تتقاطع ثلاثة مسارات واضحة: الكتابة، والعمل الثقافي، والعمل النقابي.

وهو تقاطع يمنحه حضورا مختلفا داخل المشهد الأدبي السكندري والمصري.

واللافت أيضا أن هذا الحضور يأتي من الإسكندرية، المدينة التي ظلت طوال تاريخها أحد أهم مراكز الثقافة المصرية، والتي خرج منها عدد كبير من الكتاب والفنانين والمفكرين.

ولهذا فإن استمرار حضور الأدباء السكندريين في المؤسسات الثقافية المصرية لا يمثل مجرد حضور لأسماء من محافظة بعينها، وإنما يضيف إلى التنوع الجغرافي والفكري للمشهد الثقافي المصري كله.

محمد نظمي في النهاية ليس مجرد اسم في قائمة المشاركين في فعالية ثقافية، ولا مجرد عضو في مؤسسة نقابية.

إنه نموذج لحضور ثقافي يحاول أن يجمع بين الممارسة الأدبية والمشاركة العامة.

والثقافة تحتاج إلى هذا النوع من الحضور؛ حضور لا يكتفي بالكلام عن أهمية الثقافة، وإنما يشارك في دعم مؤسساتها، ويؤمن بأن الكاتب جزء من مجتمع ثقافي أوسع من تجربته الشخصية.

ومن الإسكندرية بدأت الحكاية، لكنها لم تتوقف عند حدود المدينة.

فمحمد نظمي يحمل معه إلى المشهد الثقافي المصري تجربة ابن مدينة لها تاريخ طويل مع الكتابة والإبداع، ويضيف إليها حضورا يقوم على المشاركة والعمل والدعم.
وربما تكون هذه هي القيمة الأهم في تجربته حتى الآن:

أن يتحول الانتماء إلى فعل، وأن تتحول الثقافة من مساحة للحديث إلى مساحة للمشاركة والتأثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى