المرأة وحداثة التنوير

د. بو علي الغزيوي | المغرب

اللوحة للفنان الأمريكي: كريستيان شوسيل

مع إعلان حقوق الإنسان من طرف الأمم المتحدة، تحولت الحرية إلى عقيدة وحياة وسلوك كلياني ومنهج تربوي وتعليمي، وبرزت المرأة كمجتمع ديمقراطي يناقح عن قيم الأسروية والفردانية، والإيمان بالتقدم البشري، الذي لايزال يرزح تحت سطوة الرجل لذا التقيت بإحدى المهاجرات إلى ديار المهجر، فقالت بأنها هاجرت من أجل الإحساس بالحرية، فهذه الجهة أثارت في نفسي الحيرة والشك، وتساءلت لماذا قالت؟ وهل وجدت الحرية التي تبحث عنها؟ وهل الحرية عندها شرط وجودي لذاتها؟ أم هي ضرورة فرضتها الظروف والحاجة، أسئلة كثيرة تنثال على انتقال أحلام المجرمين، لأنني لا أستطيع الإجابة، لذا يبقى السؤال يطاردني كلما اقتربت من الكتابة حول هذا الموضوع، لأن الحرية هي ضمير العالم، وبهذه الصفة انتقلت المرأة من إطار الحجر والوصاية إلى مقام الرسالة الفكرية التي نادت بها، وهذا يعني أن الإيمان بالحرية هو دليل وجودي وحياتي، ومنبع الإلهام، في القرب هكذا تقول السيدة المحترمة، لكن قد يكون لهذا الطرح معارضة أو الانغماس في الآخر، ولهذا وقفت أتأمل كل هذه القضايا التي طرحت من فم السيدة المحترمة، باحثا في جيوب التاريخ عن أبطال هذا الدليل، ولكن لم أجد سوى صورة الذكورية التي لازالت معششة في المتخيل العربي سواء على المستوى السياسي أو الأسري أو المدرسي، أو العملي…  فالرجل العربي يعتبر نفسه سيد نفسه، وسيد العالم، فهو الضابط الأمين للأسرة والمجتمع، والخالق للتعاليم الوضعية المتبعة، فيرى أن هذه القاعدة تبقى كمجموعة من الأفكار التقليدوية أمام هذه الأسئلة الحاضرة والمستخلصة من الغرب رغم نزعتها الأنثوية، لذا حاولت هذه المرأة أن تكسر هذا العبادة الذكورة برؤية واعية تبدأ بالمشاركة اللاواعية، مرورا بالمشاركة الأسروية، والمهنية، والسياسية وأخيرا العلمية دون أن تختتم دورها، إنها خادمة الفرد والجماعة، وهي التي تحافظ على النظام من أجل تأمين النمو التربوي الخلقي والفكري الصادق، فهي المدرسة الحية، والمخبرية كما يرى جون كيوي.

إن هذه السيدة المحترمة تعايشت مع روح التنوير الكوني، مما جعلها تخلخل تلك القواعد التي ورثتها أثناء وجودها في المنطقة العربية، وهذا ضرب لفحولة ومنهجية الرجل العربي، وتشكيك في تعلميته، لذا أعلنت موت الماضي، وسقوط كل الأقنعة، لأن النتيجة المستخلصة تمت تحت جدار التنوع والحداثة، وما بعد الحداثة، وهذا قياس منطقي، لأن الحداثة العربية كما يرى محمد بنيس حداثة معطوبة مرتبطة بالتعقيد والتداخل المعجمي، والتحقيبي، فالأمر إذن يتعلق بالذهنية المرتبطة بالبطولة، والسرد، والهيمنة، بالصيرورة التي تدعو إلى المراجعة، والقطائع، فالرجل مثل المرأة لا فرق بينها، إلا جسديا، أما على مستوى الذكاء فهي أكثر ذكاءا وحفظا، وصبرا.

فالحرية التي أكتب عنها لا ترتبط بالمفاهيم الفلسفية، ولا بالمذاهب الوقعية، بل هي نتيجة الاحتكاك مع المهاجرين الذين يرون أن الغرب هو الفردوس المفقود فكل واحد يحلم أن يكون في هذه التربة النقية، ولكن عندما تراهم لا زالوا قطرين، رغم انغماسهم الحضاري والاجتماعي، فيبقى الفرق كما أرى بين المهاجر العامل، والمهاجر الطالب الباحث، حيث نرى أن الأول لا يملك إلا جسده، ويعمل طيلة ردح من الزمن، وعندما يعجز عن العمل يغوص، بالعامل الآخر.

إذن أصبح شيئا في يد الإمبريالية الرجعية، حيث يباع ويشترى طبقا لقوانين سوق الاستهلاك، أما الطالب فهو لا يسير على نفس الوثيرة، التي سلكها العامل، بل ينخرط في السلك البحث العلمي فيحس إحساسا شديدا بالمساواة، والاحترام نتيجة عقله وفكره، لذا نرى العديد من الطلبة يهاجرون إلى الغرب، وأسيا نظرا لضعف الإمكانيات للاهتمام بالبحث العلمي.

إذن فالمرأة العربية لازالت مرتبطة بالرجل، نظرا لعقليته المختلفة، …………. الصامدة، دون حوار أو تنازل يذكر، ويرى أن المرأة خلقت لخدمته وخدمة الأسرة، وتلبية حاجاته البيولوجية ولم يطرح مسألة التربية والتعليم إلا مع طه حسين، وقاسم أمين وغيرهم من المفكرين، حيث نادت هذه النخبة المفكرة بالتغيير من داخل التربية العربية دون سقوط في شرك التقليد والعرف، جاعلة الوحدة الروحية والفكرية الراسخة هي الصلاح في تربية فكرية جديدة، وتأسيس أخلاق الحرية والمسؤولية والتفكير الحر مدخل إلى التنوير – عثمان أشقر، ص: 122 – فالثورة ضد التبعية والهيمنة الذكورية جعلت المرأة تبوح بأسرارها أمام هذا الوجود الأصم، لكي تكون عنصرا فعالا في عملية التأريخ المركب، وأن تحمل وعيا جماعيا يعد هو العنصر الجوهري المتناسق مع المشروعية الحداثية، فالمرأة اليوم الجيل كله، تتسلح بالمعرفة وبالقياس، ولا تخضع لوجود الفرد الذكوري إلا وفق منطقها ومزاجها، لذا أتذكر دوما ما قالته السيدة المحترمة أن الحرية هي إحساس لا تشترى، فأنا جئت إلى هنا لأجل حيرتي التي لم أجدها في أسرتي ولا وطني.

فالمرأة إذن  تحتل موقعا رمزيا ضمن نظام المراتب الطبقية، والعلاقات المتشابكة هذه، باعتبارها الفعل الوجودي الذي مارسته على الرجل بعد نضوج الحياة الاجتماعية، لأن هدفها هو التحرر من هذه القيود التي أملاها الرجل العربي طيلة عقود خلت، فلم تعد مرتبطة بهذه القواعد الجهنمية الغير الحياتية، بل ثارت على نفسها، ومحيطها لكي تقول ها أنا ذا، وأنا صانع نفسي بنفسي دون وصاية غيرية، ودون وعي ولا إرشاد، فهي قادرة على تسيير المقاولة، والطائرة والباخرة، وأن تكون جندية، وقائدة ربان، ومعلمة، وربة بيت، هكذا تعيش صيرورة الانتقال الديمغرافي التي متحته بوقفاتها، وباحتياجاتها، لا أن تبقى أسيرة الأوامر والنواهي كما عشناها مع الأمهات والأجداد.

إن اغتيال الأب، هو تجسيد لعبقرية المرأة، وفحولتها لأنها استطاعت أن تتمرد عن العشيرة والقبيلة، وأن تقف أمام الأوامر من زيوس، ولا أبولون، تقول وتقول حجرا أن أكون لو نظرت إلى الماضي، فأنا هنا غير ذاتي أنسج كينونتي، وأشيد سعادتي، لا حاجتي لآخر لكي يشفق عني، فأنا إنسانة، حية، واعية …… فكري، وأحس كما يحس الرجل، ولماذا هذه التفرقة، والتعجب منا نحن النساء، والأديان تؤكد على احترامنا، وكذا المواثيق الدولية تنادي بالعدل، والحرية فلماذا الانصياع والرضوخ لأصنام، إذن ما هذه التماثيل التي صنعتموها أنتم وأباءكم، …… لما صنعتموه، فالمرأة لم تولد لإنجاب فقط، أو الانصياع لكم، إذن لكم ما صنعتم، ولنا ما سنصنع، لكم عقولكم، ولنا عقول، فلماذا هذه المتعة المسيجة، إذن آن الآوان أن تخرج المرأة البدوية والقروية والحضرية لتعلن أن اليوم هو يوم المرأة القادرة على كتابة التاريخ الجديد، وليس التفتيش في جيوب الماضي، لأن الكتابة الشفوية والتدوينة قادرة على رسم صورة المرأة على جنين كل متعطرس ومتسلط، فلا يمكن لهذه المرأة الموجودة ما وراء الصور أن تستغل إعلاميا، ولا سياسيا، ولا مهنيا، ولا محليا، ولا جهويا، فهي ترجمان القيم الجديدة وأداة الدمج الفردي والاجتماعي، فهي التي تهدم وتبني هذا الرجل وتجعل أداة من أدوات الرقابة الاجتماعية، فلم تعد مهمتها “الدار” و”الإنجاب” والمتعة، بل اندمجت في منظومات تقنية، إنسانية وقيادة أجهزة التواصل العالمي، وتبدو ميزة هذا التصور الأنثوي في البلدان الغربية – محتشمة لأنها لازالت تبحث عن نقطة التفجر القصوى للمنظومة، لذا نطالب من السينمائيين والمسرحيين، والمخرجين، والفنانين بعدم استغلال المرأة جنسيا، ولا إعلاميا، وقد سمعنا ورأينا شكاوى كثيرة من هذا أو ذاك، لذا إذا أردنا أن تسير الأمة العربية سيرا حداثيا تنويرا ينبغي الاهتمام بالمرأة، فهي العمود الفقري لكل شعب أو مجتمع لا ننتظر من الغرب الامبريالي لكي …………. علينا قواعده ومبادئه من أجل الاهتمام بالمرأة العربية! فإذا عدنا إلى أنفسنا فإننا واجدون أن المرأة هي سيدة العالم، فبواسطتها تسير العجلة الأسرية، والمجتمعية، فهي القادرة على الابتكار والتجديد بشرط الإبداع والإلهام، هكذا وجدت أمن وهي تصوغ العالم كما يحلو لها، دون أن تنتظر طلوع الأب، فهي المناضلة والمثاقفة، حاربت ضد كل معتد آثم، وكل جبار متسلط كانت تحمل صخرة سيزيف  طيلة حياتها وهي تحس بالسعادة.

ومهما يكن من أمر  فإن المرأة العربية والغربية، لم تعش الحرية إلا في نهاية الثمانينات، فولجت عدة مناصب، وفتحت عدة أبواب تاركة وراءها السجن والعذاب المصطنع من طرف العنصر الذموري، لذا لوحت بكل هذه القيود إلى الوراء، رافعة شعار “نحن قادرون على مواكبة الحضارة المعاصرة، رغم كيد الرجال وحقد الفقهاء وحراس الجهد المقدس إنها بطاقة رمزية لإعلان حقوق المرأة في كل زمان ومكان، وتبا لهذه الأيام الكوفيدية التي جعلتم يلوكون أطياف الذكريات ويستشرفون نحو أفاق مجهول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى