اللُّعبة التَّنكُّريّة القاتلة.. قوّة  اللّاعب المُتَنَكِّر “المُضادّ” في تبريره عمليّة القتل المعنوي والجسدي

بقلم: راضي شحادة | مسرحيّ وروائي وكاتب فلسطيني  

    إنها القدرة على تحويل إنجازات عمليّات القتل الجسدي(التّصفيات الجسديّة) إلى إنجازات معنويّة إضافيّة، بحيث يستطيع القاتل تحويل لعبة التّنكّر من أجل القتل، إلى لعبة تخفّي تمثيلي تزييفي بواسطة إعادة سرد الأحداث وتمثيلها وتوثيقها، بحيث يتحول القاتل إلى بريء والمقتول إلى مجرم وإرهابي وشرّير.

    أمامنا بعض النّماذج، فهي كثيرة، والمشترك بينها هو إيصال رسائل مدروسة ضمن وجهة نظر تصبّ في صالح مُنتِجِيها ومنفّذيها والمخطّطين لها. استطاع الاحتلال الصّهيوني الاستيطاني بقدراته الشيطانيّة أنْ يحوّل صاحب الحق إلى محقوق. يبدو في نهاية المطاف أنّه عندما يعيد القاتل تسجيل التّاريخ وتوثيقه، فهو يُخرِج اللعبة إخراجاً يظنّ أنّه مُحكَم لكي يثبت في المحصّلة أنّه أصبح بريئاً وإنسانياً وأخلاقياً وحقّانياً ومبدئياً وصادقاً.

    إنّها القدرة على تحويل اللعبة التّنكرية القاتلة إلى لعبة فنّية توثيقيّة دعائيّة تمثيليّة، بحيث يُعيد تمثيلها من جديد من وجهة نظره، وليس كما كانت عليه في الحقيقة، وإنّما من خلال إعادة صياغة تفاصيلها وأحداثها لكي تَخدم وجهة نظره الشرّانيّة. كِلا الوسيلتين التّنكريتين: القتل الفعلي، وإعادة تمثيل عمليّة القتل، تقودان إلى القتل الجسدي والمعنوي، فيطمئنّ فاعلهما من خلالهما بعد نجاح خطّته المعتمدة على دهاء ودراسة واجتهاد وتخطيط في مرحلة السّيرورة، ما يقود في نهاية اللعبة إلى ضمان تنفيذ الهدف بحذافيره في نهاية الشّوط. تعي قيادة الاحتلال بمخابراتها وعساكرها بأنّ سيرورة العملّيات غير كافية إذا لم يكُن الهدف واضحاً ودقيقاً لكي تؤدّي العمليّة إلى الوصول إلى هذا الهدف بنجاح.

    إنّهم بذلك يضربون عدّة عصافير برصاصة واحدة: يتخلّصون من أعدائهم الذين يشكّلون خطراً على كيانهم من جهة، ومن جهة أخرى يُطَمئِنون “شعبَهم!؟” معنويّاً وجسديّاً بأنّ الحِماية مُتوفّرة بحِنْكَة لا يمكن مجاراتها من قبل الأعداء. إنهم بذلك يقضون على “العدو”، ويُشَيطِنونه إعلاميّاً وتوثيقياً، ويؤكّدون أنّه إرهابي وحقير ووغد ومخرّب ولاإنساني وقاتل، وبالتّالي فعمليّة التّخلص منه تصبح مُبرَّرة بكونها ضرورة مبدئيّة وأمنيّة، وكأنما صفاته هذه تُخوّل “قاتل قتلاه” يستحقّ أن يُحكَم عليه بالإعدام أو بالإبادة، وبدون شفقة او بدون أي رادع إنساني أو أخلاقي، وبمباركة وبتشجيع من شعب “القاتل” الحقيقي، ألا وهو شعب المحتل وليس مِن قِبَل الواقع عليه الاحتلال.

    إنّها القدرة على التّنكّر المخابراتي المعتمدة على التّخطيط والتّنفيذ بِدِقَّة من جهة، وعلى التّوثيق الفنّي التأريخي غير القابل للمواجهة من جهة أخرى. هذه كلّها وبمجملها عوامل تساهم في زرع الطمأنينة في قلوب الإسرائيليّين، وتُشعرهم بالفخر والقوّة والمزيد من الاستقرار والرّاحة.

    هنالك نماذج كثيرة غائرة في تاريخ وماضي الحركة الصهيونيّة وكيانها، ولكنّني سأكتفي بالتّطرق الى بعض هذه العمليات القاتلة، كعمليّة “ميونخ” او كما سمّتها منظّمة “أيلول الأسود” الفلسطينيّة عمليّة “كفر برعم وإقرث” (سنة 1973)، وعملية “فِرْدَان” في بيروت التي نفّذتها وحدة “محاربو قيسارية” التي أطلق الإسرائيليّون عليها اسم عمليّة “ربيع الشّباب”، ووثّقوها تحت اسم “مُحاربِة من الموساد في بيروت”، وعمليّة تخليص الرّهائن الإسرائيليّين من قلب بيروت، وعمليّة “الرّحلة سابينا 571″، وأخيراً عن عمليّات وحدة “الـمُسْتَعْرِبين”؛ والمشترك بين جميع هذه النّماذج هو اتّباع أسلوب التّنكّر خلال تنفيذ العمليّات، وخلال إعادة توثيقها ميديويّاً بتصرّف، بحيث تبدو جميع خيوطها محبوكة لصالح إسرائيل، ومُجرِّمَة الطرف الآخر بما يخصّ سبب وقوعها.

   في الفيلم “الدّوكودراميّ Docudrama” (دَمْجٌ بين الوثائقي والدرامي) والذي حمل اسم: “العَمِيلَة في قلب بيروت”، والذي بُثّ مؤخّراً على قناة 12 الإسرائيليّة، يظهر أبطال العمليّة الحقيقيّون في شيخوختهم وهم يتحدّثون عن بطولاتهم العسكريّة والموساديّة في تنظيم العمليّة من خلال توثيقٍ مُرفَقٍ لذلك منذ أيام شبابهم قبل 48 سنة، اي منذ تاريخ تنفيذ عمليّة “فردان” في 9+10/4/1973، حيث تَرأَّس العملية “إيهود باراك” تحت قيادة رئيس جهاز “الموساد” في حينه “تْسْڤِيْ زِيمِرْ”. “إيهود باراك” هو صاحب نظريات التّنكّر الثّعلبيّة، وصاحب فكرة التّخفّي أو التّنكّر، والـمُوحي بتأسيس فرقة “دوڤدوڤان”(حبّة الكَرَز)” التي وصلت قمّة تخفّياتها من خلال وحدة “الـمُستعربين” الصّهاينة الـمُتخفّين بشخصيات عربيّة، والذين تلقّوا تدريباتهم العمليّة في المؤسّسة العسكريّة والمخابراتيّة، ، وفي معاهد مسرح لتدريس التّمثيل، ومن ثمّ داخل المجتمع العربي الفلسطيني. تقوم فلسفة عمل هذه الوحدات على دمج العمل العسكري مع العمل المخابراتي، والتّدريب القاسي والدّقيق الذي يعتمد على اللّياقة البدنيّة والعقليّة، وسرعة الحركة والأداء، والسرّيّة التّامّة، وانتهاج عنصر المفاجأة، ودقّة التّخابُر، والقُدرة الفائقة على التّخفّي والتّقمّص، والتّنفيذ السّريع والدّقيق، والتّخطيط لدرجة التّنفيذ وبالوصول الى صِفر فَشَل، وبجرأة وبإيمان بالهدف الَمنْوي تحقيقه، بحيث تعود جميع العناصر المنفّذة للعمليّة بسلام، فَقِيمَةُ الإنسان الـمُدرَّب هنا كبيرة لدرجة أنّ حياته مُهمّة جدّا، ما يستدعي عدم دفعه إلى الموت بتهوّر او بهدف “الاستشهاد!؟”. كل ذلك يتطلّب القدرة على العمل بقلب بارد وبعقل متوقّد. يجب أنْ تكون العمليّة مدروسة بحنكة وبدقّة بحيث أنّك إذا نفَّذتَ لعبتَك التّنكريّة بشكل خاطيء فسينقلب المقلب ضدّك.

    لم يعد محظوراً الكشف عن أسرار عمليّة “فردان”، ولا يُمنع قانونيّاً الإفصاح عنها، خاصّة أنّه مضى على تنفيذها 48 سنة، لا بل اعتمد الفيلم في توثيقه لها على الأرشيف الـمُصوَّر، وعلى مقابلات مع كلّ المسؤولين السّياسيّين والعسكريّين والمخابراتيّين الـمُشرِفين عليها ممّن لا يزالون على قيد الحياة، وعلى رأسهم “إيهود باراك”؛ ولم يتورّع منفّذوها عن الظّهور عَلناً في الفيلم للحديث عن هذه العمليّة البطوليّة الخارقة، بينما أُوكِلت عمليّة إعادة تمثيلها لممثّلين شباب. كل ذلك كان مدعوماً في مضمونه باعترافات موثّقة في كتاب مستوحى من مذكّرات جاسوسة موساد للمؤلفة “إفْرَاتْ مَاسْ” حمل اسم: “مقاتلة الموساد في بيروت.The Mosad Componant in Beiruth  الصّادر عن منشورات “هكيبوتس هميؤوحاد” في آب 2015 .

التّنَكّر الدّموي القاتل

   فيلم “العَمِيلَة في قلب بيروت” يوثّق ما جرى من وجهة النّظر الموساديّة الإسرائيليّة. تقوم وحدة مظلّيين أُطلق عليها اسم “وحدة قِيسَاريَة” بتنفيذ العمليّة بحيث يُطلب من بعض رجالها التّنكّر بشخصيات نسائيّة، وعلى رأسهم “إيهود باراك”، بينما تتنكّر “يَاعِيلْ چْرينْفْتر”، وهو اسمها الحركي، واسمها كذلك في الفيلم أيضا، بينما اسمها الحقيقي هو “إلِينْ شْطَايْنرْ”، والتي وُلدت في “كندا” وانتقلت مع والديها وهي في سنّ الثالثة إلى “نيوجيرسي” في الولايات المتحدة”، وقَدِمت إلى إسرائيل وانضمّت إلى جهاز الموساد، فأُوكلت إليها مهمّة التّنكّر بشخصيّة سائحة أجنبيّة وكمؤلّفة روايات، ولكي تقوم بدور التّرصّد لثلاثة قياديّين في “منظّمة التّحرير الفلسطينيّة” المـَنْوي تصفيتهم في حيّ “فردان” في قلب بيروت.

    وكما جاء في اعترافات المخطِّطين للعمليّة، أنْ تستعمل العَمِيلة “ياعيل” أحابيلها الأنثويّة في أن تتقرّب في البداية من أحد الثّلاثة المستهدَفين ألَا وهو “كمال ناصر”، لأنّ “كمال”، برأي الموساد كما يُذكر في الفيلم، شاب وسيم ويميل إلى الجنس اللطيف ومن السَّهل انجذابه إليها والإيقاع به، وهذا ما قد يسهّل عمليّة الاختراق للوصول إلى القياديَّيْن الآخرين وهما “كمال عدوان” و”محمد نجم ابو يوسف النجار”.

    تبدو العمليّة بمجملها مبرَّرة إعلاميّاً من قبل إسرائيل بحجّة أنّهم يريدون الانتقام من قياديين فلسطينيين ردّاً على مساهمتهم في تخطيط وتنفيذ عمليّات “إرهابيّة!” ضد إسرائيل، وخاصّة عملية “ميونخ” في دورة الألعاب الأولمبية لعام 1972، ولكونهم من قيادة منظمة “أيلول الأسود”، وهي منظمة تشكّلت بعد أحداث “ايلول الأسود” والتي دارت رحاها بين منظّمة التّحرير الفلسطينيّة والجيش الأردني سنة 1970، وأسفرت عن اضطرار منظّمة التّحرير الفلسطينيّة إلى الانتقال مع كوادرها إلى لبنان. أطلق الفدائيّون على عمليّة “ميونخ” اسم “عمليّة كفر برعم وإقرث”، وجاءت كَردّ فعل على عمليّات الاغتيال والقصف المتزايد لقوات الفدائيّين في لبنان، ولِلَفْت الانتباه للقضيّة الفلسطينيّة، وكان مطلب الفدائيّين: الإفراج عن 236 أسيرا فلسطينيّاً داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي.

    طلب الفدائيّون في عمليّة “ميونخ” توفير طائرة هليكوبتر تقلّهم مع الرّهائن من القرية الرياضيّة، التي تمّت فيها عمليّة احتجاز الرّهائن، الى مطار “فُورشِنْفِيلْد بْرُوكْ” التّابع لحلف الأطلسي، وهناك طلبوا توفير طائرة تقلّهم مع الرّهائن الى مطار القاهرة.

    وبناء على اتّصالات بين السّلطات الألمانيّة والسّلطات الإسرائيليّة أرسلت إسرائيل مسؤولاً كبيراً من جهاز الأمن الإسرائيلي لأعداد كمين لأطلاق سراح الرّهائن حتى لو أدّى ذلك إلى مقتلهم، كما صرحت بذلك ” چولدا مائير”  عَلَناً أمام الكنيست.

    انتهت العمليّة، وبمساعدة من القنّاصة الألمان، بمقتل 11 رياضيّاً إسرائيليّاً وضابط شرطة ألمانيّاً وطيّار مروحيّة ألمانيّاً، وخمسة فدائيّين، وبِأَسْرِ ثلاثة أَطْلَقت السّلطات الألمانيّة سَراحَهم إثْر عمليّة أخرى لخطف طائرة تعود لشركة “لوفتهانزا” الألمانيّة التي كانت متوجّهة من بيروت الى المانيا الاتّحاديّة.

    الإصرار على عدم الرّضوخ بأي ثمن لطلبات الفدائيّين بصفقات تبادل رهائن بأسرى هو مبدأ عام تنتهجه القيادات الإسرائيليّة بحيث لا ترضخ لطلبات المختطِفين، وبحيث أنّه اذا فشلت عمليّة الإنقاذ يتمّ صياغة تفاصيل الحادثة بأنّ الطّرف “الإرهابي!” هو القاتل وليس القيادة الإسرائيليّة، وهذا ما تكرّر أيضا في عمليّة “الرّحلة سابينا 571” ، في أيار 1972.

    وجّه الفدائيّون طائرة “سابينا” البلجيكيّة من ” ڤيينا” إلى “مطار اللد” الإسرائيلي (الذي أُطلق عليه لاحقا اسم مطار بن چُوريون) بهدف إجبار إسرائيل على تحرير أسرى فلسطينيّين مقابل الإفراج عن الرّهائن. أصرَّت القيادة الإسرائيليّة وعلى رأسها “چولدا مائير” رئيسة وزراء الكيان الصّهيوني، و”موشي ديان” وزير الأمن، و”شمعون بيرس” وزير الاتّصالات والمسؤول عن المطارات، و”إيهود باراك” الذي قاد عمليّة اقتحام الطاّئرة، أصرّوا على أنْ يتمّ تخليص الرّهائن بأي ثمن حتى ولو أدّى ذلك إلى مقتلهم. تخفَّى مجموعة من الإسرائيليّين بهيئة الصّليب الأحمر الدولي وأنهوا عمليّة التّفاوض على شروط الفدائيّين، وكان “بنيامين نتنياهو” أحدهم، (وهو ذاته رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي)، وقد تعرّض لإصابة في كتفه من قبل الفدائيّين كادت تودي بحياته.. عمليّة “سابينا” أُعيدت روايتها من وجهة النّظر الإسرائيليّة من خلال فيلم “دوكودرامي” حمل اسم “سابينا” للمخرج الاسرائيلي “راني ساعر”.

    دائما يوجد تأكيد من قِبَل السّلطات الاسرائيليّة على إصرارهم على الرّد الحاسم، عاجلاً ام آجلاً على أي عمليّة فدائيّة يخوضها أي عدوّ وخاصّة العدوّ الفلسطيني. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، فهذا الأمر غالباً ما يتكرّر في معظم النّماذج الأخرى، فإنّ الـمَغزى الخطير الذي يبثّه فيلم “العَمِيلَة في قلب بيروت”، هو تأكيد الإسرائيليّين أنّهم لا يتوانون في الرّد على مَن يتسبَّب في مقتل إسرائيليّين يهود، ويصرّون على الإثبات القاطع لشعبهم أنّهم ليسوا ضعفاء، بل هم قادرون على الانتقام، التّخطيط، الرّد الحاسم، والوصول إلى نتيجة تُطَمِئن الصّهاينة بأنّهم محميّون من قِبَل أبطالهم  المخلصين لــ”وطنهم!”، والمتفانين بــ”إنسانيّتهم وبأخلاقيّاتهم!”. يؤكّد الفيلم على إنسانيّة الصّهاينة بأنّهم يريدون فقط قَتْل هؤلاء الثلاثة، وألّا يقتلوا الأطفال والنّساء والأبرياء حتى ولو كانوا أقرب أقرباء “الإرهابيّين!”.

    يُظهر الفيلم كيف أنّ الشباب الصّهاينة يتسابقون للمشاركة في العمليّة، وكل ذلك من أجل التّأكيد على مغزى الفيلم ورسالته لبث حبّ التّضحية وزرعها من أجل إسرائيل. ويوعزون للمواطن الإسرائيلي بأنْ “ينام بأمان” مُطمئنّاً لوجود هكذا أبطال يعرّضون حياتهم للخطر من أجل أمن إسرائيل.

^^^

    لن أقف طويلاً عند المزيد من النّماذج، فهي كثيرة ومتشابهة، ومنها فيلم “النّصر في عنتيبي” للمخرج “مناحم چولان”، عن “عمليّة يوناتان” في عنتيبي في أوغندا، ومسلسل “الفتيان” وغيرها، ولكن لا بدّ من تأكيد ما هو مشترك بين جميعها بنموذج إضافي لَفَت انتباهي، وهو ما تفتّقت عنه عملية إنقاذ أسرى إسرائيليّين وقعوا في الأسر السّوري بعد فشلهم في عمليّة محاولة تصفية قِياديٍّ كبير. ومن أجل توثيق هذه العمليّة وإعادة تفصيل تفاصيلها على مقاس إسرائيل جرى إنتاج مسلسل طويل حَمَل اسم “المخطوفون” يعتمد أيضا على عنصر التّخفّي والتّخابر الذّكي. استُوحي من المسلسل ذاته مسلسلٌ أمريكي حمل اسم “الوطن Homeland” بفارق أن الأحداث جُيِّرت من أجل تخليص أَسرى أمريكيِّين من أيدي تنظيم “القاعدة” في العراق، وهو نموذج من عدّة نماذج تُظهر التّعاون القويّ بين السّلطات الاسرائيليّة والأمريكيّة مثمثّلتين بجهاز “السّي آي إي” و”الموساد”، وكأنّما وصلت هذه العلاقة من المـَتانة الى شبه اعتراف بأنّ إسرائيل تُعتبر الولاية الأمريكيّة الـ51 ، من حيث الانسجام بينهما في تنفيذ عمليّات التّنكّر المخابراتي والميديوي القاتلين جسديّاً ومعنويّاً.

    وأما مسلسل المخطوفون فنقطة انطلاقه هي أنّ “إرهابيّاً!” يُدعى “عبدالله بن راشد” يَدخل إلى الصفّ الأول في مدرسة أطفال خلال الاحتفال بعيد ميلاد أحد الأطفال واسمه “يانون”،  ويَقتل معلمة وطفل ووالد “يانون” المحتفَى به. نشاهد الطّفل وقد عُلِّق على صدره ورقة كُتب عليها “שלום” (عبرية: معناها سلام) . يتم إلقاء القبض على “عبدالله” ويُطلَق سراحُه بعد 22 سنة من خلال صفقة تبادل مع 1200 أسيرا. خلال هذه السّنوات يتمّ تجهيز الطّفل “يانون” لكي يصبح “الرّامبو” الذي سيثأر لوالده و”لوطنه!”. وأما “عبدالله” فبعد إطلاق سراحه يصبح قائداً في تنظيم “الجهاد”، تحت إمرة القائد الأعلى  للجهاد “حسن القصّاب”، وظهر في الفيلم بعد مَكيَجته وتخَفّيه في الشّخصيّة وإلباسه شكلها شبيهاً بالأمين العام لـ”حزب الله” اللبناني السيّد”حسن نصرالله” (لاحظ التّسمية المقصودة “حسن القَصّاب”، أي الجزّار، وكل ذلك بشكل مقصود، فهذا ليس هو الاسم الحقيقي، وإنّما فُبرِك لكي يخدم لعبة التّخفي والتّرميز).

   تجري الأحداث سنة 2008  مدعومة بـ”فْلاشباكات” لأحداث جرت سنة 1991 أي بفارق 17 سنة حيث أنّه أُرسِلت عندها وحدة استعلامات مكوّنة من جنود احتياط إلى العمق اللبناني للقيام بعمليّة سرّية ضدّ قيادي كبير لمنظمة إرهابيّة. فشلت العمليّة وخلالها يُقتل أحد الجنود وثلاثة آخرين وقعوا في الأسر وتمّ سجنهم في منطقة قريبة من دمشق. بعد سنوات من الاتّصالات السّريّة وبصفقة تبادل أَسرى يعود الأَسرى. عندها يتّضح أنّ اثنين فقط من الثّلاثة بقيَا على قيد الحياة. باختصار فقد شارك “يانون” “الرّامبو” مع الوحدة التي ساهمت في تخليص الأسرى بعد أن انتقم لوالده ولمعلمته ولابن صفّه من “الإرهابيّين”.

    عنصر التّنكر والتّخابر السّرّي مبالغ به من أجل ضخّ فكرة “الرّامبو” القوي والذّكي. يتمّ أيضا التّشديد على أساليب التّعذيب البَشعة التي يتعرض لها الأسرى، والغريب أنّها وسائل التّعذيب ذاتها المتّبعة ضد الأسرى الفلسطينيّين في سجون الاحتلال، وكأنّما بِنِيَّة مُبيّتة من قبل الإسرائيليّين لإزاحة التّهمة عنهم وإلصاقها بعدوّهم.

    هنا أيضا تظهر القدرة على استغلال دراميّة الاعتماد على العنصر النّسائي المخابراتي، او عن طريق التّنكّر بِزيّ شيخ يصل به الأمر إلى الاقتراب من مَنزلَةِ البديل لقائد التّنظيم (تلميح لشخصيّة إيلي كوهين الذي أُعدم بعد أنْ انكشف أمره كجاسوس لصالح إسرائيل، وقد اقترب من منزلة أن يصبح رئيساً لسوريا)، وهنا أيضا التّنقّل لدى الشّخصيّات في تَقمّصهم لأدوار تصبّ في خدمة الهدف المنشود.

    وكما كان الحال في مسلسل”فوضى” عن وحدات الـ”مُسْتَعْرِبين”، فللأسف الشّديد فقد جَنَّد مُنتَجو هذا المسلسل ممثلين فلسطينيّين من حاملي هويّة الـمُواطنَة الإسرائيليّة في لعب الأدوار المناقِضة لأصل وطنهم التّاريخي ولوطنيّتهم، والتي تصبّ في صالح مُنتجي العَمل، والمؤسّسة الصّهيونيّة.

^^^

   ما تطرّقتُ إليه سابقاً من نماذج سياسيّة وعسكريّة ومخابراتيّة وميديويّة هو غيض من فيض، ولكن كما ذكرت فالمشترَك بين جميعها هو ما يلي:

     التّأكيد على القدرة على اللّعب على حَبلين مُترابطَيّ الصّلة، بين لعبة التّقمّص والتّنكّر والتّخفّي في التّمثيل السّينمائي والمسرحي، ولعبة الاستغلال الحَذِق للوسائل الميديويّة المختلفة، القاتلة معنويّاً من جهة، ولعبة التّنكّر المخابراتي والعسكري القاتلَين جَسَديّاً، والمبرِّر لعمليّة القتل الجسدي.

      تأكيد القدرة الصّهيونيّة على تجنيد بعض العرب والفلسطينيّين للمشاركة في لعبة القتل المعنوي والجسدي، بينما يبدو جميع العرب والفلسطينيّين عاجزين عن تجنيد اليهود والصَّهاينة للّعب معهم في مثل هذه “الألعاب” القاتلة. إنّه دليل على قدرتهم على جعل الآخرين ينضمّون إليهم ويندمجون معهم في لعبتهم السّياسيّة والمخابراتيّة والعسكريّة، وأنْ يلعبوا معهم في ملعب العدو(الفلسطيني والعربي) وقد برمجوا اللعبة مسبقاً لصالحهم،  بحيث جعلوا العرب والفلسطينيّين يتقمّصون أدوارهم، وهي مشروطة بأنْ تكون نتيجتُها إسقاط تهمة القَتَلة والإرهابيّين وغير الإنسانيّين على الطّرف الفلسطيني والعربي، مقابل الصّهيوني الإسرائيلي الإنساني الذي يَظهر كبطلٍ محارب للإرهاب وللشّر الـمُحيق به، مدافعاً عن شعبه، وليس مُهاجِماً لعدوّه لغير سبب. هؤلاء اللاعبون العرب والفلسطينيّون المنخرطون في اللعبة  الإسرائيليّة القاتلة لَبسوا أدوارهم التي ساهمت في صياغة التّاريخ المزيّف ضدّ قضاياهم العادلة مقابل حفنة من المال والشّهرة، غير مقدّرين خطورة نتائج اللعبة التي زُجّوا بها، أو ربّما زَجّوا أنفسهم بها، وكأنّما هم يساهمون في عمليّة القتل الجسدي والمعنوي للضّحية، وكأنّما هم يؤكّدون كما يريد مشغّلهم على المساهمة في قتل الضّحيّة مرّتين، مرّة بقتلها الجسدي وأخرى بإعادة تمثيل الدّور من أجل قتلها معنويّاً كما يوثّقها قاتلها، ولكي تصبّ في وجهة نظره ولصالحه.

    هنالك أيضا اختراق ملحوظ للأمن العربي والفلسطيني عن طريق التّخفّي، او جَعْل صهاينة أجانب او مستعربين يعملون لصالح “الموساد” و”الشّاباك” الإسرائيلي، بحيث تُسَهَّل عليهم مهامُّهم في الدّخول والخروج، لكونهم ينتحلون على أحسن وجه شخصيّات عربيّة وفلسطينيّة وسياحيّة أجنبيّة. إنّها القدرة على تخفّي الرّجال خلف الكوفيّات واللُّثُم، والتّنكّر بشخصيّات نساء بجلابيب وأخمرة، وبالزّي الرّسمي للأمم المتّحدة وللصّليب الأحمر، وبدسّ فتيات جميلات قادرات على الإغراء واصطياد الرِّجال، والقدرة على التّنكّر بأزياء “ممثّلين” في مرحلة القتل الجسدي، وفي مرحلة إعادة تمثيل أحداث الجريمة من جديد على منصّات الميديا المختلفة، لكي يُقوِّي مُنتِجوها وجهة نظرهم، وتأكيد حقائق جديدة تجعلهم هم الأبرياء والطّرف الآخر هو الإرهابي والقاتل، على غرار المثل القائل “ضَربني وبكى وسبقني واشتكى”، وهذه الأخيرة تتمثّل بعملية القتل المعنوي عن طريق الفنّ والتّحايل الميديوي، تؤدّي إلى اللعب في وعي المتلقّي عن طريق قلب الحقائق رأساً على عقب، بحيث يُصبح القتل الجسدي خادماً لعمليّة القتل المعنوي والعكس صحيح أيضا.

     هنالك إصرار على شَيْطَنة مَن يشكّل خطراً على إسرائيلّ لتبرير الحاجة للتّخلّص منه، وأنسنَة القاتل لكي يعفي نفسَه من تُهمة القتل، وجَعْل المـُتَلقّي لأحداث الجريمة مُقتنع بوجهة نظر القاتل الحقيقي واتّهام المقتول بأنّه هو السّبب في تعريض نفسه لأنْ يُقتل.

    هنالك تأكيد على القدرة “الرّامبويّة” للأبطال الـمُشرِفين على العمليّة من أجل إقناع الأقرباء والأعداء بالقوّة الخارقة الرّادعة لأيّ اعتداء، ولِزَرْع الطّمأنينة والفخر في قلوب الإسرائيليّين اليهود وحلفائهم والدّاعمين لهم.

    في معظم العمليّات يتمّ تبادل الأسرى بشكل مهين للعرب وللفلسطينيّين، وباعث للفخر لدى الإسرائيليّين، فهُم يبادلون أسيراً او أسيرين إسرائيليّين مقابل مئات الأسرى، وأحياناً مقابل أكثر من ألف أسير من الطّرف الآخر، فقيمة الفرد الواحد تُساوي قيمة مئات من الطّرف الآخر، والأمن الإسرائيلي خارق وأمن الآخرين مختَرَق”ومائِع، وهذا يثبت أنّ ميزان القُوى يميل إلى كفّة الإسرائيليّين، ويجذّر شعورهم بالفخر بأنّ الإنسان عندهم أكثر قيمة واحتراماً من قيمة الإنسان لدى العدو.

    بما أنّ الإسرائيليّين هم مجموعات بشريّة قادمة من شتّى أقاصي الكرة الأرضيّة، فإنّ المؤسّسة المخابراتيّة واعية لقدرة المنضمّين اليهم من اليهود الذين يحملون جوازات سفر أجنبيّة، بالإضافة إلى جوازات سفرهم الإسرائيليّة، فإنّ ذلك يُسهّل عليهم التّنقّل كسيّاح في أرجاء العالم العربي واختراقه بسهولة.

    هنالك إصرار على ملاحقة الشّخصيّات التي يعتبرها الإسرائيليّون خطيرة على أمنهم وتصفيتها، وخاصّة الشّخصيّات القياديّة والسّياسيّة والفكريّة.

   يفضّل مُنتِجو عمليّاتهم المخابراتيّة والعسكريّة التّنكّريّة التي تتطلّب تصفيات جَسديّة اختيار خِيرة وحداتهم ومجموعاتهم القتاليّة المدرّبة، وعندما يُعاد توثيق هذه العمليّات من خلال التّمثيل وعَبْر وسائل الميديا، فإنّهم يستعينون بممثّلين فلسطينيّين وعرب من فلسطينيي الــ48 ومن القدس المحتلة ومن “هضبة الجولان السّوريّ” المحتل للقيام بالأدوار العربيّة او الفلسطينيّة، وفي الغالب يختارون شخصيّات من فلسطينيي الـ48 الذين يعتبرونهم مواطنين عرباً إسرائيليّين، معتبرينهم جزءاً من أقليّات دينيّة. إنّهم بشكل عام يفضّلون التّعامل مع هذه الأقلّيات كخَدَم، أو كعبيد حقل وكعبيد قَصر ليس إلّا، ولا مانع أنْ يُساهموا في قطف كرومهم وبناء بيوتهم والدّفاع عن أمنهم ومبادئهم، ومساعدتهم في صياغة التّاريخ بشكل مقلوب لصالحهم، ومَن يشذّ عن هذه القاعدة ويرفض الاستسلام لقوانينهم، فإنهم إمّا ينبذونه أو يشوّهون صورته، او يحاربونه، او يعرّضونه للخطر.

   يؤمن الإسرائيليّون بمقولة قادتهم الأوائل بأنّه كلّما طالت مدّة حكمهم لبلادنا، كلّما أصبحوا هم الأمر الواقع، فيصبح بعضنا خارج هذا الواقع، وكأنّما نحن نتعرّض لعلميّة ترويضٍ، وإذا بنا نجد أنفسنا وقد اعترفنا بكيانهم، وأنكرنا كياننا، ورضخنا لهم، وأصبحنا جزءاً حيويّاً ضمن مخطّطاتهم، ومساعدين لهم لكي نتحوّل الى جِسرٍ يعبرونه فوقنا إلى العالم العربي. إنّها سياسة تذويب وصهر الآخر ودمجه في برامجهم وإنتاجاتهم. الغريب أنّ هذا النّوع من الفكر قد رَوّج له “شمعون بيرس” في كتابه “الشرق الأوسط الجديد”، والأغرب من ذلك أنّ الاسم ذاته أصبح يُطلق على أحد برامج القناة الفضائيّة الإسرائيليّة الرّسميّة “مَكَان”، مؤكّدين مِضيّهم حَثيثي الخُطى لإتمام مشروعهم قصير المدى وطويله.

   هنالك توجّه مدروس ومقصود في معظم هذه الأعمال لإبراز وجود العَلَم الاسرائيلي بشكل مكثّف خلال التّصوير وخلال المناسبات من أجل تثبيته في ذهن المشاهد، وتأكيد وجودهم وصورتهم ورموزهم في كل لحظة، وأنّ جغرافية فلسطين “البائدة!” – في نظرهم- وتاريخها، تحوّلا إلى جغرافية إسرائيل وتاريخها البديل.

    وفي المحصّلة فإنّ الصّهاينة يتمنّون أن تكون يَدُهُم هي الأطول، وهي القادرة على اختراق العدوّ، والقادرة على الضّغط على زناد سلاحهم المعنوي والمادّي والجسدي؛ ولكنّهم في الوقت ذاته يبدون في حالة هَلَع من أنْ ينتهج العرب والفلسطينيّون طريقاً مشابهاً لأساليبهم، منتهجين فلسفة “إعرف عدوّك” مبتعدين عن فلسفة “مَن عاشر القوم أربعين يوما صار منهم”، وربما ومع الوقت قد ينتهجون أسلوباً أكثر حنكة من الصّهاينة، ولذلك فالصّهاينة يسعون بكل ما أوتوا من قوة، ويضعون كل ما في جعبتهم من دهاء وتخطيط لكي يَئِدوا أيّ محاولة من قِبَل المقاومين الفلسطينيّين والعرب لتطوير حركات تَنكّرية تجسّسيّة ذكيّة يكون في مقدورها الوصول إلى مرحلة تحدّي العدوّ والقدرة على المواجهة العنيفة التي تؤمن بتعادل القُوى وتناطحها، بالقتل المعنوي والجسدي، وتنتهي بالغلَبَة للأكثر تَنكُّراً وقوةً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى