سياسة

الاستثمار في المنحتين الإلهيتين!

الدكتور محد بن قاسم ناصر بوحجام
منح الله للمسلمين فرصتين ذهبيّتين لاسترجاع كرامتهم، ومقارعة الأعداء المتغطرسين، الذين يدّعون أنّهم الأقويّاء الذين لا يقهرون، والأسياد الذين لا يحقّ لغيرهم أن يعيشوا إلّا كما يريدون، وأنّ لهم الحقّ المطلق لتسيير العالم كما يخطّطون ويدبّرون.. وأنّ بقيّة سكّان المعمورة عبيدٌ لهم وخَدَمٌ، وما ينبغي لهم أن يمتلكوا أيّ سبب من أسباب السّيادة على مقدّراتهم وممتلكاتهم.. بل عليهم أن يقبعوا في دائرة الاستكانة والخضوع والتذّلّل، والتّحرّك بأوامرهم وتوجيهاتهم، وأن لا يفكّروا في امتلاك أيّ قوّة تجعلهم مستقلّين بأنفسهم وبأموالهم وإراداتهم وسياستهم واقتصادهم ودينهم وعاداتهم وتقاليدهم.. وغيرها من المقوّمات الخاصّة، التي تفكّ رباطهم بهم..يجب أن يعيشوا مقهورين خائفين مذعورين، وأن ينقلبوا خدمًا لكلّ ما يرفع من مستوى أعدائهم ويحطّ من أقدارهم..
جاءت الفرصتان الثّمينتان لِتُغيِّرَا من هذه الأوضاع، وتُبَدِّلَا في نمط التّعامل مع أولئك المستبدّين المجرمين في حقّ الإنسانيّة، إذ ساق الله الكريم الرّحيمهديّة طوفان الأقصى الذي منح المقاومين الفطنة والعبقريّةوالقدرة على تغيير صورة الصّهاينة في نفوسهم، وفي نفوس سكّان العالم كلّه، المتمثّلة في الكشف عن هشاشة شعب الله المختار، وضعف الجيش الذي لا يُقهَر، والقوّة التي لا تُكسَر.. فقدّم أبطال غزّة العزّة ملاحم ومعارك وعجائب.،قهرت العدوّ الصّهيوني، وكشفت عواره، وأظهرت ضعفه، وبيّنت زيفَ ادّعائه امتلاكَه البأس الشّديد والبطش الكبير، وأزاحت السّتار عن حقيقة شخصيّته الضّعيفة.. فتحوّل من دعوى شعب مختار إلى فضيحة نذلمحتار.. بعد أن لقّنه أبناء القرآن الكريم وحلقات العلم الرّصين دروسا في الشّجاعة والبطولة، وأبان له رجال العقيدة والإيمان قواعد العمل الـمُؤسَّس على تقوى من الله ورضوان، واليقين في عون الله ونصره، وأنّ قاعدة الصبر مع التّقوى هي مفتاح النّصر وقهر الأعداء…وإن تصبرُوا وتتّقِوا لا يضِركُم كَيدُهُمشيئًا إنّ اللهَ بما يعملون محيط(آل عمران/120)، (…وإِنتَصبِرُوا َوَتتّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِن عَزمِ الُامُورِ)(آل عمران/186)، وأنّ التّمسّك بالحق المغصوب والسّعي لاسترجاعه – بحول الله وقوّته – سبيلهما الجهاد وتحدّي كلّ العائقات ولثّبات في الميدان..
النّتيجة أنّ شخصيّة العدوّ تكسّرت، وشخصيّة أبطال المقاومة ارتفعت..وأصبح العدوّ يتلقّى الضّربات تلو الضّربات، ورجال غزّة يسيرون في منحى تصاعدي في الانتصارات والفتوح في تثبيت أنفسهم؛ قوّةً فعّالةً مرهبةً للعدوّ ومربكةً لكلّ مخطّطاته، وتنصيب الغاصبين كتلة هامدة من الضّعف والوهن.. والحمد لله حمدا كثيرا. فــــ (…كَمْ مِنْ فِئَةٍقَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًبِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَالصَّابِرينَ)(البقرة/ 249).
الفرصة الثّانية كانت مع الحرب الدّائرة بين إيران من جهة والكيان الصّهيوني وأمريكا من جهة ثانية.. هذه الحرب التي بدأها الصّهاينة بالتّنسيق مع أمريكا؛ بغية تأديب إيران وقهرها وإنهاء وجودها؛ قوّةً مُهدِّدة لبقاء العدوّين الحليفين المتواطئين في مأمن لتنفيذ مخطّطيهما للسّيطرة على العالم؛ بإقصاء كلّ من يقف في طريقهما، بأيّ وسيلة وطريقة وحجّة…
لكنّ السّحر انقلب على السّاحر، والمكر حاق بمن يظنّ أنه قاهر… فوجّه رجال إيران الأشاوس ضربات موجعة قاتلة مدمّرة للطّرفين..فأصيبا بالذّهول والجنون والوجوم، لِـما صارا إليه، إذ حدث لهم ما لم يفكّروا فيه ولم ينتظروه، بل اعتقدوا نقيضه، وعلّقوا آمالا كبيرة على ما يحدث لإيران من الانكسار والانهيار، فيخلو لهما الجوّ ليبيضا ويصفرا، ويعيثا في منطقة الشّرق الأوسط فسادا، ويضيفا ويضاعفا من أشكال قهرهم وسيطرتهم على ما تبقّى من مقدّرات المنطقة، ويواصلا الزّحف للسّيطرة على كلّ شيء وشبر ..وينفّذا مخطّطيهما الدّنئ الخطير للاستحواذ والقهر، بداية من الهيمنة على غزّة ثمّ بقيّة الأقطار العربيّة والإسلاميّة؛ لأنّ فرعون القرن الواحد والعشرين (البرتقالي الذي لا يُسَمَّى).. أراد أن يتبنّى شخصيّة فرعون موسى، بالأقوال والأفعال والممارسات التي أبداها سلفه الذي علّمه السّحر..:(أنا ربّكم الأعلى)، (ما علمتُ لكم من إله غيري)، (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي)، (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين)، (قال اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) وغيرها من الممارسات التي كان فيها تلميذا وفيّا ومخلصا وقويّا لـمن سلفه في الميدان ولنزغات الشّيطان.. في إحياء سيرته في القرن الواحد والعشرين..
لكن رجال إيران الأبطال قالوا كلمتهم، وأظهروا قوّتهم الكامنة، التي لم يحسب لها فرعون القرن الواحد والعشرين حسابًا دقيقًا، فانقلب على عقبيه خاسئا خائبا، وآوى إلى ركن الخزي والعار والخسران.. فغرق في بحر الإحراج والنّكوص، يبحث عن مخرج من هذه الورطة، والنّجاة من محاسبة شعبه وحلفائه له على مغامراته الجنونيّة السّاذجة.. هل يقول لهم: إنّي آمنت بفشلي وتهوّري وادّعاءاتي وغطرستي وأفعالي الدّنيئة… طالبا الصّفح والعفو منهم.. نتوقّع أن يكون الجواب منهم له.. الآن وقد ورّطتنا وبخست بنا أمام أعدائنا وأسقطت هيبتنا، وأفسدت مخطّطاتنا.. فاليوم لا ننجّيك لا ببدنك ولا بأيّ شيء يشفع لك.. لتكون لمن خلفك ولحلفائك آية..
هاتان الفرصتان الذّهبيّتان الثّمينتان:(طوفان الأقصى، والهجوم على إيران ونتائجهما الإيجابيّة) يجب التّأمّل فيهما بوعي وعمق وأناة واستخلاص العبر منهما.. من هذه العبر والدّروس:
1 -حمد الله وشكره على هاتين المنحتين، وما نتج عنهما من خير كثير للمسلمين لاسترجاع الثّقة بأنفسهم وإمكاناتهم..
2 -انهزام عدوّهم الذي فرض عليهم هيمنته وسيطرته، وزرع فيهم الرّعب والهلع وأجبرهم على الاستسلام لإرادته وأوامره وإملاءاته التي لاتنتهي..هذا العدوّ انهزم نفسيّا ومعنويّا، وفقد رهبته وضغطه عليهم.
3 -هذا الوضع الجديد هو من عند الله الواحد القهّار المهيمن الجبّار..، الذي يستوجب الرّجوع إليه وطاعته، بالتّقيّد بأوامره والابتعاد عن نواهيه..؛ شكرًا له، واستزادة من نعمه. وضمانا للسّير في الطّريق المستقيم الذي يَقِي من اتّباع السّبل التي تفرّق بهم عن سبيل الله القويم، وتلقي بهم في الضّلال والتّيه.. وليكون لهم عونا في التّغلّب على الأعداء.
4 – أبطال المقاومة في غزّة ورجالُ تأديبِأمريكا.. دخلوا المعارك المصيريّة بعد استعدادات قويّة؛ إيمانيًّا وعلميًّا وعسكريّا واستراتيجيّا وذهنيًّا ونفسيًّا.. فكان لهم ما أرادوا بتوفيق من الله وعونه وهديه.. فالله تبارك وتعالى يأمرنا للتّصدّي للأعداء بهذه القاعدة القويّة الصّلبة: وأَعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم…(الأنفال/ 60).
5 – الارتفاع عن الخلافات المذهبيّة، ونبذ التّعصّب المقيت بين المسلمين، والنّأي عن الصّدامات بين الإخوة المسلمين الأشقّاء.. وتوجيه القوّات نحو ما يدفع العدوان عليهم من غيرهم، ويرفع من طاقاتهم الماديّة والمعنويّة لبناء مجتمعاتهم بناء قويّا في كلّ مناحي الحياة ومتطلّبات الشّهود الحضاري.
6 – التّحلّي بالحذر واليقظة للكشف عن المؤامرات والمناورات التي تحاك ضدّهم في مختلف الأصعدة وبكلّ الوسائل والأساليب، وفضح الخونة والعملاء وطردهم من صفوفهم
7 – الوجود القويّ والحضور المؤثّر في كلّ الميادين والمجالات والمؤسّسات.. التي لها تأثير في إدارة الشّؤون وتنظيم سيرورة الحياة المختلفة؛ حتّى لايؤخذوا على غرّة، ولا يُخَطّط لهم، فيُسيَّروا بما يخدم مصالح أعدائهم، ويقصي حقوقهم وينهب ثرواتهم.
8 – رجال طوفان الأقصى وأبطال تأديب أمريكا طبّقوا مقولة الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله – فنجحوا في تصدّيهم للعدوان الصّهيوني والأمريكي. والتي سجّل فيها ما يأتي:” إنّ القويّ مهما تشامخ أنفه وتعاظم، فلا يكون ذلك منه إلّا أمام من يستصغر نفسه، ويرى أنّ له كيانا، وأنّ له حقّ الوجود، ويشعر بأنّ له كرامة يجب أن تصان، ومجدا يجب أن يحفظ، ومقاما يجب أن يراعى”.. فلتكن هذه النصيحة قاعدة العمل مع العدوّ . والنّصر بعد ذلك وقبله من عند الله العزيز الحكيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى