
حمود ولد سليمان – غيم الصحراء
أديب من جمهورية موريتانيا
1_
في مجموعتها القصصية الشفيفة والأنيقة والجميلة زقاق الحكايات الصادرة عن دار الريس 2024 في 139صفحة من القطع المتوسط، والمتضمنة لستة عشرة قصة تتناول الكاتبة الروائية إسراء الريس في هذه الأضمومة موضوع الكتابة .الكتابة كخيار وممارسة ومشغلا يؤرق الكاتب طوال مسيرته. وبوصفها إبداعا تتحكم فيه أحيانا ظروفا كثيرة خارجة عن ارادة الكاتب /شرطية الخبز والحرية. وبوصفها قلقا وجوديا وأسئلة لاتهدأ بحثا عن المعني ومراودة للخلود.واستفهاما عن الذات والوجود واستيهاما بلا حدود .انطلاقا من أنها البدء والنهاء الذي يحياه الكاتب في عقله ووجدانه ويتمثله فيما يخط عندما يشعر ويفكر ويكتب ويصبح في مواجهة / المستحيل/ امام البياض .عندما يحدق في مراياه في الوجود والواقع أوحين يعبر نحو اللاواقع و الحلم والخيال .في هذه المجموعة تثير الكاتبة مجموعة من الأسئلة المهمة في فلسفة الابداع .
2_
في زقاق الحكايات يفسح المدي علي أوساع شاسعة / الذات الوجود /./المتخيل . عناوين القصص في المجموعة كلها تتمحور حول الكتابة وهواجسها وهي “مثقف ماركة مسجلة” “كانت تفكر في الحقل ” “فاكهة الحمقي ” لايمكن للحرب ان تصير مزحة ” زقاق الحكايات “وهو العنوان الذي يضم المجموعة . “مساء لايليق بأي شيء ” “قرار غير معلن ” “أدب نظيف ” “تحوير لغوي “مكتبة المستقبل ” “انعتاق” “شبح الحكاية” “عندما ابتلعت الكتب ضفتي النيل ” “رحلة من اللا شيء الي المعني ” ” قافية للبيع”
3_
في ” مثقف ماركة مسجلة “نجد الكاتب المغرور بالإثم الذي يسعي نحو الشهرة والذي تتصارع في نفسه الأهواء. كذالك تسلط القصة الضوء علي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي علي التعاطي الأدبي /وكيف أصبح الكاتب يصدق اوهامه . في “كانت تفكر في الحقل” وهي قصة رمزية فيها شيء من قصة البنفسجة الطموحة /في عرائس المروج لجبران .البنفسجة الطموحة كانت ترى أن القصد من الوجود التوق الي ماوراء الوجود وكانت تحلم أن تصير وردة .وظلت كذالك الي ان تحقق لها ذالك وماتت .في “كانت تفكر في الحقل ” تخوض زهرة السوسن حربا كبيرة لإنقاذ الحقل و تحرض صاحباتها .وفي النهاية يدوسها صاحب الحقل .وعندما يعود يجد ان كل مافي حقله تحول إلي زهرات سوسن .وهو ما يعني ان المعاناة مصهر الإبداع .في القصة كذالك دعوة للتشبث بالأمل والحلم دوما بوصفهما محفزين أساسين للنجاح في “فاكهة الحمقي” وهو عنوان جميل. يصبح الأدب الرديء فاكهة المتأدبين .في “لايمكن للحرب ان تصير مزحة ” نرى هموم الكاتب تؤرقه .وسط الحرب المجنونة في الخرطوم
بعد القتل والخراب والحرق الذي تعرضت له الجامعات ودار الوثائق والمتحف .وهو يسأل من ينقذ الكتب من بشاعة الحرب.من الموت .وفي “زقاق الحكايات” نري التفكير في العمل الأدبي وكيفية معالجته حيث يؤرق عنوان الكتاب الكاتب ويظل يفكر فيه وفي نهاية القصة عندما وجده راح يركض فرحا .
وفي ” مساء لايليق بأي شيء” .نري كيف يمكن للكتابة ان تنقذنا وفي نفس الوقت تورطنا في الخيبات . وفي” ادب نظيف” نري النقاد المتواطؤون والخداع في حياة الأدباء .
في” تحوير لغوي ” .تسلط القصة الضوء علي العلاقة بين الكتابة والنقد وكيف يمكن لهذا الاخير ان يهدم الأولي وكيف يمكن له ان يشيد مجدا زائفا . في ” مكتبة المستقبل” .تغوص بنا الكاتبة في الخيال العلمي فنري مدينة نظيفة تتحكم فيها التقنية .مكتبة المستقبل هذه ليس فيها كتاب وانما لوحات رقمية تعرض عناوينا لم يقرأها احد عناوين للمستقبل. .تنفتح القصة علي التطور التقني الذي جعل كل شيء- يتحول الي سلعة ومن ثم أصبحت القيمة للندرة .وأصبح الأدب سلعة.
وفي”شبح الحكاية” نري الكاتب المنزوي في الظل الذي يكرس قلمه ليعيش من تأجيره. مثلما يقوم القاتل المأجور بمهمته نيابة عن آخر للحصول علي المال كذالك يفعل هذا الكاتب .يكتب لأخرين ويقبر اسمه وتصبح علاقته بما يكتب تنتهي بمجرد أن ينتهي من كتابته والمفارقة انه يفعل ذالك لحاجته للمال .وعندما يفوز نصه يتألم ويعيش حالة شعورية تعيده للتعلق بالكتابة .
وفي” عندما ابتلعت الكتب ضفتي النيل” نري الشغف والامتلاء بالكتب .في حوار معرفي تستدعي الكاتبة هاملت شكسبير عبر مقولته نكون أو لانكون التي تلخص الصراع مع الوجود .في هذا الحوار المتخيل بين الشعر والتاريخ والادب والاقتصاد تبرز الحاجة للمعرفة .ولغذاء الروح . وتصبح القصص ضرورة في حياتنا لايمكن ان نحيا بدونها .
في” رحلة من اللاشيء الي الواقع” نري كيف تساهم الكتابة في العزلة والاغتراب والابتعاد عن الواقع عندما يصيرالمرأ مهوسا بالكتب يعيش في خيالاتها فيصبح مريضا نفسيا لايمكن ان يشفي الا بالرجوع إلي الواقع والحياة .تعالج هذه القصة صورة من صور المثقف المنسحب من الواقع والتي نراها كثيرا لدي النخب المتعالية .وفي” قافية للبيع” نري محنة المثقف مع السلطة وصراعه معها .كلما ابتعد عنها حوصر وضيق عليه الخناق .وكلما هادنها واقترب منها وجد النعيم.
4_
زقاق الحكايات قصص مزبورة بعناية فائقة.بلغة جميلة راقية ورؤية واعية . استمتعت كثيرا وأنا أقرأ هذه المجموعة الشيقة الجميلة .