فكر

الدراما الرمضانية المصرية بين مصطلح الجريمة والعقاب

إيغال في القتل والخيانة والمخدرات واستحلال الحرام وتسويغه للمجتمع

د. طارق حامد

 فنّ يُشكّل الوعي أم يُشوّهه؟
تحتل الدراما الرمضانية المصرية مكانةً ثقافيةً واجتماعيةً فريدةً، حيث تُعتبر موسمًا ترفيهيًّا واجتماعيًّا ينتظره الملايين في العالم العربي. إلا أن هذه المكانة تحمل معها مسؤوليةً جسيمةً في تشكيل الوعي الجمعي، خاصةً في ظل التركيز المتزايد على مواضيع مثيرة للجدل كالجريمة بجميع أشكالها، من القتل إلى الخيانة الزوجية، مرورًا بتجارة المخدرات ونهب الآثار، مع غيابٍ ملحوظٍ للعقاب الأخلاقي أو الديني. هذه الظاهرة تطرح تساؤلاتٍ حول دور الفنّ في تسويغ الحرام وتشويه صورة المجتمع، مقابل إهمال قيم الآخرة والحساب التي تُعدّ ركائز في الثقافة الإسلامية.

هوس الدراما بالجرائم وتفاصيلها الدامية
باتت أغلب الأعمال الدرامية الرمضانية تُبنى على حبكاتٍ تعجّ بالعنف والانحرافات الأخلاقية، كأنها تتبارى في تقديم أكثر القصص إثارةً بغض النظر عن رسالتها. فنجد مسلسلاتٍ تُفصّل عمليات القتل بدم بارد، أو تُعظّم من شخصيات تجّار المخدرات، أو تروّج لمغامراتٍ تعتمد على سرقة الآثار وبيعها، وكأنها مغامرات بطولية! بل إن بعضها يختزل العلاقات الزوجية في خياناتٍ متكررةٍ تُقدّم كـ “صراعات إنسانية” دون إبراز عواقبها الأخلاقية. هنا، تتحول الجريمة من فعلٍ استثنائيٍ إلى حدثٍ عاديٍ، بل ومُبرَّرٍ أحيانًا عبر حبكةٍ دراميةٍ تُظهر المجرم كـ “ضحية ظروف”.

تسويغ الحرام… بين الدراما والواقع
لا تقتصر المشكلة على تصوير الجريمة، بل تتعداها إلى تبريرها عبر سياقاتٍ اجتماعيةٍ أو نفسيةٍ. فالشخصية التي تبيع المخدرات تُصوَّر كـ “بطلٍ” يُطعم أسرته الفقيرة، والخائن زوجيًّا يُقدّم كـ “عاشقٍ” ضحى من أجل حبه! هذا التسويغ يُرسّخ فكرةً خطيرةً: أن الغاية تبرر الوسيلة، حتى لو كانت الوسيلة حرامًا. والأخطر هو غياب مفهوم الحساب الأخروي؛ فالشخصيات نادرًا ما تواجه عواقب أفعالها في الدنيا أو تُذكّر بالآخرة، مما يُضعف ارتباط المشاهد بفكرة الثواب والعقاب الإلهي، وهي فكرةٌ جوهريّةٌ في الإسلام.

تشويه الصورة… محليًّا وعالميًّا
لا يُقتصر تأثير هذه الدراما على تشويه القيم الداخلية فحسب، بل تمتد إلى صورة المجتمع المصري ذاته. فالعالم الخارجي الذي يتابع هذه الأعمال قد يصدّق أن مصر مجتمعٌ يعجّ بالمافيات والفوضى الأخلاقية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وتنوعًا. حتى المحليًّا، قد يبدأ الشباب في تقبّل هذه الصورة المشوّهة كـ “مرآةٍ” لمجتمعهم، فيفقدون الثقة بمؤسساته أو يُقللون من شأن القيم الأصيلة.

غياب العقاب… دراميًّا وواقعيًّا!
المفارقة أن هذه الأعمال، رغم إيغالها في الجريمة، تهمل عادةً عنصر العقاب الدنيوي، ناهيك عن الأخروي. المجرم يهرب من العدالة، أو يموت ميتةً “بطولية”، أو يُكافأ بثروةٍ وسلطة! هذا النمط يُرسّل رسالةً ضمنيةً بأن الجريمة قد تُجدي نفعًا، وهو ما يتناقض مع مبدأ “جزاء الإحسان الإحسان” في الإسلام. أما العقاب الحقيقي، بحسب النقاد، فيكمن في تعويد المشاهد على التطبيع مع الرذيلة، مما يُفقده حساسيته الأخلاقية ويُضعف رقابته الذاتية.

الدراما الرمضانية المصرية:

  • تشريح أعمق لجذور الأزمة وتداعياتها على الهوية الإسلامية
  • التطبيع الاجتماعي مع الرذيلة… من التشويق إلى التدمير الخلقي
    لم تعد الدراما تكتفي بتصوير الجريمة، بل تعمل على *تأطيرها* ضمن سياقاتٍ تروّج لـ*التطبيع الاجتماعي* مع الأفعال المنحرفة. فمشاهد الخيانة الزوجية، على سبيل المثال، تُقدّم كـ”تمردٍ على الروتين الزوجي” أو “بحثٍ عن الإثارة”، دون إبراز تداعياتها على تماسك الأسرة، التي تُعتبر لَبِنةَ المجتمع الأولى في الإسلام. هذا التسويق الدرامي للرذائل يُذيب الحدود بين الحلال والحرام، عبر تأثيث المشهد بموسيقى مثيرةٍ وديكورات فاخرةٍ تُضفي على الفعل المُحرَّم طابعًا جماليًّا، مما يُضعف الحاجز النفسي لدى المشاهد تجاه الانحراف.

الاستلاب الثقافي… حين تصبح الدراما أداةً لطمس الهوية
في ظل العولمة الثقافية، تُحوّل الدراما الرمضانية المجتمعَ المصري إلى *مسخٍ ثقافي*، يتبنى قيمًا مُستوردةً تتعارض مع الثوابت الإسلامية. فشخصية تاجر المخدرات التي ترتدي أحدث الأزياء وتقود سيارات فارهةً تُصوّر النجاح المادي كـمعيار وحيد للتفوق، متجاهلةً قيم الكدح الحلال والتقوى. هذا الاستلاب لا يقتصر على القيم، بل يمتد إلى الهوية، حيث تُستبدل العبارات الدينية (كـ”إن شاء الله” أو “الحمد لله”) بلغةٍ ماديةٍ جافةٍ، كأنما الدراما تُعيد صياغة الوعي الجمعي بعيدًا عن مرجعيته الدينية.

اقتصاديات الإثارة… كيف يتحوّل رمضان إلى سوقٍ للخطيئة؟
التركيز على الجرائم في الدراما ليس بريئًا، بل هو نتاج معادلة ربحيةٍ قائمةٍ على الإثارة. فوفقًا لدراساتٍ في سيكولوجية الإعلام، تَجذب المشاهداتُ العنيفةُ أو المثيرةُ جمهورًا أوسع، مما يرفع نسبة المشاهدات والإعلانات. هنا، تتحوّل القيم الأخلاقية إلى سلعةٍ قابلةٍ للتضحية بها في سبيل الرأسمالية الدرامية. بل إن بعض المنتجين يتبنون سياسةً مُتعمدةً لاستفزاز الرقابة، حيث تزيد الضجة الإعلامية من شهرة العمل، حتى لو كانت على حساب السمعة الأخلاقية للمجتمع.

غياب البديل الإسلامي… الفراغ الذي يملؤه الشيطان
لا يُمكن تحميل الدراما وحدها المسؤولية، فغياب الأعمال التي تطرح النموذج الإسلامي بجاذبيةٍ دراميةٍ يُعمّق الأزمة. فبينما تُظهر المسلسلات الغربية بطلاتٍ محجباتٍ في سياقاتٍ مُعاصرةٍ (كما في بعض الأعمال التركية والسورية )، تفتقد الساحة المصرية لأعمالٍ تُجسّد قيمَ الصبر، الوفاء والجهاد في سبيل الله بطريقةٍ عصريةٍ. هذا الفراغ يُسهّل على الدراما الهابطة أن تحتكر الساحة، وتُروّج لـثقافة الاستهلاك والفردانية بدلًا من ثقافة الجماعة المُتماسكة التي يُؤكد عليها الإسلام.

التأثيرات النفسية… من الترفيه إلى التدمير الذاتي
لا يقتصر الضرر على الجانب الأخلاقي، بل يمتد إلى الصحة النفسية للمجتمع. فتكرار مشاهد العنف يُسبّب التعوّد المرضي (Desensitization)، حيث يفقد المشاهد قدرته على الاستياء الأخلاقي. أما مشاهد الخيانة الزوجية، فتشعل القلق الوجودي لدى الأزواج، وتزرع بذور الشك في العلاقات. حتى الشباب، الذين تُعدّهم الدراما بـ”أن النجاح لا يأتي إلا بالحرام”، قد ينخرطون في سلوكياتٍ مُنحرفةٍ بحثًا عن النموذج البطولي المزيف الذي رأوه على الشاشة.

الخطاب الديني المفقود… أين دور العلماء والمؤسسات؟
في المقابل، يبدو الخطاب الديني التقليدي عاجزًا عن مواكبة هذه التحديات. فبينما تُغرِق الدراما الجمهورَ بخطابٍ ماديٍ جذّاب، يقف الخطاب الإسلامي عند حدود الوعظ المباشر الذي لا يُلامس واقع الشباب المعقّد. لو وظّفت المؤسسات الدينية فناني الدراما في إنتاج أعمالٍ تُقدّم التوبةكـ”بطولة حقيقية”، أو الجهاد في العمل كـ”مغامرة يومية”، لربما استعادت التوازن. لكن انفصال الخطابين (الدرامي والديني) يُعمّق الهوّة، ويجعل الشباب يعيشون في ازدواجيةٍ قيميةٍ خانقة.
هل آن الأوان لدراما تُعيد التوازن؟
الدراما ليست مجرد تسليةٍ، بل أداةٌ لتشكيل الوعي. ولئن كانت تعكس الواقع أحيانًا، فإن عليها أيضًا أن تُقدّم نموذجًا يُلهِم نحو الأفضل. لا يُطلب من الفنّ أن يكون وعظًا مباشرًا، لكن من العدل أن يوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية الاجتماعية. فلن تُصلح الجريمةَ جريمةٌ أفظعَ منها، ولن تُعيد المجتمع إلى قيمه دراما تُحوّل الحرام إلى “أمرٍ واقعٍ”
حان الوقت لنتاجاتٍ دراميةٍ تخلط بين التشويق وعدم التنازل عن المبادئ، وتذكر بأن لله تعالى حسابًا ينتظر الجميع، مهما بلغت براعة الإخراج أو النجومية.

بهذا، تكون الدراما الرمضانية قد تحوّلت من نافذةٍ ثقافيةٍ إلى سيفٍ ذي حدين: حدٌّ يُسلّيه، وحدٌّ يجرح قيمه. فليختر صنّاعها أي حدٍّ يُقدّمونه لأمةٍ تئنّ تحت وطأة التحديات الأخلاقية .

هل مِن مخرجٍ تحت سقف الإبداع المسؤول؟
الدراما الرمضانية ليست شرًّا مطلقًا، بل هي مرآةٌ – وإن مشوّهةٌ – لواقعٍ يحتاج إلى علاجٍ جذري. المخرج يكمُن في تفعيل ثلاثية التغيير:
1. *صنّاع الدراما*: تبني ميثاق شرفٍ يمنع التطبيع مع الجريمة، ويُعيد الاعتبار لـ”الثوابت الأخلاقية” كشرطٍ للإنتاج.
2. *المؤسسات الدينية*: تطوير خطابٍ إسلاميٍ دراميٍ ينافس بجودةٍ عاليةٍ، مستفيدًا من التقنيات الحديثة في الجذب البصري.
3. *الجمهور*: رفع الوعي النقدي عبر حملاتٍ تُعليم كيفية “مشاهدة ناقدة”، تُميّز بين الفنّ الهادف والهادم.

ربما تكون المعركة طويلة، لكن استعادة الهوية الإسلامية في الدراما ليست ترفًا، بل ضرورةٌ لبقاء المجتمع ككيانٍ أخلاقيٍ يُحافظ على “خيرية الأمة” التي وصفها الرسول ﷺ. فكما قال الإمام الغزالي: “مَن أَهملَ التَّربيةَ أَفسَدَ الأَجيالَ”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى