أدب

من أنتَ؟ من أنتِ؟

قصة قصيرة

 تامر محمد عزت | القاهرة 

عام 1989
رن الهاتف الأرضي برنين متواصل لم ينقطع، أجاب جون على الهاتف ليسمع صوت ناعم من الطرف الآخر ويسأل: من أنت؟ أجاب جون وسأل نفس السؤال: من أنتِ؟ تلقى الإجابة بحماس : مارلين.
فترات انقطاع في المكالمة، تشويش، وسرعان ما لبث أن عاد الصوت مرة أخرى من قِبل مارلين: من أين أنت؟ ، عاد الصمت سيد الموقف، يبدوا أن هناك خلل ما في شبكة الاتصالات، ولكن جون حرص على الرد، وأخبرها أنه من ولاية بعيدة عن ولايتها والذي عرف منها اسم الولاية التي تسكن فيها، كيف حدث الاتصال من الأساس؟، أوضحت مارلين انها تعاني من الفراغ والوحشه وجربت أن تلعب في الهاتف و تتصل بأي رقم عشوائي، وهو أخبرها أنه سعيد بهذا الاتصال العشوائي، فهو يعاني من الوحدة أيضا، ما بين الصمت والحديث كان الاتصال الأول الذي دام ساعتين.

اتفقا على الاتصال في نفس التوقيت، كل يوم يزداد عدد ساعات الكلام بينهما، عرف أنها مُطلقة بدون أطفال وأنها لم تكن راضية عن العلاقة، ولكنه حدث على أي حال، وانتهت بالانفصال، الاب متوفي، الام في عالم موازي، كانت تعمل مصممة ديكور، تلعب على الجيتار، وهي الآن في هدنة مع النفس، تعيد ترتيب أوراق حياتها التي تبعثرت.

أخبرها جون أنه خرج من علاقة فاشلة بعد أن اتضح أنه عشوائي كما أخبرته حبيبته السابقة، أنت في حالة يُرثى لها، غرفته المبعثرة، بيته الغير نظيف، عدم الاهتمام بمظهره، هو بوهيمي يعيش اللحظة والعبثية، استخلص من العلاقة أن النساء أكثر عقلا من الرجال الذي تحكمهم الشهوات، لا يعمل، كان يعمل في مكتب استيراد وتصدير ولكنه فشل فيه.
فترات صمت كثيرة وكلام أكثر على مر الأيام والأسابيع، اعتاد كل منهما على وجود الآخر في حياته.
متى نلتقي؟
بشرط. أجابت مارلين
وافق جون على الشرط.

وقفت مارلين أمام غرفة 303 في الفندق المتفق عليه للقاء، ومعها صندوق الجيتار، طرقت على الباب 3 دقات كما هو متفق عليه وسرعان ما نفذ كلاهما الشرط، فُتح الباب وكان جون قد وضع عصابة رابطا عينيه، وهي كذلك فعلت نفس الشيء، أمسك بيدها وسحبها الى الداخل بهدوء، ظلت تسير ببطء خشية الاصطدام وسرعان ما قفزت فوق سرير الغرفة وأخبرها حان الوقت لخلع العصابة، رفعتها وضحكت، كيف فكرت في تلك الفكرة؟ مذهل ! أجاب جون وهو بجوار السرير وبينها ستار، شاهدتها في إحدى الأفلام العربية القديمة، حيث السيدات كن يجلسن وراء حجاب، ستار من القماش ويتحدثون إلى الرجال، بدون أن يرى أحدهما الآخر.

تكلم كل منهما كثيرا عن السفر، وحجز الفندق، ومرت ساعة من بعد الواحدة ظهرا وطلبت الجيتار، وقامت بغناء عدة أغاني لعدد من الفرق الموسيقية المختلفة حتى سمعت طرقات الباب ، اخبرها جون أنه الغداء، وبالفعل قاما معصوبي الأعين، وعلى الطاولة تناولا غدائهما في بطء ، انتهيا من شرب النبيذ الخفيف ودعاها للقيام برقصة رومانسية هادئة على أنغام موسيقى شاعرية، استجابت مارلين وبعد دقائق كانا قد غرقا في قبلة طويلة لم تنتهي إلا عندما ذابا سويا وكل منهما مغمض العينين.

وبعد؟ سأل جون

صمتت مارلين.
هل نضع عصابة العينين أرضا؟ سأل جون
صمتت مارلين
وصمت جون
إذن سأعد من واحد إلى ثلاثة، إذا كنت قد وثقت بي، فارفعي الظلام لترى النور، وأنا كذلك… بعد الثالثة
واحد
اثنان
ثلاثة
لم يرفع أحد منهما العصابة، كانت الصمت ثقيل، وتلاشت الابتسامات ووجلت القلوب.
في هدوء.. سحبت مارلين صندوق الجيتار وبمساعدة جون وصلت إلى الباب وغادرت.. وقفت والباب خلفها، ووقف جون والباب في ظهره ورفع كل منهما عصابة العين وألقوه أرضا.

ركبت المصعد ونزلت إلى الطابق الأرضي، وعندما وصلت، ترددت قليلا،وسرعان ما ضغطت الزر مرة أخرى لتصعد، ركضت إلى الغرفة وطرقت الباب بطرقات مضطربة ومسرعة، لم يفتح جون الباب. فهمت واستدارت تجر ذيل الخيبة وعادت إلى المصعد وهبطت مرة أخرى، وسارت في بهو الفندق إلى الخارج في انتظار التاكسي لينقلها إلى موقف القطار للعودة إلى بيتها.

أثناء هبوطها في المرة الأولى … كان جون يركض خلفها ، واصل ضغط زر المصعد بلا فائدة، ركض إلى السلالم، في نفس توقيت هبوطه إلى الدور الأرضي، كانت مارلين تصعد، وقف ينظر يمينا ويسارا، خرج من الفندق، على يمينه وجد فتاة معها صندوق جيتار، حسبها هي، ابتسم في فرح وهم أن يركض ويحتضنها، ولكنها كانت تنتظر حبيبها، وفهم أنه مخطيء ، عاد إلى الفندق مرة أخرى وصعد من خلال السلالم ببطء والحزن يثقل كاهله، في نفس اللحظة كانت تخرج مارلين من الفندق وركبت التاكسي، جلست في المقعد الخلفي وانعكس على وجهها غروب الشمس، كانت تبتسم في خفوت، في نفس التوقيت وقف جون في قلب الغربة يمسحها بعينيه أن كانت هناك منذ دقائق سعادته التي غربت مع الشمس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى