رياضة

منتخب سيدات المغرب ..من السخرية للمجد

سطر تاريخا للعرب في كأس العالم

شيرين ابو خيشة | القاهرة
إن تاريخ المملكة المغربية الضارب في عمق التاريخ، يزخر بنماذج كثيرة، للمرأة المغربية المتفوقة والرائدة في مجالات عديدة، منها مجال الرياضة، وهو ما جعل منتخب المغرب لكرة القدم للسيدات، يسطر كتابة التاريخ بأحرف من ذهب، خلال مشاركته في كأس العالم للسيدات المقامة في أستراليا ونيوزيلاندا، وكرست لاعبات المنتخب المغربي لكرة القدم شعورا بالاعتزاز وطنيا وعربيا ونجحن في خطف قلوب الجماهير العربية، وإذكاء شغف الجماهير، رغم انهزامهن أمام نظيراتهن الفرنسيات ضمن منافسات ثمن نهائي كأس العالم للسيدات على ملعب «هيندمارش» في أدليد بأستراليات، بنتيجة 4 أهداف دون مقابل، وفاجأت “سيدات الأطلس” الجميع بتأهلهن إلى الدور السادس عشر على حساب ألمانيا بطلة العالم مرتين، وذلك في مشاركة هي الأولى لمنتخب عربي في النهائيات، بل بات أول منتخب أفريقي في التاريخ يفوز بمباراتين متتاليتين في بطولة كأس العالم للسيدات التي انطلقت نسختها الأولى في عام 1991.
ودعت سيدات منتخب المغرب كأس العالم للسيدات نسخة 2023، بعد الخسارة المدوية على يد منتخب فرنسا، في إطار منافسات دور الـ16 من البطولة العالمية، ولكن نجحنا في تقديم العديد من الدورس، أولها هو النهوض سريعاً من الهزيمة، ليست الهزيمة فقط، بل الهزيمة بنتيجة قاسية في أول مباراة للمنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم، ظهرت رفيقات غزلان الشباك بوجه شاحب للغاية أمام رفيقات أليكساندرا بوب، وانهزمن أمام “الماكينات” الألمانية بستة أهداف لصفر.
وقد تعرضت لاعبات المنتخب المغربي لحملة سخرية واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كانت السخرية من الهزائم أمراً عادياً لدى الجمهور المغربي بشكل خاص والجماهير العربية بشكل عام، فلطالما تعرضت منتخبات الرجال في القطر العربي لسخرية كبيرة، بعد تحقيق نتائج هزيلة في كؤوس إفريقيا واسيا أو تصفيات المونديال، لكن السخرية من الهزيمة أمام ألمانيا انقلبت إلى تنمر في كثير من الحالات، خصوصاً دعوة اللاعبات إلى العودة إلى المطبخ والقول إنهن لن يبرعن سوى في أشغال البيت.
وانتشرت صور أخرى تقول إن النساء المغربيات يمكن أن ينهزمن في أي شيء إلا دعاوى الإنفاق أمام المحاكم، غير أن هذه الصور السلبية بدأت تتبدد عندما استيقظ عدد من المغاربة على خبر فوز المنتخب أمام كوريا الجنوبية 1-0، جرت المباراة في الساعة الخامسة والنصف صباحا بتوقيت المغرب يوم الأحد قبل الماضي، وبحكم فارق التوقيت لم تحفل بمتابعة كبيرة، تحسن منتخب المغرب كثيراً في تلك المباراة، خصوصاً على المستوى الدفاعي، وظهر الدفاع صلباً ومغايراً تماما لما كان عليه أمام الألمانيات، كما تشجع كثيراً على مستوى الهجوم وخلق عدة فرص.
انتشرت التهاني في مواقع التواصل، لكن هزيمة ألمانيا أمام كولومبيا 1-2 أعادت الشك مرة أخرى، بحكم أن المنتخب المغربي لم يعد يملك مصيره بأقدام لاعباته، وبات يحتاج الفوز في مباراته الأخيرة أمام كولومبيا، وانتظار تعثر الماكينات الألمانية، تمسك المنتخب المغربي بالأمل في المباراة الأخيرة، ودخلت اللاعبات بنية الفوز، وأجرى المدرب تغييراً واحداً بعودة أنيسة لحماري، كادت سيدات المغرب يسجلن الهدف الأول في أول دقيقة، وضغطن كثيراً على مرمى الكولومبيات، وقبل نهاية الشوط الأول، حصلت سيدات المغرب على ضربة جزاء، أضاعتها غزلان الشباك لكن أنيسة لحماري كانت موجودة لإدخال الكرة إلى المرمى.
ومرة أخرى تبينت صلابة المنتخب المغربي في الدفاع، ومحا تماماً الصورة السلبية التي ظهر عليها في المباراة الأولى، بل تحولت الحارسة خديجة الرميشي إلى إحدى نجمات اللقاء، وصدت هدفين محققين للكولومبيات، عكس ما كانت عليه أمام الألمانيات، انتهت مباراة المغرب وكولومبيا، لكن اللاعبات بقين في ساحة الملعب يتابعن من هاتف جوال مباراة ألمانيا وكوريا الجنوبية، إذ امتدت هذه المباراة لما يصل لـ 17 دقيقة مضافة بسبب توقفات عديدة أثناء المباراة، كثفت الألمانيات من ضغطهن وسنحت لهن محاولة في آخر الدقائق من كرة سددتها اللاعبة لوهمان، مرت بجوار القائم، لتكون آخر محاولة خطيرة ولم تشكل الدقائق بعدها أي خطورة، لتعلن الحكمة نهاية المباراة وتنطلق أفراح المغربيات، بتحقيق إنجاز جديد للكرة العربية في بطولة العالم في أول ظهور لهم.
السخرية تتحول لمجد لدي المغاربة، ليخصص الجمهور المغربي استقبالا حافلا للمنتخب الوطني لكرة القدم النسوية الذي وصل، إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، قادما من أستراليا، وسادت أجواء احتفالية، احتفاء بالمشوار الرائع في كأس العالم، وتوافد المواطنون، أطفالا وشبابا وشيوخا “رجالا ونساء” ، لإلقاء التحية على اللاعبات اللواتي شكل ما حققنه مبعث افتخار واعتزاز خلال هذا الحدث الرياضي الكوني، بالتأهل للدور الثاني في أول مشاركة لهن في كأس العالم، واستقبلت اللاعبات بحرارة وعفوية عند مغادرة المطار من قبل المشجعين الذين تهافتوا من كل الجهات ، لالتقاط الصور التذكارية لتخليد لهذه اللحظات المليئة بالمشاعر، أو لبعث عبارات التشجيع والتهنئة، في لحظة من الالتقاء الفياض بالأحاسيس والعواطف التي أثارها المنتخب الوطني بين المغاربة.
وفي الاوانة الأخيرة، حظيت كرة القدم النسائية في المغرب ، بإشادة كبيرة نظير الأداء غير المسبوق للاعبات المغربيات على كافة المستويات ، خاصة عقب التتويج بدوري أبطال إفريقيا، وبلوغ نهائي كأس إفريقيا للأمم والتأهل لكأس العالم، واصبحت واحدة من المجالات التي تميز ريادة المرأة المغربية، بعدما بصمت على حضور لافت في مختلف المحافل الرياضية، وكذا التنويه والتشجيع من قبل كافة مكونات الشعب المغربي بفضل الأداء والإنجازات التي حققتها هذه اللعبة على المستويات القارية والدولية.
فعلى مستوى المنتخب الوطني للسيدات، وقع المغرب على مشاركة تاريخية خلال النسخة الأخيرة من كأس أمم إفريقيا 2022، حيث عبرت سيدات الأطلس إلى النهائي لأول مرة، أمام جنوب إفريقيا، بعد الإطاحة بالمنتخب النيجيري المرشح الكبير، والمتوج بالبطولة 11 مرة من أصل 13، منذ عام 1991، مما شكل نجاحا كبيرا للمغرب وعلامة فارقة بالنسبة لهن ، اللائي حققن، بفضل تأهلهن لنصف النهائي، إنجازا غير مسبوق، وهو التأهل لكأس العالم للسيدات، وبفضل نجاح نسخة 2022 من كأس إفريقيا للأمم على مستوى التنظيم والحضور الجماهيري، تم اختيار المغرب مرة أخرى من قبل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لاستضافة النسخة المقبلة في عام 2024 من هذه المسابقة القارية.
وعلى مستوى الأندية، نجح فريق الجيش الملكي النسوي في تدوين اسمه ضمن سجلات كرة القدم الإفريقية للسيدات بفوزه بأول لقب له في دوري أبطال إفريقيا ضد ماميلودي صنداونز الجنوب إفريقي برباعية نظيفة، نجاح يدل على العمل الكبير والمنجز على مستوى الأندية لتطوير كرة القدم النسوية في المغرب وتحقيق الريادة قاريا، وفي إنجاز تاريخي آخر، تأهل المنتخب الوطني للسيدات لأقل من 17 سنة للمونديال، بعد فوزه بضربات الجزاء الترجيحية على غانا (4-2)، كما أحرز المنتخب الوطني لكرة القدم النسوية المدرسية البطولة الإفريقية في كينشاسا ضد جنوب إفريقيا (1-0).
وفي هذا الصدد ، أشارت رئيسة اتحاد الكرة النسائية بالمغرب خديجة إيلا ،في تصريح صحفي، إلى أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم اعتمدت استراتيجية شاملة لتطوير كرة القدم على مستوى المنتخبات الوطنية والأندية والفئات العمرية، أثمرت نتائج جيدة ، بعد الأداء الرائع للاعبات المغربيات، من خلال تأهل المنتخب الوطني لأقل من 17 سنة لأول مرة للمونديال، والمشاركة الرائعة في كأس إفريقيا للأمم للمنتخب الأول، وتتويج سيدات الجيش الملكي بدوري أبطال إفريقيا وتأهل لبؤات الأطلس لكأس العالم المقبلة المرتقبة في أستراليا ونيوزيلندا”.
وأضافت أن هذه الإنجازات هي نتيجة عمل دؤوب وفعال نابع من رغبة قوية في جعل كرة القدم النسوية المغربية تتسلق أعلى المراتب قاريا ودوليا، واعتبرت إيلا أن “تطوير كرة القدم النسائية يعتبر نموذجا لتطوير الرياضة النسائية بشكل عام ورفع العلم المغربي عاليا في المنافسات الرياضية الدولية”، مشيرة إلى أن هذا النجاح يتطلب تضافر جهود مختلف المتدخلين لتطوير ممارسة الرياضة النسوية.
واختتمت إلى أن “كرة القدم النسائية المغربية تألقت بفضل مجهودات جميع الفاعلين، ولا سيما الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والإدارة التقنية الوطنية، والعصب الجهوية، والعصبة الوطنية لكرة القدم النسائية ، فضلا عن أندية البطولة الوطنية، الشيء الذي مكن كرة القدم النسائية من البصم على حضور مشرف دوليا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى