مقال

ثقافة الجهلاء

بقلم: خالد رمضان
يقول أبو العلاء المعري:
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا
تجاهلت حتى ظُن أني جاهل
فواعجبا كم يدعي الفضل ناقص
ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل
الثقافة نبراس الهداية، وسراج يوقد من شجرة مباركة، وشهاب لامعة تمحو ٱثار الظلمة فتنير الطريق لأصحاب العقول النيرة وأولي الألباب الثاقبة .
وكما يقول الدكتور الراحل طه حسين عن العلم والتعليم: التعليم كالماء والهواء، ويقول أيضا: ويل لطالب العلم إذا رضي عن نفسه .
إن العلم والثقافة ليست كتبا تقرأ ، ولا خطبا تردد، ولا مأثورات تحفظ فيتشدق بها الخطباء والفصحاء على المنابر الشاهقة، أو يتصدر بها الإعلاميون الشاشات الساطعة، إنما هي أفعال نافعة، وسلوكيات صائبة .
إنك لتحزن أشد الحزن حينما ترى إنسانا أفنى عمره غارقا بين الكتب لا يملها ولا تمله، سابحا في معارف شتى حتى يسمو وتسمو مكانته، فيحمل لقبا مميزا كالدكتور أوالمهندس أوالأستاذ وغيرها من الألقاب المحمودة، ولكنك تكاد تصدم حينما ترى أفعاله الغوغائية المتدنية، فتجده في معرض الهذل والدونية وقد خلع عباءة العلم والثقافة، وتجرد من كل ما يزينه، وانحط إلى ما يعيبه ويشينه فكأنه ما تعلم، ولا على درج الهدى والنور ارتقى وتقدم، فتغوص قوائمه في بحر الرذيلة متناسيا مبادئ القيم والفضيلة، فيكون قدوة سيئة لمن هم دونه علما وثقافة ، أو يكون كلوحة فنية رائعة ولكنها تلطخت بما يشوه منظرها البديع الخلاب.
فعلى سبيل المثال تعكس الأغاني والأشعار ثقافة الشعوب ومدى ارتقاء عقولهم فتجد مثلا انتشارا لأغاني هابطة تسري بين الناس سريان النار في الهشيم، وتجد لها رواجا صاخبا فيحفظها القاصي والداني، وهي في ذاتها لا تطرب أذنا ، ولا تقنع عقلا ، ولا تحرك شعورا، إنما الضجيج والصخب الرهيب، تلك ثقافة الجهلاء .
هذه هي الجهالة التي نتحدث عنها، فهي ليست جهلا، فالجهل ضد العلم ، إنما جهالتهم عن علم وثقافة ، وهي منسوبة للأفعال التي تحط من شأن صاحبها فتجده يتراقص على هذه الأغنيات، أو تسمع منه ألفاظا بذيئة يعف اللسان عن ذكرها، وتترفع الٱذان عن سماعها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذئ .
تلك ثقافة الجهلاء.. هؤلاء هم مدعو الثقافة وهي منهم براء فقد غلبت عليهم شقوتهم، واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله .
في الجيل الماضي كان الوضع مختلفا فقد كانت الثقافة بادية على كافة أفراد الشعب وكان هذا أمرا يبدو جليا فلا يحتاج إلى دليل أو تفصيل .
كانت سيدة الغناء أم كلثوم إذا أعلنت عن أغنية جديدة كانت هذه القصيدة تنشر في جريدة الأهرام حتى يتسنى للجمهور قراءتها ودراستها فيفهم حين يسمع ، ويطرب حين يشجن، وإذا تتبعتهم وشاهدتهم أمامها تجد الأدب وحسن الإصغاء والاستماع .
كان الجمهور مثقفا وقارئا وسامعا فانتشرت بين ظهرانيهم بواكير الأدب، وترعرع في بلادهم عظماء اللغة والأدب أمثال طه حسين، والعقاد، وأحمد شوقي ومصطفى صادق الرافعي والمنفلوطي وحافظ إبراهيم وأحمد رامي وغيرهم من خيرة المبدعين .
هذا في مجال الأدب، ناهيك عن الألحان والملحنين الموهوبين أمثال بليغ حمدى، والسنباطي، ومحمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وغيرهم من فطاحل التلحين والموسيقا.
الثقافة وعي وفهم وتطبيق، وسلوكيات تنم عن علم دفين .
نريد ثقافة مرئية مسموعة لا علوما محفوظة أو كلمات مأثورة تردد على ألسنة من لا يحسنون اقتنائها، ولا يجدرون بحملها وتطبيقها، فكأنها وميض برق يأخذ العين ثم لا يلبث أن ينتهي ولا يبقى له أثر .
ثقافتك لها رنين كرنين النغم، ولها شعاع كضوء القمر لا تنكره العين، ولا تسأمه الأذن، ثقافة مصبوغة بصبغة النور والهداية لا تنفك عن صاحبها ولا ينفك هو عنها، فلا يكون في واد وهي في واد ٱخر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى