مقال

الزمن لا ينتظر أحدًا

د. نجاة الجشعمي | العراق

كانت صديقتي أقرب إليّ من نفسي، امرأة متزوجة، أم لطفلين، تعيش حياةً يملؤها الحب والرضا. كانت تؤمن أن الحياة كريمة إذا قررنا أن نعطي، وكانت كلماتها دائمًا تحمل دفئًا يضيء أيامي.

لكن القدر لا يرحم. في يومٍ عادي، وهي في طريقها لأخذ ابنتها من الروضة، اصطدمت بسيارة ورحلت عن الدنيا. رحيلها كان كطعنة في القلب، صدمة لا تُنسى لكل من عرفها، وأنا أولهم.

مرت السنوات، وكنت أحاول أن أبقى على صلة بزوجها وأطفالها، لكن مشاغل الحياة سرقتني منهم. وبعد ثلاث سنوات، في ليلة اشتياق موجعة، وجدت نفسي أقود سيارتي نحو المقابر. جلست أبكي بحرقة، أستعيد تفاصيل الحادث والصدمة، حتى أنني نسيت خوفي من المقابر ليلاً. وفجأة، شعرت بصوتها يحتضنني، يخبرني كم تشتاق لي ولحياتها ولزوجها وأطفالها. توسلت أن نتبادل الأدوار لليلة واحدة فقط؛ أن تعود هي للحياة، وتأخذ روحي مكانها.

قبلتُ، وأنا أعلم كم اشتاقت لصغارها. وما هي إلا لحظات حتى تجسدت أمامي بكامل جمالها، بثوب أبيض ناصع. قلت لها: “اذهبي، لا تضيعي الوقت، يوم واحد لن يكفيك.” فطارت كالفراشة، وبقيت أنا مكانها.

لكنها عادت سريعًا، تحمل على وجهها أذيال الحزن. جلست بجانبي على القبر، فسألتها: “لم عدت بهذه السرعة؟” قالت: “الخارج أصبح سامًا. ذهبت لأرى زوجي وأطفالي، فوجدته متزوجًا بامرأة أخرى، تنام في سريري وتطعم صغاري، وهو يغازلها ويقبلها. أطفالي كانوا منشغلين بدروسهم وهواتفهم، حتى أنهم لم يتذكروا ملامح وجهي. قلبي انطوى من الألم، ورأيت أن وجودي سيؤذيهم، فرحلت بصمت.

ذهبت بعدها إلى بيت أهلي، فوجدت أختي الصغرى أخذت غرفتي، وأخي وأختي الوسطى تزوجا، وأمي وأبي منشغلان بأحفادهم. كانوا في اجتماع لتوزيع إرث أبي، وما جرحني أن الكل كان يتشاجر على حصتي.
ثلاث سنوات غيرت كل شيء. الحياة مضت، والسفينة استمرت بالإبحار. الراحل يُذكر فقط في الأيام الأولى، ثم يُطوى ذكره. لذلك عدت إلى قبري، وقلت لك: خذي حياتك وأعطني قبري.”
ومنذ تلك الليلة، أدركت أن الموت ليس وحده الغياب؛ بل الغياب الحقيقي حين نترك أحبابنا في عزّ الحياة، نقطع صلتنا بهم، ونتركهم في وحدةٍ وغربةٍ قاسية، ثم نتذكرهم فقط عند القبور وفي مجالس العزاء.

لقد علّمتني أن الزمن لا ينتظر أحدًا، وأن العلاقات التي نهملها ونحن أحياء قد تصبح ندمًا لا يُصلح عند الموت. فلتكن عبرة لكل من يبتعد عن أحبته: اقتربوا منهم الآن، قبل أن يصبح اللقاء الوحيد أمام قبرٍ صامت لا يجيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى