استمع واقرأ: ثمانية في سوء الطالع

شعر : ريما سلمان حسين حمزة
شاعرة من سوريا
تنويه
هَذِهِ الْمَقَاطِعُ لَا تُمَثِّلُنِي فِي ظَاهِرِ الْهُوِيَّةِ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ تَجَلِّيَاتِ الْخَيَالِ وَسَكَرَاتِ اللُّغَةِ. فَالشَّاعِرُ، سَوَاءٌ أَكَانَ امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا، لَا يَكْتُبُ مِنْ ذَاتِهِ، بَلْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِوَصْفِهِ رَسُولًا لِمَا خَفِيَ مِنَ الْوَجْدِ، وَسَفِيرًا لِمَا اسْتَتَرَ مِنَ الشُّعُورِ. وَفِي هَذِهِ الْوَمَضَاتِ، تَجَرَّدْتُ مِنِ اسْمِي، وَلَبِسْتُ مَصَائِرَ الْآخَرِينَ كَمَا يُلْبَسُ السَّنَدُ فِي حَضْرَةِ الْكَشْفِ، وَاسْتَعَرْتُ أَوْجَاعًا لَا تَخُصُّنِي كَيْ أُودِعَهَا فِي لُغَةٍ تَتَنَفَّسُ مِنَ الْغَيْبِ، وَتُخْرِجُ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ إِلَى فَجْرِ الْكَلَامِ.
وِلَادَةٌ
خَرَجْتُ مِنْ رَحِمٍ يَئِنُّ بِالْأَسْمَاءِ الْمَكْسُورَةِ
صَفَّقَتِ الْقَابِلَةُ طَوِيلًا طَوِيلًا
لَمْ يَبْكِ أَحَدٌ
كَانَتِ النُّجُومُ تَتَثَاءَبُ
وَالْفَلَكِيُّ صَامِتًا
حِينَ فُتِحَ الْكَوْكَبُ عَلَى اسْمِي
كَانَ الْقَدَرُ يَرْتَدِي قَمِيصًا دَاخِلِيًّا مَقْلُوبًا
الشَّبَهُ
كُنْتُ أُشْبِهُ أَبِي
وَهُوَ يَهْرُبُ مِنَ الْحَرْبِ
أُشْبِهُ
أُمِّي وَهِيَ تُخْفِي خَوْفَهَا تَحْتَ الْوِسَادَةِ
كُنْتُ مِرْآةً مَشْرُوخَةً
فِي بَيْتٍ لَا يُحِبُّ الصُّوَرَ
أَوَّلُ حُبٍّ
عِنْدَمَا عَشِقْتُ
كَانَتِ السَّاعَةُ تُشِيرُ إِلَى انْقِطَاعِ الْمَاءِ
وَالرَّادْيُو يُبَثُّ خَبَرَ اغْتِيَالِ مَدِينَةٍ
أَهْدَيْتُ الْمَدِينَةَ وَرْدَةً
لَكِنَّهَا كَانَتْ تُعَانِي مِنْ حَسَاسِيَّةِ التَّارِيخِ
الطَّرِيقُ
مَشَيْتُ فِي الدَّرْبِ الْمُعَاكِسِ لِلسَّاعِي بِالْبُشْرَى
صَافَحَنِي أَعْمَى وَقَالَ:
ظِلُّكِ ثَقِيلٌ
وَحِينَ حَاوَلْتُ أَنْ أَسْتَدِلَّ
سَقَطْتُ فِي خَرِيطَةٍ مَرْسُومَةٍ بِالْفَحْمِ
كِتَابَةٌ
كَتَبْتُ أَوَّلَ حُرُوفِي بِمِدَادٍ مُسْتَخْلَصٍ مِنْ صَلَاةٍ مَنْسِيَّةٍ
لَمَّا قَرَأَتْهَا الْأَوْرَاقُ
أَغْمَضَتْ سُطُورُهَا كَيْ لَا تُصَابَ بِالْعَدْوَى
كَانَتِ الْكَلِمَةُ تَنْزِلُ عَلَيَّ
كَمَا تَنْزِلُ النُّبُوءَاتُ الْعَرْجَاءُ
تَطْرُقُ الْبَابَ
ثُمَّ تَمْضِي إِلَى غَيْرِي
لُقْمَةُ الْبَقَاءِ
يَرْفَعُ يَدَهُ بِالرَّغِيفِ الْأَخِيرِ نَحْوَ فَمٍ جَائِعٍ
تَخْطَفُهُ عَاصِفَةٌ بَغْتَةً
يَلْتَفِتُ لِيَجِدَهُ بَيْنَ أَنْيَابِ كَلْبٍ شَارِدٍ
وَرْدَةُ الْمِيعَادِ
يَزْرَعُ وَرْدَةً عِنْدَ عَتَبَةِ حَبِيبَتِهِ تَنْتَظِرُ الْفَجْرَ لِتَتَفَتَّحَ
يَمُرُّ جُثْمَانُهَا عِنْدَ الْفَجْرِ عَلَى أَكْتَافِ الرِّجَالِ
تُزْهِرُ الْوَرْدَةُ خَلْفَ النَّعْشِ
نَغْمَةُ الْخَلَاصِ
يَعْزِفُ سَجِينٌ نَغْمَةً سِرِّيَّةً عَلَى جِدَارِ الزَّنْزَانَةِ
يَسْمَعُهَا سَجِينٌ جَدِيدٌ فَيَفْرَحُ: لَقَدْ فَهِمَ الرَّمْزَ
كَانَ السَّجَّانُ هُوَ مَنْ عَزَفَهَا
تَأْوِيلُ مَا قَدْ سَبَقَ
كَأَنَّنِي لَمْ أَكْتُبْ
فِي ثَمَانِي عَوَاصِفَ
كُنْتُ الشَّاهِدَ
عَلَى جَرِيمَةٍ
لَا ضَحَايَا لَهَا…
كُلُّ الَّذِينَ سَقَطُوا
كَانُوا أَنَا.



