لست بعالم إذا لم ينتفع الناس بعلمك؟!

د. أحمد الطباخ
إنها عبارة قوية لا تصدر إلا من رزقه الله بصيرة وبصرا أفضت به إلى طريق الإصلاح بين الخلق وجعلته كالغيث أينما وقع نفع ، فليس العلم من أجل العلم، وإنما له غاية وهدف سام هو رفعة الناس وهدايتهم، وتغييرهم وتخلقهم بأحسن الأخلاق، فلا يكون العالم بين قومه إلا كرسول أرسل لإنقاذ الخلق من طريق الشيطان إلى طريق الرحمن؛ ليسعد في الدنيا، فالعلم الحقيقي هو ذلك العلم الذي يأخذ بصاحبه إلى طريق الفلاح والنجاح والسعادة، وقد كان العلماء قديما يعرفون هذه الحقيقة التي وضعوها في اعتبارهم عندما تيقنوا من أن العلم الحقيقي هو الذي يغير الناس، ويدلهم ويهديهم إلى ما فيه سعادتهم ونجاتهم، وفي هذا الحوار الذي دار بين عالمين من علماء الأزهر ما يدل على تلك الحقيقة عندما سأل الإمام محمد عبده شيخ الأزهر الشيخ المراغي إثر خروجه من امتحان العالمية :هل تعرف تعريف العلم؟
فقلت له: نعم ، وكنت أحفظ إذ ذاك أكثر تعاريف العلم فسردت بعضها
فقال: اسمع مني تعريفا مفيدا العلم هو ما ينفعك وينفع الناس
ثم سأل: هل انتفع الناس بعلمك؟
قلت له: لا
قال: إذا أنت لست بعالم ، فانفع الناس بعلمك لتكون عالما
وقد كان القرآن مشددا النكير على هذا الصنف من الناس الذي ظن العلم حفظا وتلقينا ، وليس عملا وتعليما وتغييرا في واقع يحتاج إلى من يدعو الناس ليغيروا واقعهم الذي امتلأ سوءا ، فقال الله تعالى: “أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم…”
وقال تعالى:”لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” .
إن تمام النضج يتم عندما يتحقق ما تم تعلمه ليجد له صدى في واقع يحتاج إلى من يطبقه في دنيا الناس ، وليس من يحفظ ويقف بين الناس واعظا يردد لهم، ويتلو عليهم ما حفظ دون وعي ، ولا تأمل ولا تأثير بتطبيق يجسد القيم في صورة محسوسة تتجلى للعيان ، ولقد كان السابقون من سلفنا الصالح حريصا على ذلك ، فقد كان الصحابة يطبقون قبل أن يجهروا بين الناس ، وفي يوم قال أحد الحاضرين له: إن فلانا حفظ كتاب البخاري
فقال الشيخ محمد عبده:لقد زادت في البلد نسخة إذ كان ديدنهم وما يهمهم هو التطبيق أولا وقبل كل شيء لا يراد من العالم أن يكون شمعا يضيء للناس ويحرق نفسه، لأن الله سائله يوم القيامة عن علمه من الذي انتفع به، وهل هو نفع نفسه به؛ ولذلك لابد أن يكون قدوة للناس .