أدب

قهوة فلسطين: رحلة بنكهة صراع الهوية.. قراءة في شعر محمد صابر عبيد

د. رائدة العامري|ناقدة وأكاديمية عراقية

قهوة محمود درويش…
قضيةٌ مندمجةّ بفلسطينَ…
رائحةً وشكلاً ونكهة وفضاء…
لا بديلَ لها مهما اشتدت النوائبُ وطفحَ الكيلُ.
لا بديلَ لها في السلمِ وفي الحربِ.
في الكُرهِ وفي الحبِ.
أول النهارِ، آخرُ المرأةِ ..(1)
يبدو أن قيامنا بقراءة نقدية لقصيدة (كلام الماء) من “الأعمال الشعرية” للناقد الدكتور محمد صابر عبيد.. نتوقف أمام عمل شعري ينطلق من نوافذ الوعي المعرفي والجمالي في استفهام هوية الذات بحوار صامت لنعيش لحظة النهايات .. تحمل في داخلها رموزا كثيرة ومعاني عميقة. رحلة أنساق رمزية وتقانات شعرية.
رحلة مع أسطورة مقدسة ورمز قوي للثقافة والتراث العربي، والصمود، والاغتراب العاطفي وفقدان احترام الذات. إيقونة العمق وقوة الثبات ورمز صوت المسكوت عنه عبر فضاء التحدي لذاكرة تراث الجذور الثقافية الحضارية بنكهة الصمود والتحدي وبقاء الأمل والثبات.
قهوة محمود درويش…
قضيةٌ مندمجةّ بفلسطينَ…
رائحةً وشكلاً ونكهة وفضاء…
القهوة .. ورائحتها.. تأخذنا في رحلة إلى أعماق روح الذكرياتــ قهوة محمود درويش ــ المرتبطة بالهوية والذاكرة ومركزية الذات وثقافة التراث. رمز الوحدة والاستقرار والقوة والتحدي، وهو ما يدعونا إلى الحفاظ على الإصرار والمثابرة في مواجهة التحديات مع صعوبات الحياة.
شفرة رمزية تأويلية لقدرة فنجان القهوة على إحداث تأثير مؤثر بشكل عميق في الذات لا بديل له. صور تمثلات بين الفنجان المتواضع، الذي ينبعث منه عبير وأريج ممزوج بروائح الأرض والسماء، كاشف داخلها عن نكهة روح الهوية والفضاء والتقاليد معادلةٌ وجودية للثبات والتمسك بالوجود والتواصل والتماسك بين الذات والآخر.
يتجلى النص في حركة لحظية آنية من الاسترجاع والانصهار حول فنجان القهوة بفضاء المشاعر ليهمس بقوة روح الحروف التي يربطها التلاحم والتواصل الاجتماعي الروحي الفكري بين الذات والآخر وبعمق استرجاع واستحضار رائحة التراث والتاريخ العريق المنصهر مع ارتباط هوية المشاعر المرتبطة بثقافتها الأصلية. فضلا عن فضاء ينشأ من القهوة كرمز لمكان مشترك يسهم في بناء الهوية الجماعية والتكامل والاندماج بين رحلة فضاء الوعي الثقافي وقهوة محمود درويش، إذ يحملان دلالة رمزية متعددة الأبعاد في تجسيد الأفكار والمشاعر وحرية التأمل للراحة والاستمتاع بلحظات من الهدوء والاسترخاء في الفضاء المحيط بأسلوب فني ومتقن يسهم في إثراء المعنى وعمقه الفني والدلالي في النص الشعري المستوحي من الحوار الثقافي.
يكسب النص دلالة نسق الهوية الثقافية والانتماء مع نكهة القهوة التراثية الحاضرة في بداية شرارة النهار مؤطرة بتجارب تحديات الأمل والبقاء. وتستمر الحركة حتى آخر رشفة روحية في نهاية لحظة يوم الحلم مع العناق الأخير، رمز التعانق وتلاقي القلوب والعقول في لحظات تواصل يجسدها الهدوء، رمز التواصل والتأمل والتأويل رحلة التاريخ والتراث الثقافي.
تحمل في طياتها شغف تمثلات الحياة من اجل قضية مستمرة مندمجةّ مع فلسطينَ، وتحمل رمزية القوة والتوازن في الظروف الصعبة، وذلك لتجسد جزء من الهوية الثقافية المتمثلة في التلاحم والوحدة في صراعات الكراهية والحب. نص يعكس بعمق واقع القضية الفلسطينية بآلياتها المختلفة والمتداخلة، مما يجعلها قضية متكاملة ومعقدة.
وتبقى ــ القهوة ــ رمزًا للاستمرارية وتعزيز الهوية والثبات والقوة الداخلية، للقضية الفلسطينية المندمجة بالأرض والهوية والتراث والكراهية والحب. رمز الوحدة والقوة والتماسك والتجمع والتواصل بين الآخرين. وتعكس رائحتها رائحة الأرض الفلسطينية وثباتها، ورمز الشكل والنكهة والفضاء، والتنوع والثراء والتراث الثقافي للتاريخ العريق للشعب الفلسطيني.، إذ لا يمكن تجاوزه في أي جانب من جوانب الحياة.
دعوة للتفكير والتحرّر والتأمل بالحواس في تناوب الأمل واليأس في مواجهة التحديات، التي تواجهها فلسطين وما تحمله من قدسية وأصالة. إذ يقول:
لا بديلَ لها مهما اشتدت النوائبُ وطفحَ الكيلُ.
لا بديلَ لها في السلمِ وفي الحربِ.
في الكُرهِ وفي الحبِ.
أول النهارِ، آخرُ المرأةِ ..
رحلة مع النص بحركة الثبات والبقاء، حركة حاضرة في كل جوانب الحياة.. تكرار لعبارة ـ لا بديلَ لها ـ رمزية تأكيد قاطع على الحركة والاستمرارية، تحمل الأثر المؤثر للتعبير عن أهمية عميقة وملفتة للانتباه للدلالة في جميع المواقف، لاسيما في حياة هادئة/السلم، أو المواقف الصعبة/ تحديات الحرب. وهو أمر لا يمكن الاستغناء عنه ولا بديل له في أثبات الذات والوجود .
يحمل النص على تقنيات للمقارنات الرمزية كالسلم /الحرب، الكره /الحب، فضلا عن بداية النهار / نهاية المرأة. توظيف مجازي بتأمل في المواقف المعددة، وذلك من خلال بيان الحركة الدائرية للمعنى ذات القاسم المشترك بين جوانب الحياة المختلفة. ولها تأثير وقدرة قوية لا يمكن استبدالها أو إيجادها كبديل، فضلا عن إلى تعقيد الظروف التي يمكن أن تحدث رمزيا لتحمل شفرة تأويلية فعّالة في تحقيق ثقة التوازن والسلم للقوة الداخلي الذاتية ، كفى سلاما وحربا ــالنوائب وطفح الكيل والسلم والحربــ .
يقودنا النص إلى الشفرة التأويلية لمقاربات التي تمثل عمق الدلالة الإيحائية الرمزية سواء في الحياة العادية أو في الظروف القاسية، من خلال الدعوة إلى الاعتماد على الدلالة، فإن دوامة شجاعة الذات في الاتجاه والمعنى تحمل مبدأ قوة الحب غير القابلة للاستبدال لصمود الهوية الثابتة المنفردة.. الشيء الذي لا يمكن استبداله أو العثور على بديل له… كونها جوهر الذات والثقافة والقيم والمبادئ، التي تلعب دورًا حاسمًا على التأقلم والتحمل والتكيف في كلا الجانبين، ولاسيما في تحديد مقومات الذات والثقافة والتميز وتقوية المواقف والمبادئ في السلم والحرب. فضلا عن الدور الحاسم في تجاوز فترات الصراع وتذليل العقبات في تحقيق نجاح الذات قبل الآخر من خلال التمسك بالهوية.
تجول الشاعر في متاهة غابرة، تائها ومحتارا في عمق عوالم الكلمات وأعماق الحروف، بين قوتي الشعور وضجيج الذات في الكراهية و الحبِ رمزا للصراع/ العداء، والوحدة/ الانسجام. تعبير عن التناقضات والتضاربات لإبراز التباين والتضاد التي تصاحب الحياة. والبحثُ عن الحقيقة والعاطفة في صخبٍ هائجٍ وهدوءٍ عميق يبحر في أعماق الأدغال بين الكلمات كالوليد النحيل، بجرحٍ عميقٍ لا يجد الهدوء في زمن هادئ. ليسلط الضوء على إبراز قوة المرأة ودورها البارز في الحياة.
التوظيف الدلالي يخرج النص بعمق من حدود حركة التوترات إلى الفضاء الحركي، رمز البدايات والنهايات: ــ في الكُرهِ وفي الحبِ، و ،أول النهارِ، آخرُ المرأةِ ــ مغامرات الدفء والتقارب التي تكمن في القلوب المضطربة تتبدد دلالتها المتعددة في بداية لوحة لملاذ ليالي طويلة، رحلة الظلام إلى النور، والجروح إلى الشفاء.
خطاب عن رحلة البحث عن الهدوء والتوازن في عالم مليء بالمتاعب والتحديات، ليؤنسن ويحاكي القهوة رفيقة التحديات والعاداتــأول النهار، آخر المرأةــ شروق وانصهار بقرب يولد الأمل ويذوب في رحم الليل لتستريح المرأة وتفيض بالجمال ليولد فجر جديد وبداية التجديد .. تضارب حيوي للعواطف والعلاقات الإنسانية، ذو أثير في النفس يثير الدهشة في فضاء التأمل في حوار القهوة.. رفيقة أول النهار وفي آخرة امرأة، نسيج منسوج مليء بالتوازن بين الحياة والضغوط المصاحبة للأحاديث والأفكار.
أنثى غامضةً في دوامة الحياة بتوازن وقوة تُحيي القلب في الحقد والحبِ بتضارب وتناقض في الفكر والروح.. المرأة هي البداية /النهاية، الأولى/ الأخيرة، القوة المحرّكة للحياة. رمزية تشير إلى الاعتراف بالحب والإلهام وإشعال الروح وإثارة الإلهام في حياة الآخر الذي يسهم هذا التوظيف في تعزيز الفكرة العامة للنص الشعري وإبراز مكنوناته.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى