حرب العكوب

د. أحمد رفيق عوض | رئيس مركز القدس للدراسات المستقبلية – جامعة القدس – فلسطين

كان المستوطن بيرتس جلعاد، الذي تجاوز الستين من عمره، يتحدث بطلاقة وحرقة مدّعاة عن ضرورة ملاحقة قاطفي العكوب من المواطنين الفلسطينيين، وقد بلغ به التأثر أن اتهم الصحفي الإسرائيلي الذي يحاوره أنه أب غير متزن لأنه قال إن أبناءه لا يعرفون شيئاً عن هذا ” الشوك”.

المستوطن الذي شغل في الماضي وظيفة مراقب في سلطة الطبيعة الإسرائيلية، والمتطوع حالياً فيما يسمى بحرس الحدود، مشغول إلى أذنيه بمطاردة الأطفال الذين يقطفون العكوب من سفوح الجبال في محافظة الخليل وبطون وديانها.

يدعي هذا المستوطن أن ذلك اعتداء على الطبيعة وأن هؤلاء الأطفال هم جزء من تجارة تقوم على استغلال الطبيعة والتربح منها، وذهب المستوطن بعيداً بالقول إن قطف العكوب وقتل الغزلان سواء بسواء، ولهذا فهو يعتبر مطاردته واعتقاله لهم حرباً عادلة، لأن الطبيعة لها قوانينها.

وبلغ منسوب العنصرية والعمى غايته عندما قال هذا المستوطن: إن الخطر الكبير الذي يشكله قطف العكوب يلحق أكبر الأذى والضرر لأنه يأتي “على حساب أولادنا الذين لن يعرفوا الزعتر والعكوب”

هكذا تشدق هذا المستوطن مبرراً حمايته للعكوب من أصابع الأطفال الفلسطينيين الطرية، الباحثين عن وجبة مجانية تجود بها أرضهم الطيبة حسب تقاليد لا يعرف أحد عمرها بالضبط. فالفلسطيني ومنذ أيامه الأولى على هذه الأرض كان مطبخه جزءاً من حقله، وكانت أعشاب أرضه غذاءه ودواءه في ذات الوقت.

بيرتس جلعاد، ليس فرداً بالتأكيد؛ بل هو عقلية منسجمة وتعبر عن حالة نعيشها يومياً، فهو يعتقد أنه يحمي الطبيعة ويحمي نبتة العكوب والزعتر والغزلان البرية (لأن الطبيعة لها حساباتها) كما يقول، وإن المعتدي في هذه الحالة هو الفلسطيني، الذي يمارس حرباً لا هوادة فيها ضد كنوز الطبيعة ويتربح منها بوجه غير ذي حق.

منطق بيرتس منطق المحتلين والعنصريين الذين يعتقدون أنهم الأحق والأجدر والأكثر احساساً بالجمال والفن، وإنهم هم الذين يدركون أهمية بقاء العكوب لأجيالهم القادمة، وكأنهم هم الأوصياء على سلالات العكوب والزعتر.

نحن أمام منطق احتلالي بالغ الرداءة والعنصرية، منطق لا يعيش حتى ولا كان قوياً ومسيطراً.. منطق من عالم آخر وزمن آخر، إذ لا يمكن لهذا المستوطن أن يحمي العكوب والزعتر وهو ينسف الجبال نسفاً من أجل بناء المستوطنات، ولا يمكن أن يحمي الطبيعة وهو يسممها بالمخلفات الصلبة والسائلة، ولا يمكن أن يدعي حماية الطبيعة بينما يقوم بطرد أهلها ومنعهم من التواصل والتآلف معها.

ولا يمكن له أن يدعي أنه يريد أن يحمي الزعتر والعكوب من أجل اجياله القادمة في حين أن أجيال الفلسطينيين الحالية كما السابقة تعتبره جزءاً من رزقها وتاريخها.

الفلسطيني يعرف العكوب جيداً، يعرف أين ومتى يظهر، ويعرفه طبقاً شهياً باللبن أو مقلياً بالزيت أو مسلوقاً. وهو بهذا لا يعتبر أنه اعتدى على أحد أو انتهك ملكية أحد، يعرف الفلسطيني جيداً أنه عندما يقطف العكوب إنما يمارس عملاً تعوَّد عليه منذ زمن لا يعرفه إلا الله. ويعرف الفلسطيني إن منعه من قطف العكوب أو الشومر أو الزعتر أو الميرمية إنما هي حرب عليه وعلى مكانه وعلى أعشابه، تماماً كما هي الحرب على حياته ومنزله وفضائه.

وإذا راجعنا قصص التاريخ المضحكة، فسنجد أن كثيراً من المحتلين فرضوا قوانين تثير السخرية حقاً، وقد ذهب احتلالهم وذهبت قوانينهم ولم يبق في الوادي سوى السخرية والرثاء حقاً، فضلاً عن الحجارة طبعاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى