شعراء عشقوا غاية الموت: نماذج من الشعر العربي (1/6)

بقلم : سعيد بو خليط

   جميل بن معمر/ بثينة 

أورد الجاحظ في إحدى صفحات كتابه”الرسائل الأدبية”،مايلي :”لم نسمع بعاشق قتله حبُّ غلام.ونحن نعدُّ من الشعراء خاصة الإسلاميين جماعة،منهم جميل بن معمر قتله حبّ بثينة، وكثير قتله حبّ عزة،وعروة قتله حبّ عفراء،ومجنون بن عامر هيَّمته ليلى،وقيس بن ذريح قتلته لبنى،وعبيد الله بن عجلان قتلته هند،والغمر بن ضرار قتلته جمل.هؤلاء من أحصينا ولم نذكر أكثر”(1).

إنها أشهر النماذج الغرامية الخالدة التي بلورتها أنتروبولوجيا الثقافة العربية،بجانب التي أرستها باقي الثقافات الإنسانية الأخرى :روميو وجولييت، كيلوباترة ومارك أنتوني، أبولو ودافني، باريس وهيلين، بيراموس وثيسبي، شاه جيهان وممتاز محل،ماري وبيير كوري، الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت، بيتهوفن وتيريزا مالفاتي…

 طبعا،تظل هذه الأمثلة الست،التي حصرها الجاحظ،مجرد نماذج جلية وعلنية تمكن المؤرخون في نهاية المطاف من توثيقها بهذا الخصوص،نظرا لذيوع صيت أطرافها،وتميزهم الجمالي على مستوى سبر أغوار أحاسيسهم والإنصات الشفاف لأصواتهم العميقة جدا، ثم التعبير عن ذلك بلغة الشعر السرمدية،فأبقت تلك الوقائع الشخصية لامتناهية ضمن صيرورة الزمان،وأخرجتها من إطارها الذاتي الخالص كي تأخذ بعدا كونيا،يتأبد ويترسخ؛مابقي الكون والناس والحب والحياة والجمال…

قوم إذا أحبوا ماتوا :

صُنِّف جميل بن معمر بكونه شاعر العشق من الدرجة الأولى،وبامتياز رائد شعر الغزل العذري،نسبة إلى قبيلة عُذرة؛ وادي القرى،التي تميز أفرادها برقة ودماثة فتساموا بروافد حب عفيف؛متجرد عن تلك النوازع العابرة.لذلك،وصفوا بكونهم إذا عشقوا وأغرموا، فقد اختاروا لامحالة مصير الموت التراجيدي،نتيجة إخفاقهم فيما يتعلق بتحقيق تطلعاتهم الغرامية.

هكذا،قيل ذات يوم في حق شباب هذه القبيلة،إنهم”قوم إذا أحبُّوا ماتوا”،جملة وردت على لسان شخص،عندما سُئل عن هويته وانتمائه،حينها صاحت جارية،بعد سماعها لهذا الجواب : ”عُذْري وربّ الكعبة”.

سبب تفسير سر هذا الهوى الذي ينتهي بصاحبه إلى المكابدة والموت حزنا،فقد جاء التأويل أيضا وفق ذات سياق أفق الجواب الأول،من خلال تأكيد أحدهم بأنهم يرون عيونا لايراها غير أهل قبيلة بن عذرة، مما يدل على مستوى الحضور الخُلُقي الذي ميز نساءهم.

أما أخلاقيا أو إيتيقيا ،فحينما ينشغل فؤاد رجل لديهم بعشق امرأة،كان يبادر إلى التغزل بها،وذكر اسمها في أشعاره،حتى إذا ذاع الخبر أسرع وجهة أهلها قصد خطبتها والزواج بها.هنا يكمن لبّ المشكلة،بحيث جرت الأعراف غالبا على أن يبدي والد الحبيبة رفضه التام،نظرا لانكشاف سر ابنته شعريا،بالتالي تداول الألسن لاسمها. في المقابل،يعقد قرانها ،درءا للفضيحة ومحوا للعار،بأول رجل يتقدم لطلبها.

في خضم هذه المحددات المجتمعية،اختمرت وتبلورت إحدى أكبر وأشهر قصص العشق خلال فترة العصر الأموي،تلك التي نسج خيوطها الرفيعة جميل بن معمر وبثينة بنت خبأ.

نشأ جميل بن معمر وسط البيئة الحجازية لقبيلة قضاعة أو بني عذرة،اتصف بوسامته وحسن مظهره وطول قامته.شخص عذب القول،جمع بين قرض الشعر وروايته  بحيث كان راويا لهُدية بن خشرم.اعتبره شعراء الغزل إمام المحبين،بل بوأه ابن سلام الجمحي صاحب الطبقات،مكان الريادة في هذا المجال على حساب باقي الشعراء.

ربما،اختزل المقطعان التاليان، نوعية مزاج ونفسية شاعر متيَّم من عيِّنة جميل:

يقولون جاهدْ، ياجميلُ، بغزوة

وأيّ جهاد غيرهن أريد

لكل حديث عندهنَّ بشاشة

وكل قتيل بينهنَّ شهيد

أما عن حيثيات أسباب لقائهما الأول،فقد قصد جميل ذات يوم بإبله واديا:”يقال له بغيض، فاضجع وأرسل إبله.ثم أقبلت بثينة وجارة لها واردتين الماء.فقامت بثينة بتنفير إبل جميل، فسبها وهي إذ ذاك صبية صغيرة،فافترت عليه وسبته فملح إليه سبابها رآه مختلفا، سلس الحروف، عذب المعاني يستحيل في الأذن شدوا ويحل في النفس أهلا وكاد يوشك كلما توقفت أن يسألها المزيد ليزداد طربا. أما بثينة فلم تكن على علم بكل مايختمر في صدر جميل من عواطف، لذلك حسبت سكوته نصرا لها، تتوج به عاصفة الشتم التي أمطرته بها.ولما قفلت عائدة فحزن وأحس بأن الحياة كلها قد أقبلت بإقبالها وأدبرت بإدبارها.وأحبها من يومها وقال في ذلك واصفا بداية حبه لها :

وأول ماقاد المودَّة بيننا

بوادي بغيضٍ يابثين سبابُ

قلت لها قولا فجاءت بمثله

لكل كلام يابثين جواب”(2)

سباب وشتائم،أضحى مفعولها شرارة جمرة حب توقدت وازدادت اشتعالا،ولم ينطفئ وهجها سوى برحيل صاحبيها توجعا وتحسرا،بل صارت عنوانا لقصة غرام متفردة جدا باتت معروفة باسم مَزْجي جميل- بثينة،تعبيرا عن الذوبان الزوجي داخل بوتقة ذات واحدة،من شدة جاذبية الصبابة والهوى.

انطلق تغزل جميل بحبيبته،ثم استفحلت المأساة لما توجه إلى أهلها لخطبتها،غير أن والدها رفض،والسبب كما أشرت سابقا،الامتثال لنفس سلطة العرف السائد،الذي ينص على حظر ذكر العاشق لاسم معشوقته والجهر باسمها،والأكثر إيلاما ووجعا ربط مصير بثينة برجل آخر لاتحبه بل ولاتعرفه.

غير أن جميل رفض الاستسلام رفضا تاما،ولم يكتف فقط بتحديه قرار الرفض،بل سارع إلى اللقاء بها خلسة وغفلة،عن أنظار المتلصصين من أفراد أهلها،مادامت حبيبته تشكل جوهره وماهيته،اللذين يسموان عن أيّ ذرة اختزال ومساومة أو تنازل،بل تجسد بثينة حقيقة الحقائق :

هي البدر حسنا والنساء كواكب

وشتان مابين الكواكب والبدر

لقد فضِّلت بثنُّ على الناس مثل ما

على ألف شهر فضِّلت ليلة القدر

لما سمعت بثينة هذه الأبيات،أقسمت بالله أن لايأتيها جميل للقائها إلا وتجاوزت رقابة أعين محيطها وخرجت لاستقباله والجلوس معه،فكان يأتيها في لحظات عن غفلة من الرجال فيتحدث معها،حتى علم زوجها بأمرهما:” فشكاه أهلها للسلطان الذي أهدر دمه فصار جميل يصعد بالليل إلى أكمة رمل يتنسم الريح ويقول :

أيا ريح الشمال أما تريْني

أهيم و إنني بادي النُحول

هبِي لي نسمة من ريح بُثْنٍ

و مُنِّي بالهبوب على جميل

وقولي يا بثينة حسب نفسي

قليلُكِ أو أقل من القليل”(3)

توعد أهل بثينة شاعرنا جميل بن معمر،ومنعوه من الالتقاء ثانية بفتاتهم،مما اضطره إلى هجوهم،فاضطروا نحو الإبلاغ عن أمره إلى مروان بن الحكم،وقد كان آنذاك عامل المدينة، فتوعد جميلا بقطع لسانه،إن عاد لقوله غزلا في بثينة : ”فهرب إلى اليمن وأقام بها فترة حتى عزل ذلك الولي عنهم فعاد يبحث عن بثينة كما يبحث الصوت عن صداه والإنسان عن ظله والجرح عن ألمه وقال جميل :

ألا مَنْ لقلبٍ لايملُّ فيذهل

أفِقْ فالتعزي عن بثينة أجمل

سلا كل ذي ودّ علمتُ مكانه

وأنت بها حتى الممات موكل

فما هكذا أحببتَ من كان قبلها

ولا هكذا فيما مضى كنتَ تفعل

فيا قلب دع ذكرى بثينة إنها

وإن كنتَ تهواها تضنُّ وتبخل”(4)

اجتر جميل وكابد مرارة البعد والفراق غاية وفاته في مصر،وقد ترك تراثا شعريا،شغل موضوعه تماما اغتيال عشقه إلى بثينة من لدن محيطهما،بحيث استمر وفاؤه المطلق إلى غرامه الأول والأخير،غاية وفاته.

حينما علمت بثينة بخبر رحيل حبيبها،تأوهت حنجرتها راثية فقيدها العزيز بالبيتين التاليين :

إن سلويَ عن جميل لساعةٍ

من الدهر ماحانت ولاحان حينها

سواء علينا ياجميل بن معمر

إذا متَّ بإساء الحياة ولينها

وقد أخذت : ”على نفسها أن لاتكتحل بإثمد ولاتفرق رأسها ولاتلبس خمارا مصبوغا أبدا.وصدف أن دخلت على عبد الملك بن مروان فقال لها :”ويحك يابثينة ما رجا منك جميل حتى قال فيك ما قال”.فقالت :”الذي رجت منك الأمة حين ولتك أمورها”.فما رد عليها عبد الملك كلمة.وتوفيت بعد جميل بزمن قليل”(5).

هوامش:

(1)عثمان عمرو بن بحر الجاحظ :الرسائل الأدبية.العلم والمعرفة للنشر والتوزيع. 2017،ص 106   -105

(2) كارين صادر ومن الحب ماقتل شعراء ماتوا عشقا.رياض الريس للكتب والنشر.1995ص 160 .

(3) نفسه ص 166

(4) نفسه ص 167

(5) نفسه ص 171

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى