واقع اللجوء والتشرد الفلسطيني في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس» غسان كنفاني

بقلم: أ. روان أحمد شقورة

كتب غسان روايته (رجال في الشمس) بشكل رمزي؛ خوفاً مِن المحاسبة السياسية لكل قلم حر مناصر للبؤساء، فأراد أنْ يبرز واقع اللجوء والتشرد المعاش الفلسطيني بعد النكبة من خلال شخصياته الرئيسة المترابطة مع أحداثه بشكل رصين، ف(أبي قيس) المعيل الذي فقد أرضه، هجر بلاده بحثاً عن لقمة العيش لجسد ضائع مشرد في لجوء، و(مروان) الذي هجر؛ بحثاً عن العمل لإعالة أسرته وسنده أمام عواصف الحياة، و(سعد) الذي هاجر رغبةً للبحث عن الحرية وذاته النازفة دماً لفكره ووجوده، و(أبي خيزران) المخصي المُهرب للأشخاص على الحدود العراقية والكويتية.

مِن هذه الشخصيات المضارعة لكل شخصية لاجئ في الوجود تشكلت وانطلقت الأحداث، فيصور الواقع المرير في بداية نكبة الأرض، ثم فقد الهوية، ثم بأرقام مسجلة في مدونات وكالة الأمم…فما أصعب أن تصبح مجهول الهوية، شارداً متخبطاً بحثاً عن ذاتك و جسدك وروحك وإنسانيتك، يهرب بحثاً في منفي يحتضنه، ولكن في نهاية برز الإشكال والسؤال عند كل قارئ، حيث ماتوا خنقاً؛ لعبث أصدقاء ومعارف أبي الخيزران، ونتيجة ظروف طبيعية لحرارة مشتعلة، وكأن الجو يُعاند قدرهم للأمل في الحياة، وبصره لمستقبل يحتضن ما تبقى مِن إنسانيتهم، ولكن أبي خيزران بقى جامداً عالقاً في فكره متسائلاً: لماذا لم يدقوا الباب؟

 

حيث صدق القارئ أكذوبته في حكاية: لماذا لم يصرخوا ويطالبوا ويناشدوا بحقوقهم الشرعية في الصراخ على هذا الحر الخانق ؟ لماذا لم يحاربوا بقواهم الروحية الجسدية للخلاص من الفناء للهوية؟

ولكن نسوا بأن هؤلاء صرخوا وناشدوا الحياة مراراّ، فقد حاربوا منذ أزلهم عن الأرض، وعن الهوية حتى رمقهم الأخير، ولكن تواطؤ الأعداء، الذين هم يفوق كيانهم قوة وشراً، فوقع اللاجئ كبش فداء، عصفور ذبيح بين أشلاء بحيرة دماء من أهل وأصدقاء وأحباب، لكن قد جهل سمع أبي خيزران صراخهم من أجل مناشدة الحياة، وبقى ساذجاً: لماذا لم يدقوا الباب ويناشدوا الحياة؟

والأدهى من ذلك بقاء القارئ وكثير من النقاد الوقوف بسذاجة على هذه المقولة، فلم يعلموا برسالة الرواية، حيث صور اللجوء وأسبابه وما حل بعده، وكيف طالبوا اللاجئين بحقوقهم، بوسائلهم وبشتى قواهم، ولكن بقى أبو خيزران والعالم بأسره يجمد فكره ويتجاهل الصراخ الداخلي والخارجي الغير مسموع لآذانهم، ووقوف على القشور اللفظ: لماذا لم يدقوا الباب؟

فغسان الكاتب اللاجئ نجح في رصده للواقع ونقده، يريد القول أن النكبة قيامة جهنمية على الأرض، ولكن الأدهى هو المكوث في نار التشرد واللجوء، وكأنها نبوءة من كاتب سياسي لاذع، فقد تلا النكبة سلخ للهوية والجذور والتراب والجسد والروح والإنسانية، وما زالنا نكوى ونتلطي في حطب قيامة نكبة جهنم…

ولكن لم تصل رسالته؛ لسذاجة أو لتغافل القارئ عن المضمون والرمز والبقاء عالقين على اللفظ وشخصية الخيزران المخصي من الهوية، حيث تساءل عن مطالبتهم للحياة ومطالبتهم بإنشاد صراخ شرعي لوجودهم وهويتهم، وهنا يظهر وتتجلي نقطة التساؤل: كيف لإنسان مخصي يفقد هويته الجنسية، يتساءل عن مطالبتهم وإنشاد الحياة والدفاع عن الهوية؟

فكأنّها نبوءة من الكاتب الفذ وبصيرته لما سيحل للواقع الفلسطيني المعاش بعد زمن، حيث تساءل العالم المخصي من الإنسانية والعدل بأسره سؤال الخيزران المخصي من الهوية والعقل، لماذا لم يطالبوا ويناشدون بحقهم إن كان شرعهم ؟ فنسوا ما ناشدنا به ونحن مجرد عصافير هشة أمام ثعالب ومخالب حيوانية تحفر السموم وتزيل الغرس؛ لتلقح بذور غير البذور الحقيقية!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى