
بقلم: عماد خالد رحمة| ألمانيا
الشاعر الفلسطيني خلدون عماد رحمة واحد من كبار الشعراء الذين كتبوا نص الدهشة؛ لأنَّ نصوصهُ تتضمّن غرائبية طافحة، فهو يستجلب الكثير من الدلالات والمقاصد، الموشاة حتى النهاية بمفهوم الغربة والاغتراب، مفهوم بعمقِهِ الفلسفي يدلُّ دلالةً لا لُبسَ فيها عن فقدان الذات عن ذاتِها، حيثُ فَقَدَ ذاتَهُ التي توارت في ثنايا ذاتِهِ الظاهرة، مستخدماً أسلوبَ التوازي في مسارات التواري والظهور، فهو يؤكَّدَ في أحد نصوصِهِ أنّه التقى بصديقهِ الشاعر بعد أن نسجت الأيام خيوطاً عنكبوتية عشعشت فيها طيور الظلام وخفافيش العدم، وهو بلحظةٍ حاول أن يزيلَ هلامية هذا الظلام الموحش، هذا الغموض المُبهم شديد الوضوح، الذي أضفى على حياة الناس ألماً جُبِلَ بالتمزق والتشرد والفَقد ، حيث تسلّلَ الخوفُ والقلق فكان الاغتراب الحقيقي، وبُعْدِ الذات عن الذات التي فكّكت عُرى الإنسانية فينا، وبتنا غير قادرين على تحقيق هويتنا وماهيتنا ووجودنا، غرائبية النص أخبرتنا بانهيار المتعاليات. وغياب اللباب، وظهور كل شيئ لحائي متجلياً برداءة على الأشياء وبلادتها. لقد ترمَّدت الأشياء، وتنتظر عنقاءً جديدة تعيدُ النهوضَ والتحليق من جديد نحو الشمس، نحو الحق والحقيقة.
إنّها لحظة قهرية نابعة من عدمية الفعل المضني الذي استشفه الشاعر لحظةً بلحظة، فكانت لحظة لقائه بذاته، وكأنه يقول لنا إنَّ ما عشناهُ من مسوخاتٍ تضمّنت القَتلَ والتدميرَ والسّحِلْ. لا بُدَّ تدفعنا لأن نُعيد بناءَ ذواتنا وأرواحنا من جديد، حيث بُدَّدَت الملاح، فقد رأى الشاعر نفسه (ذاته) الظاهرة في بؤبؤ الشاعر حيث سكنت ذاته الباطنية، التي كان الحزن يسبح ببراءة مقموعة مع كل أوهام الحقيقة، لكنّهُ هذه المرة وبعد أن نَفَضَ السحاب الأسود، كَسَرَ الصمت الدائريّ، وانفجر بالبكاء على ذاته الغائرة ، المُضمَرَة في ثنايا العدم السرمدي.
نعم لقد أدرك الشاعر الفلسطيني خلدون عماد رحمة ذاته كاملةً، لكن حجم الاغتراب الساتر لكل تفاؤل أعاد انشطار الذات على ذاتها، منتظرةً أعادةَ الذواتِ إلى أعشاشها، منتظرةً ربيعاً جديداً تُزهرُ فيهِ أشجار الحب الإنساني الجديد، حيث تعودُ الحياةُ إلى الحياةِ بعد فقدان الكثير من الحياة. شكراً لك أيها الشاعر والأديب خلدون رحمة على ما تكتب من نصوص باذخة. لك حبي وتقديري يا أعز الأبناء