أحلام الطفولة وأيام العيد

د. عادل جبار الربيعي| أكاديمي من العراق
العيدُ أقبلَ تُسْعِدُ الأطفالَ ما حملتْ يداه/لُعَباً وأثواباً وأنغاماً تَضِجُّ بها الشِّفاه
مصطفى جمال الدين
للعيد نكهة خاصة عند الأطفال فلايمكن أن تنسى تلك اللحظات الجميلة التي عشناها في الطفولة قبل العيد بفترة وأثنائه وبعده.. كانت كلمة العيد كفيلة بزرع الفرحة في قلوب جميع الأطفال عند سماعها، قبل قدومه بأيام معدودة، من منّا لم يكن يخطّط لما سيفعله في ذلك اليوم الجميل؟ وكان يحلم ويتخيّل كيف سيقضي الوقت مستغلّاً كلّ دقيقة فيه، وكلّ تلك اللحظات الجميلة تركت في داخلنا ذكريات لا تنسى.
قبل العيد بفترة طويلة نبدأ بانتظار هذا القادم العزيز ونبدأ بالتحضير لاستقباله مطلقين لخيالنا العنان في طريقة استقباله وهناك ثمة أشياء عالقة في أذهاننا هو. ظهور إشارة للعيد في السماء وهو عبارة عن هالة بيضاء وسط الغيم نطلق عليها (صاروخ العيد). وفي الواقع هو ليس إلا مسار لطائرة نفاثة في الجو.
من الأشياء التي تعلق في الذاكرة هو شراء ملابس العيد الأنيقة والجميلة والتي هكذا تبدو لدينا مهما كانت ونقوم بترتيبها ووضعها في المكان المخصص لها وأن لانلبسها مطلقا إلا بيوم العيد خشية زعل العيد علينا.
صباح اليوم الأول
نبدأ صباحنا مبكرا بالاغتسال ولبس الملابس المخصصة للعيد وانتظار دورنا في قبلات الوالدين واستلام العيدية حيث نقف في الدور وحسب أسبقية العمر. بطقوس كأنها تسلم نياشين عسكرية وهكذا ننطلق مع أقرباء الطفولة والأصدقاء ويسأل أحدنا الآخر كم نالك من العيد لحد هذه اللحظة وننطلق أولا للذهاب إلى المنطقة القريبة التي يعتليها النصب الشامخ لديلاب الهواء وبقربه المراجيح والتي هي عبارة عن حبل. في منتصفه منطقة مسطحة يلتف عليها طبقات من الأقمشة التي تحتضن مخدة من القطن ويتم تعليقة بعمودبن ويتم تحريكها للأعلى والأسفل. إن الأكثر إثارة في هذا الموضوع هو علامات السعادة الكبيرة التي تعتلي وجه الجالس في (الأرجوحة) وكأنه يعتلي مركبة فضائية.
نعود بعد تلك الرحلة وقد استنفذنا مانمتلكه من عيديات باتجاه البيوت التي تغص بالمهنئين وبعدها يتم تقديم وجبة الغداء التي تطال كل من أسعفه الحظ بالحضور متأخرا للسلام وعندها يصدح صوت المؤذن بصلاة الظهر، وتستمر جولاتنا المسائية بالتنقل بين البيوت ونحن نستمتع بشرب الشاي والكليچة الحلوى المميزة في هذا البوم.
هناك تقليد أساسي هو التقاط الصور الفوتوغرافية عند المصور في الأستوديو وكذلك في خارج ذلك المبنى الموشح بالصور القديمة والمصور هنا يحمل كاميرا ضخمة وعملية التحضير لها كأنها تصوير لفيلم عالمي والأكثر من ذلك أنه يضرب لنا موعدا لعدة أيام لاستلام تلك الصورة، ثم نهرع الى فراش النوم مبكرا في هذا اليوم بانتظار اليوم الثاني.
صباح اليوم الثاني يتم التركيز فيه على زيارة الأقارب الذين تفصلنا بينهم مسافات طويلة أو هكذا يخيل لنا ونضطر لمصاحبة الأهل في تلك الزيارات التي تكون عادة طويلة تتخللها وجبة غداء وعادة ماتكون مملة بالنسبة لنا لأنها تستنزف أوقاتا طويلة وتحد من حركتنا ونحن بأشد الحاجة للاستفادة من كل دقيقة تمر علينا ولا ندري لماذا يمر الوقت سريعا في تلك الأيام.
اليوم الثالث كان كالعادة يتم التهيئة لزيارة مدينة الألعاب المركزية أو الزوراء وحديقة الحيوان وكانت تبدو لنا احد المراسيم المؤكدة والمقدسة بالنسبة ولا يمكن المساس بها وكان ياخذنا الوالد (رحمه الله) متجاوزا جميع البروتوكولات لدى أهله وأصدقائه والمهنئين من أجل توفير الأوقات السعيدة التي نحلم بها من زمن طويل وكان يحرص على ان نزور حديقة الحيوان ويشرح لنا عادات وطباع كل حيوان وكأنه مرشدا سياحيا ومنها غرست لدينا بواكير حب عالم الحيوان. ولا ننسى أن نوثق ذلك بالصور التي لازالت بحوزتنا.
نعود مساء الى البيت. ونحن في غاية التعب الإجهاد لسببين المسافات الطويلة والجهود في تلك المنطقة مترامية الأطفال وكذلك بسبب انتهاء أوقات هذا الحلم الجميل.
نستلقي في الفراش ونحلم بالعيد القادم.
ترى كيف ستسرع الأيام بقدومه. وتمر الأيام مسرعة ولم نكن نعلم بأن السنيين القادمة كفيلة بأن تتغير الامور وتبدا بوصلة الشعور لدينا بالانحراف بعيدا عن براءة الطفولة وشغفها بالأشياء الجميلة رغم بساطتها.
لازالت قلوبنا تنبض كلما نظرنا في السماء إلى صاروخ العيد ودوران ديلاب الهواء