رواية “الراعي وفاكهة النساء”في ندوة اليوم السابع

متابعة وتقديم: ديمة جمعة السمان القدس

ناقشت ندوة اليوم السايع المقدسية الثّقافية الأسبوعيّة عبر تقنية زووم رواية “الرّاعي وفاكهة النساء” للكاتبة الفلسطينية ميسون أسدي، الصادرة عن دار الرّعاة للدّراسات والنّشر بمشاركة جسور ثقافيّة للنّشر والتّوزيع صدرت هذا العام 2021.

وتقع الرواية التي يحمل غلافها الأوّل لوحة للفنّان التّشكيلي عبد عابدي في 218 من الحجم المتوسّط.

افتتحت الأمسية مديرة الندوة ديمة جمعة السمان فقالت:

ما أحوجنا لوجود نصوص أدبية، تسلّط الضوء على واقع المجتمعات العربية في الداخل المحتل، لتعكس حجم المأساة التي يعيشها العربي المضطهد على المستوى الإنساني قبل الوطني في ظل غياب الهوية من جهة، واضطهاد المرأة من جهة أخرى في ظل مجتمع ذكوري، لا يؤمن بأن للمرأة كيانا وإرادة، بل يعتبرون أنها ليست أكثر من ملحق للرّجل، لم تخلق سوى لإشباع رغباته.

الرواية رسالة قوية أرادت الأسدي إيصالها للقارىء من منطلق شعورها بمسؤولية تجاه مجتمعها العربي في فلسطين المحتلة عام 1948 خاصة، وأن لديها الكثير من القصص والحكايات التي اطلعت عليها عن كثب وعالجت بعضا منها بحكم عملها كباحثة اجتماعية، فنقلت ميسون الواقع بصورة أشبه بالرسمة الكاريكتيرية التي تضخم ما تريد إبرازه من أجل لفت النظر إليه.

كثفت الكاتبة الأحداث بقسوة، وعرضتها بالتوالي يشكل مستفز في رواية واحدة سلبت من القارىء دهشته، فرفعت مستوى خياله إلى أعلى درجات التوقع ففاق خيال الكاتبة. ورسمت صورة بشعة للمرأة جعلت منها دمية بيد الرجل، دون أي استثناء لأي امرأة، كلهن سقطن بيد الرجل، المتعلمة والمثقفة والمتديّنة والمستقرّة في بيتها مع أسرتها… الخ.. فلم يكن هناك أيّ استثناء لرد الاعتبار للنساء الملتزمات اللواتي يتمسّكن بمبادئهن ويميزن بين الحق والباطل. جميع النساء اللواتي ذكرن بالرواية كنّ أضحوكة بيد الرجل تم استغلالهن بأبشع صورة.

صورة أساءت للمرأة وزادت من الظلم الواقع عليها من المجتمع بدلا من إنصافها.

رواية جريئة، جمعت بين الواقع والخيال، بلغة سلسة جميلة مشوقة، طرحت عدّة قضايا يتجنبها الكتاب بالعادة لحساسيتها، وهذا لصالح الكاتبة.

إلا أنّ المبالغة في وضع كل ما ذكر من موبقات في شخصية واحدة، وجمع العديد من القضايا والظواهر الاجتماعية التي ممكن توزيعها على عدة روايات لإعطائها حقها، قلّل من تأثير الصّدمة على القارىء، التي كان من المهم المحافظة عليها، لكي تصل الرسالة كما يجب أن تكون، وتحقق الهدف منها.

كما أن رسم شخصية الراعي لم تكن موفقة، القفزات في شخصيته لم تكن مقنعة.. لم يكن هناك أي تسلسل درامي يهيء القارىء لتقبل هذا التطور غير المبرر في شخصيته.

وعلى صعيد آخر، لا بد من الإشارة إلى أن الكاتبة وفقت بطرح العديد من القضايا الإجتماعة الهامة، منها النظرة العنصرية للعرب في الداخل المحتل وتبعاتها، وتعدد الزوجات داخل المجتمع البدوي، وأشارت إلى أهمية تغريب النكاح لتجنّب ولادة أطفال معاقين. وقد نجحت الكاتبة أيضا بالمقارنة بين الحياة في تل أبيب والحياة في مناطق البداوة. بحيث أظهرت الثقافتين المختلفتين ومدى تأثيرها على أفراد المجتمع.

كما نجحت بامتياز في الغوص داخل النفس البشرية، إذ نبشت، وأخرجت المستور بحرفية عالية.

وقال جميل السلحوت:

عرفنا الكاتبة ميسون أسدي ككاتبة واقعيّة، كتبت القصّة الكبيرة للكبار وللأطفال، كما كتبت الرّواية أيضا.

واضح أنّ الكاتبة هدفت من روايتها الواقعيّة الغرائبيّة هذه تبيان العلاقة بين الرّجل والمرأة، وتدور غالبيّة أحداث الرّواية في حوار دار بين هزّاع بطل الرّواية والمحامية ابتهاج أنطون، وإن غلب على المضمون اعترافات هزّاع حول علاقاته مع النّساء، وحول حاجة “الذّكر والأنثى” للجنس.

آخذ على الرّواية أنّ الكاتبة حمّلت هزّاع راعي الغنم أكثر ممّا يحتمل، فقد رأيناه زير نساء، فيلسوفا، محلّلا نفسيّا، ومثقّفا كبيرا، فكيف تأتّى له ذلك وهو من عاش في بيئة رعويّة، ولم يأخذ نصيبه من التّعليم، وكأني بالكاتبة لم تترك بطل روايتها يتحرّك ضمن قدراته، بل هي من حرّكته وتكلّمت عنه. كما آخذ على الرّواية أيضا أنّ النّساء فيها لم يكن لهنّ موقف سوى تلبية حاجة الرّجال الجنسيّة دون أدنى معارضة. حتى المحامية أريج لم تكن استثناء، فقد جاء على لسان هزّاع عنها” أيقن بأنّها أشهى امرأة تمشي على قدمين لا تمتنع عن رفعهما عاليا في أي وقت”ص 129.

ويلاحظ أنّ الرّاعي هزّاع قد اكتشف الجنس من خلال مشاهداته لتزاوج قطيع الأغنام مع ذكورها:”اكتسبت الحرّيّة من حرّيّة الحيوان ومن مراقبتي لفحول القطيع”ص40.

وشاهد هزّاع:” شاهدت بنفسي كيف كان جاري يجامع أتانا دون أن يرف له جفن.”ص52. وجاء في الرّواية تبرير “علميّ” لذلك على لسان المحامية أريج مستشهدة بفرويد:” اعتبر فرويد  غريزة الجنس حاجة محوريّة في السّلوك الانسانيّ، وأنّ الانسان مجبول على تعويض الحاجة إن حرم منها…………….لذلك سعى الإنسان لتجربة أنواع أخرى من المتعة خارج دائرة الجنس البشريّ”ص 54. وبعد ذلك هناك تفسير للجوء بعض البشر لممارسة الجنس مع الحيوان جاء على لسان هزاع:”إنّ التّآلف بين الإنسان والحيوان جنسيّا أصبح ممكنا بعد أن حرّمت الأعراف الاجتماعيّة ذلك دون الزّواج وصنّفته  ضمن التّابوهات الكثيرة في المجتمع!”ص 56. ومن خلال رؤية هزّاع وزميلته حسنة لتزاوج الأغنام فقد ثارت شهواتهما في مرحلة عمريّة مبكّرة، وقلّدا الأغنام في ذلك، وأقاما علاقة حميمة في المراعي بعيدا عن عيون النّاس. كما أشار هزّاع كيف كان يرى وشقيقاته وأشقّاؤة والدهم وهو يسطو على والدتهم ويضاجعها ليلا قبل أن يناموا. وبما أن محور الرّواية يدور حول الجنس، فقد جاء التّركيز على العلاقة خارج إطار الزّواج، حتّى أنّه ورد على لسان هزّاع وهو يقول للمحامية ابتهاج بعد أن اعترفت له بزواجها وبطلاقها، مهاجما الزّواج:”إذن أنت تعرفين علّة الزّواج، فأنا باعتقادي أنّ هذه المؤسّسة هي الأسوأ من بين المؤسّسات الموجودة في المجتمع.”ص 170. ولتكملة الصّورة في العلاقة بين الجنسين فقد انتقل هزّاع إلى العمل في مطعم في تل أبيب، وهناك نصحه صاحب العمل بأن يتّخذ اسما عبريّا لتسهيل علاقته مع الفتيات اليهوديّات، وصار اسمه”عزرا”، وهناك تعرّف على فتاتين عشقهما وعشقنه، على اعتبار أنّه يهوديّ، وعندما اكتشفت إحداهما أنّه عربيّ، اعترف لها بأنّه بدويّ وليس عربيّا، وفي هذا إشارة ذكيّة لتصنيف المؤسّسة الصّهيونيّة الفلسطينيّين إلى” عرب، بدو، مسيحيّين ودروز”. وبهذا فإنّ المسلمين من غير البدو هم العرب فقط!

وقد ورد في الرّواية أنّ هزّاع قد تزوّج من بنت عمّه شيحة خضوعا لأعراف القبيلة، ولمّا أنجبت منه ثلاثة معاقين تزوّج بتحريض من والده ثانيّة وأنجب منها بنتا. ولتكتمل وتتشعّب دائرة الجنس في الرّواية، فإنّ هزاع افتتح صالونا لتجميل النّساء، ومن خلاله عاشر العديد من النّساء، ومن خلال السّرد الإنسيابي الذي يشبه حكايات ألف ليلة وليلة شاهدنا كيف احتالت إحدى خليلاته التي شاركت بمؤتمر في إيلات على زوجها، كي يرسل مصفّف وحلّاق الشّعر، فأصرّ على هزّاع أن يلحق بها ليواصل علاقته معها هناك.

وهزّاع هذا الذي لم يوفّر أنثى مهما كان عمرها، كاد أن يقيم علاقة مع صبيّة في الرّابعة عشرة من عمرها لولا أنّ والدتها هاتفته؛ لتخبره أنّ هذه الصّبيّة هي ابنته!

واضح أنّ الكاتبة اختارت راعي أغنام “هزاع”؛ كمبرر للحديث عن تزاوج الحيوانات، وعن معاشرة بعض البشر للحيوانات أيضا، ثمّ انتقلت به إلى تل أبيب لتطرح ثقافة أخرى مغايرة في التّعامل مع الجنس، وأعادته إلى قريته، ليفتتح صالون تجميل للسّيّدات؛ لتروي لنا أنّ أيضا هناك علاقات بين الرّجل والمرأة في المجتمع العربيّ، لكنّ هذه العلاقات سرّيّة. وفي تقديري أنّ الكاتبة ميسون أسدي التي تعمل باحثة اجتماعيّة قد استوحت مضامين حكايات وقصص روايتها من مشاهداتها العمليّة، فألبستها جميعها لشخصيّة واحدة هي “هزّاع”.

وأحسب أنّ انصياع النّساء لرغبات هزّاع في الرّواية وعدم رفضهن لتلبية رغباته جاء لتبيان أنّ المرأة مضطهدة ومحرومة وبالتّالي فإنّه يسهل الإيقاع بها. ويلاحظ القارئ للرّواية أنّ هزّاع لم يتعاطف مع امرأة إلا مع والدته ومدى شقائها وتضحياتها كما ورد في الصفحة 66، وأثناء معاشرة والده لها أمامهم بالقوّة وكأنّه يغتصبها.

الأسلوب واللغة: جاء أسلوب الرّواية حكائيّ انسيابيّ يطغى عليه عنصر التّشويق، واللغة كانت فصيحة لكنها لم تخلُ من الأخطاء اللغوية والنّحويّة.

وقالت فاطمة كيوان:

رواية جريئة بطرحها وأفكارها ومضامينها.. تدور أحداث الرواية حول رحلة  “هزاع عنيدات” ومعنى هزاع هو:” الأسد الذي يكثر من كسر عظام فرائسه” وهو الشخصية المركزية الذي يسرد الأحداث للمحامية أريج  في حوار سلس جذاب، ولغة بسيطة وفقا للمشاهد، طرحت الرواية عدة قضايا ومحاور اجتماعية في المجتمع المعاصر المنفتح، ومشكلات في المجتمع التقليدي في إشارة ذكية لارتباط الأدب بالواقع الذي نحيا به.

هناك مقارنة بين ثقافتين: الحياة في تل أبيب والحياة البدوية العربية.

حيث رصدت الرواية العديد من المشكلات التي مازالت ترهق المجتمعات البدوية العربية، مثل الزواج المبكر، زواج الأقارب، تعدد الزوجات وتداعياتها وما يترتب عليها من مشاكل لبناء أسرة آمنة مستقرة تتحمل أعباء الحياة اليومية.  فوجود أطفال معاقين يعني وجود مشاكل نفسية ومعاناة من الاحباط، و وأخرى اجتماعية واقتصادية أيضا. جاء ذلك في صفحة 136  بالرواية.

الثقافه الأخرى التى تطرحها الرواية هي:

ضياع الهوية العربية كما حصل مع هزاع في تل أبيب، واندماجه في ظل هذا المجتمع المركب باختلاف ثقافاته وهوياته، والمقارنة بين الحياة في تل أبيب والاندماج في المجتمع الآخر بمجال العمل أو الملابس، وحتى الطعام والعلاقات الاجتماعية مع الناس المختلفه دياناتهم مثل أسنات وغيرها، جعلته يفقد الإنتماء ويعيش في متاهة، بقول:

جرحتني بتسميتك لي ” عربي” أنا لست عربيا أنا بدوي”. و”العرب لا يريدوننا واليهود لا يريدوننا”ص155.

وفي ذالك إشارة واضحة لمدى المعاناة  والتمييز والعنصرية التي يحياها مجتمعه من اضطهاد وتشريد وتهويد للأرض وتهجير أصحابها العرب.

في هذا إشارة ذكية للعلاقات العدائية المتبادلة بين العرب واليهود في القرى . وإمكانية التعايش بسلام في المدن مثل تل أبيب.

أمّا المحور الثالث المهم بالرواية فهو قضية “الجنس”  وهنا أيضا طرحت ثقافتين مختلفتين في التعامل مع المرأة والجنس.

الجنس العادي بين المرأة والرجل في المجتمع التقليدي العربي، وأيضا في المجتمع الغربي، و”قضية ممارسة الجنس مع الحيوانات” واستحضرت ذالك من خلال شخصية الراعي وحياة البادية واسترسلت بوصف دقيق  لعملية السفاد بين الحيوانات، فقد جاء في الرواية “اكتسبت الحرية من حرية الحيوانات ومن مراقبتي لفحول القطيع خاصة”. ودعمت رأيها بالإستناد لنظريات فرويد عالم النفس الاجتماعي وبتوظيفها  للمكان تحديدا . “المراعي والحقول”  وشرح الوضع العائلي والاجتماعي، علاقات الأفراد والعادات والتقاليد وتعرية الواقع المتردي هناك .

وفي العلاقة ما بين المرأة والرجل عمدت لإظهار استغلال النساء جنسيا في أماكن العمل مثل صالونات التجميل وما يحصل في داخلها في الواقع .

ثم أكدت على أن المرأة في المجتمعات التقليدية ما هي إلا وعاء لتفريغ الشهوات والتسلية معا. فهي مجبرة على ممارسة الجنس ص46. وفي الغالب والواقع فعلا هي عملية هروب من الواقع.

أظهرت الرواية أن البطل “زير نساء” فأي امرأة يشتهيها ينالها. حتى المحامية سلمت له نفسها برضاها.

فهو كالذئب يتربص دائما بالفريسة وجاهز للنقضاض.

بينما المرأة لا تحاول المقاومة بل منصاعة وبرغبة لمطارحة الغرام لأي رجل .

“أّي امرأة تمشي على قدمين لا تمتنع عن رفعهما عاليا في أي وقت”.

وفي هذا اجحاف بل إهانة واستخفاف بإنسانية المرأة وبحقوقها.

أثارت الرواية في أكثر من موقع تساؤلا حول:” ماهية العلاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الحياة الزوجية)) ص 48.

الصراع بين الذات وبين الغرائز، وأن العلاقة تبقى في حدود السرية _ ” سرية وسريرية”  فهي تعتبر العلاقة تسلية وجنونا لإطلاق رغبات الجسد ودعاباته.

نعم الإسلام حث على السرية والكتمان للمحافظة على خصوصية العلاقة وعلى الأسرة عامة، وحرّم العلاقة خارج الزواج. والثقافة العربية تعاملت مع الموضوع بحذر شديد .

جاء في الرواية:” إن مؤسسة الزواج أسوأ مؤسسة/ ولا توجد جملة في عقد الزواج تنصّ على أن الزوج أو الزوجة حكر على الثاني. والسؤال هنا: إذا كانت الصحبة من أجل المتعة هي خطيئة والدين يحرم هذه العلاقة فكيف للرواية أن تمنحها الشرعية؟

فعلا رواية غرائبية كما وصفوها بأحداثها وشخصياتها وأفكارها.

وقالت هدى عثمان أبو غوش:

رواية  اجتماعية بين الواقع والخيال، بين خيوط التوبة، وبين الذنوب والشهوات تنسجها الكاتبة ميسون أسدي من خلال بطل الرّواية زير النساء الراعي هزّاع عنيدات، هذا الراعي العربي الذي يعيش في قريته البدوية ،والّذي يتنقل ما بين القرية والمدينة(تل أيب)مدينة التحرر من القيود الاجتماعية التي تحكم المجتمع العربي، فيما يتعلق بالعلاقات الحرة بين الذكر والأنثى وممارسة الجنس بشكل حر. يعود زير النساء إلى الحياة بعد حادث سير، يمنحه ملاك الموت 24ساعة للتكفير عن خطاياه، وممّا يذكر فإن الأدب العالمي تطرق لتلك الشخصية المسماة “دون جوان” وتذكرني هذه الرواية بمسرحية مولير “دون جوان” المحتال الذي يغوي النساء، ومن خلالها ينتقد فساد المجتمع وهنا أيضا تحاول الكاتبة أسدي  من خلال الحوار الذي يدور بين المحامية ابتهال وهزّاع التي تصغي له من أجل مساعدته في إيصال رسالة المغفرة والمسامحة لكلّ من أساء لهن من النّساء، أن تنتقد سلوكيات المجتمع وأن تبرز  أهمية الاستمتاع الجنسي عند الذكر والأنثى على حدّ سواء، فتثير قضية العلاقات الباردة في مؤسسة الزواج، وأثرها السلبي على الفرد والخيانات الزوجية التي تنجم عن ذلك.

تقول إحدى الشخصيات التي رضخت لهزّاع “أشعر بأنني امرأة بين يديك أحسّ معك بانخفاض التوتر والارتياح، اعتقدت لسنوات طوال بأنني امرأة باردة عاطفيا وجسديا”.

إنّ علاقة زير النساء بفاكهة النساء لم تكن حبّا أو احتراما ولكنها كانت مجرد علاقة تفريغ جنسي لحالة مرضية بحاجة إلى شفاء، يقول هزّاع”أنظر لجميع النساء على أنهنّ علاقات سرية سريرية متفاوتة العمق”. وذلك يعود إلى تأثير طفولة هزّاع وممارسته الجنس مع الحيوانات وحسنة عند الكبر، كما وإنّ في تصوير نشوة زير النّساء ونجاحه في إغواء النساء والإيقاع بهن جميعا، إشارة إلى نظرة البعض إلى المرأة فقط كجنس، وهنا  تكمن ربما رسالة الكاتبة إلى أهمية فهم المرأة كعقل وروح وقلب، وليس كائنا جنسيا أو امرأة من ورق، لكنّ الكاتبة أسدي جعلت المرأة مشاركة أيضا في هذا الفكر السلبي، عندما  حركتها كدمية بيد الرّجل، فحركتها وفق رغبات وشهوات هزّاع، دون أيّ ممانعة أو تترد للحظة، أو ندم، فهل تتحول المرأة إلى كائن صامت كتمثال حين تتعرض للتحرش الجنسي اللفظي كما حدث مع ساريت على سبيل المثال لا الحصر؟

أرى في تكرار الكاتبة كثيرا لصورة زير النساء الّذي لا يشبع من الجنس مبالغة،  لأنّ الفكرة وصلت للقارئ بما فيه الكفاية، بالإضافة لخلق حالة من الاشمئزاز  لتشويه صورة المرأة التي تنحاز إلى الجنس على حساب أُسرتها أو دينها، وغياب بعض الصور الجميلة للمرأة على الأقل. فكلّ النساء ضعيفات خائنات وعاهرات في حال إغوائهنّ، والمرأة  في الرّواية تثأر لرغباتها المكبوتة من خلال استجابتها لهزّاع.

 بعض المشاهد في الرّواية غير مقنعة، مثل استجابة اليهودية المتدينة لممارسات هزاع وتقبيله لها في حديقة عامة!على سبيل المثال.

تطرقت الكاتبة  إلى التمييز العنصري الّذي يتعرض له العربي في المجتمع الاسرائيلي، وفي تقسيم قومية العربي إلى عدة فئات:عربي، بدوي، مسيحي، درزي الخ. وإلى الفقر الذي  يعاني منه المجتمع البدوي رغم انخراطه في الجيش. كما وتطرقت إلى عدّة مشاكل اجتماعية منها تعدد الزوجات وأثر العلاقات الحميمية بين الأزواج في أسرة لديها ذوو الاحتياجات الخاصة. وقدبرز من خلال الحوار الجاري بين هزّاع والمحامية ابتهاج ثقافة وطقوس الشعب اليهودي خاصة المتدين.

جاء أُسلوب الكاتبة بلغة جميلة مشبع بالخيال الجميل وعنصر التشويق كان لافتا منذ البداية، وأصبح فاترا بعض الشيء مع تكرار علاقات هزاع، ثم رجع  ليكون مدهشا في مراحل النهاية، وقد وردت أخطاء نحوية  في الرّواية كان من الممكن تفاديها.

وكتب عبد الله دعيس:

أنهيت قراءة رواية (الراعي وفاكهة النساء) لميسون أسدي وقد كدت أصاب بالغثيان، وتساءلت: ما الذي تريده الكاتبة من هذه الرواية؟ وما الفائدة منها؟ وما الأفكار التي تحاول أن تطرحها؟ وما الهدف من كتابتها؟ سأترك الإجابة عن هذه الأسئلة للكاتبة نفسها، فربما أرادت شيئا لم أستطع الوصول إليه خلال القراءة، التي لم تكن ممتعة، ولم تكن مشوّقة.

فالرواية من بدايتها إلى نهايتها تتحدث عن العلاقات الجنسيّة بين الشّخصيات، وسفاد الحيوانات ومعاشرة البشر لها! فتصفها بطريقة مبالغ فيها لا تليق أن تكون في كتاب أدبيّ إلا إذا كان الهدف منه فقط إثارة الغرائز أو الترويج للإباحيّة والزنا.

ومع احترامي الشديد وإجلالي للكاتبة التي هي أمّ في نهاية عقدها السادس كما ذُكر في سيرتها الذاتيّة في نهاية الكتاب، إلا أنّها أجرت على ألسنة شخصياتها ما لا يليق، وصوّرت هذه الشخصيّات وهي غارقة في وحل الرّذيلة والإسفاف. وهذه الشخصيات، لم ترَ ما كانت تقوم به من علاقات كخطأ ولم تشعر بالذنب بسبب ما اقترفت، وإنما كان ندم هزّاع (بطل الرواية) لأنه ترك بعض النّساء وكسر قلوبهن، ولم يكمل مشواره في أحضانهنّ. وبالمقابل تعود الكاتبة على لسان هذه الشخصيات مرّات ومرّات لانتقاد النظام الاجتماعي الذي لا يسمح بهذه العلاقات المحرّمة. وكان من الواضح في أماكن كثيرة أنّ هذه الشّخصيات تروّج للرذائل، بل وتدعو للعلاقات الجنسيّة خارج الزواج، ولا تعتبر معاشرة المرأة المتزوجة والرجل المتزوج لرجال ونساء آخرين خيانة أو رذيلة، وكأنّها تدعو إليه وتباركه! لقد ذهبت هذه الشّخصيات التي خلقتها الكاتبة أبعد من كلّ ما هو مقبول في جميع المجتمعات الإنسانيّة، واعتبرت الانفلات الأخلاقيّ، والرّذيلة شيئا مقبولا، بل محمودا!

إن كان هزّاع (بطل الرواية الراعي أو الطبيب!) قد اقترف الخطايا في حلمه، فالكاتبة على لسان شخصياتها ذهبت إلى ما هو أبعد بكثير، حيث صوّرت الحياة الإنسانية وكأنها وعاء للشهوات تشبعها كيفما تشاء، وصوّرت المرأة وكأنّها متاع ليقضي بها الرجل وطره، أو كائن شهوانيّ لا يردّ يد لامس، بلا كرامة ولا إنسانيّة. فلم نر في الرواية المرأة الأمّ ولا المرأة القويّة التي تصون عرضها وتحفظ كرامتها. وهل من ازدراء وتحقير للمرأة أكثر من هذا وأبشع؟!

وتحدّثت الكاتبة عمّا أسمته مدينة تل أبيب، فصوّرتها واحة للحريّة ومرتعا لمن أراد أن يغترف من متاع الدّنيا، وتناست أن هذه المُغتصبة القائمة في قلب فلسطين على أنقاض القرى وفوق جثث الضحايا، لا يمكن أن تكون إلا رمزا للظلم والقيد والاستبداد.

أرادت الكاتبة أن تكتب رواية واقعيّة لكنّها أدخلت الفانتازيا على الواقع بطريقة غير مقنعة؛ فلم تر من الواقع إلا عالمه السفليّ الراتع في الخيانة، الغارق في الشهوات والنّزوات، واحتالت على الواقع بقصة هزّاع الراعي الذي منحه ملك الموت يوما ليتوب، فقضاه وهو يتبجّح بعهره، ثمّ ليتحوّل كل هذا لحلم رآه هزّاع الطبيب، فقام لينفض عن كاهله وشاح الحياء وينطلق إلى حياة الفجور.

وكتبت روز اليوسف شعبان:

تتحدّث الرواية عن  الراعي هزّاع الذي يصاب بحادث طرق، وعندما يأتي ملك الموت لأخذ روحه، يطلب منه أن يمنحه أربعا وعشرين ساعة؛ كي يتوب عن أخطائه ويعتذر لكل من أساء إليه.

ويبدأ هزّاع بالبحث عن محامية لتسجّل اعترافاته وتسلّمها إلى أصحابها؛ ليصفحوا له ويسامحوه. فيتّصل بالمحامية ابتهاج أنطون وهي كاتبة عدل ويمكث في بيتها يومين؛ ليروي لها جميع قصصه وأخطائه والتي تتمحور حول علاقاته الجنسيّة العديدة مع النساء، وما سبّبه لهنّ من أذى وحزن  على الصعيد الشخصيّ والعائليّ.  فواحدة تطلّقت بسببه، وأخرى تزوّجها وهجرها، وأخرى أجهضت بسبب حملٍ غير شرعيّ، وواحدة طُردت من عملها بسببه، والقائمة طويلة جدّا.

اللافت في الرواية هو الإغراق والإفراط في وصف العلاقات الجنسيّة والعاطفيّة بين هزاع والنساء اللاتي التقى بهنّ، وأوقعهنّ في شباكه، فبدَت  النساءُ صيدًا سهلًا له.  في حين  بدا هو  زير نساء، لا همّ له سوى إشباع رغباته الجنسيّة، فلم يوفّر امرأة، سواء كانت أرملة، أو عزباء، أو متزوجة، أو فتاة أو عجوزًا أو يهوديّة ، وهنا نشير أنّ هزّاع غيّر اسمه إلى عزرا  حين بدأ يعمل نادلًا في تل أبيب وذلك حتى يجذب النساء اليهوديّات إليه.

فهل يُعقل أن تكون النساء بهذا الغباء والطيش وعدم القدرة في السيطرة على رغباتهن الجنسيّة وكبحها؟

وهل يعقل أن يكون الراعي بهذه الحنكة والدهاء والثقافة والوعي والإدراك والقدرة على الاحتيال على النساء؟ ألا يبدو أن الكاتبة حمّلت الراعي فوق ما يحتمل وهو الذي وصفته الكاتبة أنه لم يتعلّم في المدرسة، وقضى طفولته ومراهقته مع قطعان الماعز؟

في رواية ميسون أسدي اخترت أن أتطرّق إلى الأسلوب السردي الذي اتّبعته الكاتبة.

يرى الشكلاني الروسي توماشفسكي أنَّ السرد يتكوّن من نمطين سرديّين: سرد موضوعيّ وسرد ذاتيّ. ففي نظام السرد الموضوعيّ يكون الكاتب مطّلعًا على كل شيء، حتى الأفكار السرديّة للأبطال. أما في نظام السرد الذاتيّ، فإننا نتتبّع الحكي من خلال عينيّ الراوي. (  نصوص الشكلانيين الروس، 1982، ص189.) فإذا كان الراوي موجودًا في عالم شخصّياته فهو راوٍ بضمير المتكلم، أما إذا كان الراوي موجودًا خارج عالم شخصياته، فيكون الراوي بضمير الغائب. ( ستانزل، 1992،ص61.).

 وقد وجدتُ أن الكاتبة أو الساردة رغم اطّلاعها على الأفكار السرديّة للأبطال،  والذي يميّز نظام السرد الموضوعيّ، إلّا أنّنا  تتّبعنا الحكي من خلال عينيّ الراوية التي كانت موجودة في عالم شخصيّاتها، (نمط السرد الذاتي)، لذا  فقد استخدمت في سردها الراوي بطريق المتكلم وهو هزّاع الذي كان ينطق بأفكار الكاتبة، من هنا فإن  أسلوب  السرد للكاتبة وفق تعريف الناقد الفرنسي جان بويون يعتمد على ” الرؤية من الخلف”، ووفق هذه الرؤية فإن السارد يتميّز بكونه يعرف كل شيء عن شخصيّات رواياته وعالمها، بما في ذلك أعماقها النفسانيّة، مخترقا جميع الحواجز كيفما كانت طبيعتها، كأن يتنقل في الزمان والمكان من دون صعوبة، ويرفع أسقف المنازل ليرى ما في داخلها وما في خارجها، أو يشقّ قلوب الشخصيّات ويغوص فيها ليتعرّف إلى أخفى الدوافع وأعمق الخلجات”.( بو طيّب، 1993،ص٢٢).

والكاتبة التي جعلت بطل الرواية هزّاع هو السارد الأساسي بضمير المتكلّم، إنما أرادت بذلك أن تجعله يغوص في أعماقه، فيكشف ويعترف بكل ما يعتمل في قلبه من مشاعر الحزن والندم والأسف على ذنوبه التي اقترفها في حياته. مع ذلك نجد أن الكاتبة هي التي تدير دفّة السرد وفق رؤيتها وفلسفتها في الحياة.

كما نجد استخدام الكاتبة لتقنية الاسترجاع، فهزّاع يسترجع جميع قصصه مع نسائه وعشيقاته، وما سبّبه لهنّ من أذىً. وقد آثر أن يسترجع أولًا فترة طفولته وشبابه:” كنت ما أزال بعيدا عن سنّ المراهقة، لكنّ أوجاع المراهقين عصفت بي. اشتهيت الأنثى فبل أن أتعرّف على جسدي، ولم أقوَ على مقاومة الحنين إليها. بدأت أفتش عن معالمها وأنا دون سنّ الثالثة عشرة، لأُفْرِط  فيما بعد في تعاطي عشقها”. ص 25.

إضافة إلى ذلك فقد برزت في الرواية تقنية الحلم، وهنا لا بدّ من الإشارة أن الكاتبة أجادت في توظيفها لهذه التقنية، ليكتشف القارئ في نهاية الرواية أنّ كل اعترافات هزّاع كانت أحلامًا، فهو في الواقع يعمل طبيبًا، يتصف بالحياء والخجل، لا يقترب من النساء، وربما جاءت أحلامه وتخيّلاته في علاقاته مع النساء، تعبيرًا عن الكبت الجنسيّ الذي يعانيه، ويعاني منه شبابنا وشابّاتنا في المجتمع العربيّ المحافظ، في حين ظهر لنا توفيق صديق هزّاع زير نساء، وهو الذي بدأ في أحلام هزّاع طبيبًا وإنسانًا شهمًا. وبذلك تعيدنا الكاتبة في نهاية القصة إلى بدايتها  لتكتمل الحبكة.

 وقد يكون استخدام  الكاتبة ميسون أسدي لتقنيّة الأحلام،  بهدف تصوير الحياة النفسانيّة لشخصياتها.  وقد كتب فرويد عن استخدام الروائيين لتقنية الأحلام بقوله :” فهم حين يجعلون الأبطال الذين أبدعتهم مخيّلتهم يحلمون يتقيّدون بالتجربة اليوميّة، التي تدلّ  على أنّ تفكير الناس وانفعالاتهم يستمرّان في الأحلام، ولا يكون لهم من هدف غير أن يصورّوا، من خلال أحلام أبطالهم، حالاتهم النفسيّة”.( فرويد، 1987،ص7).

فهل تعكس أحلام بطل الرواية هزّاع، نفسيّة الكاتبة المضطربة والقلقة مما آل إليه مجتمعنا من انهيار للقيم وضياع للهويّة؟

المراجع: 

-بوطيّب، عبد العالي، (1993)، مفهوم الرؤية السرديّة بين  الائتلاف والاختلاف، مجلة فصول، 4، مجلد 11، القاهرة.

-ستانزل،ك.ف. (1992)، العناصر الجوهريّة للمواقع السرديّة،  محلّة فصول، عدد 4 .

-فرويد، سيجموند. (1987)، الهذيان والأحلام في الفن، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت دار الطليعة.

-نصوص الشكلانيين الروس (1982)، نظريّة المنهج الشكلي، ترجمة: إبراهيم الخطيب، ط1، الشركة المغربية للناشرين المتحدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى