مقال

غونتر غراس وثقافة الاعتراف!

بقلم: علي جبار عطية

رئيس تحرير جريدة (أوروك) العراقية
يوصف قرننا الحالي بأنَّه (قرن بلا دموع)..جاء ذلك في قصة (قبو البصل) للكاتب الألماني غونتر غراس(١٩٢٧ ـ ٢٠١٥) الذي يروي بأسلوب شائق حكاية مطعم يلحق به قبو يرتاده الزبائن لا ليأكلوا بل ليبكوا عن طريق تقطيع البصل ! إذ يقدم المطعم للزبائن الذين ينتمون إلى طبقات اجتماعية متفاوتة صحوناً فيها رؤوس بصل كبيرة مع سكاكين، وموسيقى خاصة فيقومون بتقطيع البصل إلى قطع صغيرة للغاية ويبكون بكاءً جماعياً ثمَّ يعترفون بأسباب مجيئهم إلى هذا المكان، فيكون البصل قد ساعدهم على التطهير الظاهري، وإنْ كان بكاؤهم ليس من الأعماق! .. هذه القصة الرائعة ترجمها إلى اللغة العربية الدكتور سامي حسين الأحمدي، وصدرت سنة ١٩٨٧ في كتاب عنوانه (قبو البصل وقصص ألمانية أخرى) عن دار المأمون للترجمة والنشر.


بعض النقاد وصفوا هذه القصة بالرواية القصيرة، وبعضهم وصفها بالقصة الطويلة لكن يبقى المضمون نفسه.
بعد سنوات طويلة من نشر قصة (قبو البصل) يُصدر غونتر غراس روايةً عنوانها ( تقشير البصل)أو (تقشير البصلة ـ مذكرات) ترجمة عدنان حسن صدرت عام ٢٠٠٦ يستعرض فيها ذكرياته وفصول حياته الأدبية التي بدأها بروايته المثيرة (طبل الصفيح )/١٩٥٩ثم يتبعها بروايتيه (القط والفأر)، و(سنوات الكلاب) /١٩٦٣ لتكتمل ثلاثية عرفت
بـ(ثلاثية داينتسيغ) نسبة إلى مسقط رأس الكاتب، كذلك يتحدث عن آرائه في الحياة والكتابة .
وقد استعار فعل تقشير البصل للوصول إلى لب الأشياء فيروي تفاصيل شكلت حياته طوال أكثر من ستة عقود ، كاشفاً بشجاعة عن سر يتعلق بانضمامه أواخر الحرب العالمية الثانية، وهو في السابعة عشرة من العمر إلى الوحدات النازية الخاصة( ss) وقبلها إلى منظمة (شباب هتلر) ،مقدماً دليلاً على وجود ضمير حي، معززاً ثقافة الاعتراف والاعتذار مع ما يترتب على ذلك من تبعات تضر بسمعته الأدبية التي توّجها بحصوله على جائزة نوبل للآداب عام ١٩٩٩ مع خطورة مثل هذا الاعتراف في بلاد عانت من ويلات النازية، وتجرِّم كل من يؤيدها حتى بالرمز أو بالإشارة إلى درجة أنَّ لاعباً يونانياً عوقب بالحرمان من لعب كرة القدم مدى الحياة بسبب حركة يد وُصفت بالغبية حاكى فيها تحية عُرف بها النازيون. بدرت منه، وقد أصدر الاتحاد اليوناني لكرة القدم وقتها (٢٠١٣/٣/١٧) عقوبة بحق لاعب الوسط جيورجوس كاتيديس الذي قاد فريقه ايك أثينا للفوز بهدفين لهدف واحد على فريق فيريا في الدوري اليوناني ، كانت العقوبة قاسية بالإيقاف مدى الحياة عن جميع الأنشطة المتعلقة بالمنتخبات الوطنية، بعدما وجه هذا اللاعب تحية للجماهير تبدو كتحية النازيين الألمان.
وجاء في بيان الاتحاد اليوناني لكرة القدم (إنَّ قيام اللاعب بهذا التصرف وتوجيه تحية نازية للجماهير يشكل استفزازاً شديداً وإهانةً لكل ضحايا النازية وانتهاكاً صارخاً للصورة السلمية والإنسانية لكرة القدم) .
ترى هل يملك بعض الأدباء والكتاب نسبةً ولو ضئيلة من الضمير للاعتراف بتأييد الظلم والقمع والدكتاتورية أو في الأقل التوقف عن تمجيد رموزه، ولا نطمع بأكثر من ذلك، فقد وصل القبول بالأمر الواقع إلى أن لا نأمل بأكثر من سكوت (هؤلاء) المستمرين بتأييد الباطل السابق واللاحق ، بل لا نطلب منهم حتى دموع التماسيح أو دموعاً من بصل !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى