بصمة الكاتب ووصمة الكتابة

علي جبار عطية| رئيس تحرير جريدة أوروك
تطورت أساليب التحقق من الشخصية بفضل الثورة التكنولوجية الكبرى فبعد أن كانت بصمة الإبهام كاشفةً عن الشخصية دخلت بصمة العين بقوةٍ إلى حياتنا بوصفها ميزةً ينفرد بها كل إنسان، ولكنَّ الدهشة لم تقف عند هذا الحد فقد قرأتُ خلاصة بحث يتناول خصوصية (البصمة اللونية) أي أنَّ لكل إنسان على كوكب الأرض بصمةً لونيةً خاصةً به، وإنْ صُنفت الشعوب حسب ألوانها !
بل أنَّ لكل شخص (بصمة زفير) ينفرد بها عن غيره أي أنَّ الإنسان حين يتنفس الأوكسجين في عملية الشهيق، ويطرح ثاني أوكسيد الكاربون فإنَّ الشهيق يحمل بصمته التي لا يشترك فيها معه أحد، وتبارك الله أحسن الخالقين !!
وفي علم الإجرام هناك بصمة للمجرم أي أنَّ لكل مجرم طريقةً معينةً يحرص على اتباعها كنوع من إثبات شخصيته الإجرامية، وبفضل هذه البصمة أمكن التعرف على أنواع المجرمين، والغريب أنَّ كلمة بصمة كانت حتى نهاية السبعينيات تحمل دلالات لمعنى الأمية حتى انتشرت لافتات تدعو إلى محو الأمية الأبجدية، وخطت عليها عبارة (لن أبصمَ أبداً )!
ولفتت انتباهي لافتة مطبوعة على جدار في أحد الشوارع الرئيسة ببغداد خطت عليها عبارة (سيبقى الثامن من شباط بصمة عار في جبين البعث) والظاهر أنَّ الذي كتبها (بصمة) لا يعرف الفرق بينها وبين كلمة (وصمة) التي تعني في اللغة العيب والعار ، وأصلها من العلامة التي يوصم بها العبيد في نظام الرق!
لقد استطاع عالم الوراثة البريطاني أليك جيفريز جون أستاذ علم الوراثة في جامعة لستر سنة ١٩٨٤ تطوير تقنيات (البصمة الوراثية) (DNA) التي تستخدم الآن في جميع أنحاء العالم لمساعدة أجهزة الشرطة ،وكذلك لتشخيص ضحايا الحوادث وهي تستخدم الاختلافات في الشفرة الجينية للتعرف على الأفراد من بقايا الحمض النووي الذي يتركونه وراءهم، سواءً من اللعاب أو الدماء أو الشعر، أو (ماء الحياة).
لكنَّ أحدث اكتشاف هو (البصمة الوراثية البيئية) لعينات الحمض النووي البيئي، وهي تلك الآثار التي يتم جمعها من مجموعة متنوعة من العينات البيئية كالتربة ومياه البحر والثلج أو حتى الهواء فالحمض النووي البشري منتشر في كل مكان يوجد فيه الإنسان، على الأرض وعلى الشاطىء، بل حتى في الهواء، وهكذا يمكن العثور على علامات الحياة البشرية في كل مكان تقريباً.
وبعد ثورة الذكاء الاصطناعي من المتوقع أن تظهر بصمات قادمة تميط اللثام عن بعض أسرار الوجود الذي يبقى حافلاً بالأعاجيب والغرائب.
أما في الأدب فيمكن القول : إنَّ لكل كاتب حقيقي بصمةً خاصةً به لذا قال الأديب الفرنسي بوفون: (الأسلوب هو الرجل) لكنَّ هذه البصمة قد تتحول إلى وصمةٍ حين تقرأ مادةً لكاتب تفتقد كتابته إلى الموضوع المهم والجدة والحيوية والترابط، ويتناول مسائل هامشية وغير مهمة، ولا تمس قضايا المجتمع بشيء كأنَّه يعيش في كوكب آخر مما يكشف عن جانب من شخصيته الإشكالية أو (الإشكالوية) حسب تعبير الكاتب خضير ميري !
هل يمكن افتعال بصمة الكاتب ؟
الجواب: لا؛ لأنَّها ليست وليدة الساعة وإنَّما هي نتيجة إرث ثقافي،وتجارب، وخبرات حياتية،والأهم من ذلك التعليم والتدريب والتطوير، لذا يمكن القول: إنَّ التبشير بالكتابة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي فيها مبالغات كثيرة لافتقاد هذا النوع من الكتابة إلى الشعور الإنساني والأصالة، ولا ندري ماذا يخبىء لنا المستقبل من اكتشافات تعالج هذه المسألة، وتضع البديل الأقرب للصدق الأدبي.