المثقف العربي وقضايا الأمة: بين عصا السلطة وجزرة التغرب

مجيدة محمدي| كاتبة من تونس
في عالم من تتصارع فيه التحديات مع الحقائق، وتتنازع فيه الهويات بين الموروث والمستورَد، يبرز سؤال وجودي ملحّ: أين يقف المثقف من كل هذا الضجيج؟ أهو شاهدٌ على العصر أم شاهد زور؟ أهو صوت الأمة أم صدى السلطة؟ أهو طليعة التغيير أم آخر من يغادر السفينة؟
إن المثقف العربي يعيش في مفترق طرق حاد، تتقاذفه ريح السلطة التي تهاب الوعي، وريح التغريب التي تسلبه ذاته، فيما يتثاقل على كتفيه عبء قضايا لا تنتهي، من فلسطين الجرح المفتوح، إلى الحرية التي تُغتال كل فجر، مرورًا بالعدالة الغائبة، والهوية المتآكلة. وبين كل هذا، يبرز التحدي الأخلاقي: هل يواصل حمل الشعلة في وجه العتمة؟ أم يتنصل من دوره، مكتفيًا بالنجاة الفردية على حساب المعنى الجمعي؟
هذه الورقة ليست رثاءً لدورٍ ضائع، ولا مديحًا لبطولات فردية، بل محاولة جادة للغوص في عمق معاناة المثقف العربي بين مطرقة السلطة وسندان التغريب، واستنطاق دوافعه، تناقضاته، وخياراته… في زمن بات فيه الصمت خيانة، والكلمة مقاومة.
المثقف العربي… من هو؟
ليس كل من حمل قلماً أو ارتدى عباءة اللغة مثقفًا. فالمثقف، كما يراه إدوارد سعيد، هو “الشخص الذي يجرؤ على قول الحقيقة للسلطة”؛ هو ذاك الكائن الذي يحمل رؤية للعالم تتجاوز محيطه الضيق، ويجعل من ذاته مرآة للأمة، ومحرّكًا للتغيير لا مبررًا للواقع. وبهذا المعنى، يصبح المثقف مشروعًا أخلاقيًا، لا مجرد حامل للمعرفة أو ناقل للثقافة.
عصا السلطة: الجلاد الذي لا ينام
منذ عقود طويلة، والمثقف العربي يُجلد بعصا السلطة. تتعدد أشكال القمع: من السجن إلى النفي، من التشهير إلى الاغتيال، من الرقابة إلى الإقصاء. الأنظمة المستبدة في العالم العربي تدرك خطر الوعي، لذا تعمد إلى تدجينه أو كسره. السلطة لا تهاب الجيوش، بل تهاب الكلمة؛ لا تخشى الانقلابات، بل تخشى الفكرة التي لا تموت.
نذكر هنا تجارب أمثال فرج فودة، الذي قُتل لأنه قال “لا”، أو نصر حامد أبو زيد الذي نُفي لأنه فكّر خارج السياج. وهما ليسا سوى مثالين من قائمة تطول وتدمى.
في كتابه الخروج من التيه، يحلل محمد عابد الجابري علاقة المثقف بالسلطة، مبرزًا كيف تتحول هذه العلاقة إلى صراع وجود حين يصر المثقف على أن يكون شاهدًا لا شاهد زور. إنها لعبة الحياة والموت، حيث لا خيار أمام المثقف إلا أن يكون حرًا، أو لا يكون.
جزّرة التغرب: الانسلاخ عن الذات
وإذا كان السوط الخارجي هو السلطة، فإن السوط الداخلي هو التغريب. هنا لا نتحدث فقط عن هجرة جسدية نحو الغرب، بل عن هجرة فكرية، عن خيانة الذات واللغة والتاريخ. بعض المثقفين، يهرب من عبء قضايا الأمة نحو فكر مستورد، ونموذج حضاري لا يرى في ثقافتنا سوى بؤسًا يجب طمسه.
في كتابه الاستشراق، يكشف إدوارد سعيد كيف أن النخب التي تنبهر بالغرب دون نقد، تسهم دون وعي في إعادة إنتاج خطاب الهيمنة. التغريب هنا ليس معرفة الآخر، بل تبجيله إلى حد التماهي، وإدانة الذات إلى حد المَسخ.
نعم، المثقف العربي يعيش أزمة انتماء: بين ماضٍ متخم بالهزائم، وحاضر مُجهَض، ومستقبل مسروق. لكن الرغبة في الخلاص لا تعني الانسلاخ، والبحث عن أفق جديد لا يعني حرق الجذور.
الرغبة في التنصل: هروب أم حكمة؟
هل من حق المثقف أن يتنصل من قضايا الأمة؟ هل من الممكن أن يعيش المثقف حياة خاصة، دون أن يتحول إلى حامل نبوءة أو قائد معركة؟
قد يقول البعض: “نحن بشر، تعبنا من النضال”. ولكن الحقيقة أن المثقف الذي ينفصل عن قضايا أمته يتحول إلى صوتٍ اجوف. في عالم تموج فيه الأحداث وتُذبح فيه الحقيقة، لا مكان للصمت المحايد.
الحرية، العدالة، فلسطين، الهوية، الفقر، الكرامة… كلها ليست شعارات، بل جراح مفتوحة، تنتظر من يضمدها بالحرف والفكر والموقف. المثقف الحقيقي لا يستطيع أن يتخلى عن هذه القضايا دون أن يخذل ضميره أولاً.
كما كتب جورج طرابيشي في هرطقات، فإن دور المثقف ليس أن “يمنح الناس الأجوبة، بل أن يعيد صياغة الأسئلة”. والمثقف الغائب عن قضايا الأمة هو أشبه بمن يتخلى عن الأسئلة كي لا يرى الألم.
المثقف بين الدور والاختيار
بين خيار المواجهة والصمت، يبقى المثقف في مفترق طرق. عليه أن يختار: إما أن يكون “شاهدًا على العصر”، كما وصفه عبد الوهاب المسيري، أو أن يتحول إلى ديكور في صالونات السلطة، أو إلى ظلٍ في ردهات السفارات الأجنبية.
المثقف العربي لا يُطالب بالمستحيل، بل بموقف. موقف يربط بين الفكر والفعل، بين القول والممارسة، بين الحلم والواقع. قضايا الأمة ليست عبئًا، بل هي معنى الوجود ذاته. وما من حرية فردية حقيقية دون تحرير الجماعة.
خاتمة: وصيّة على ضوء الشموع
أيها المثقف العربي… لا تطفئ الشمعة الأخيرة.. إنك لست وحدك. في كل قرية، في كل مخيم، في كل سجن، هناك من ينتظر حرفك. قد لا تقلب نظامًا، لكنك تزرع شتلة في وعي طفل. قد لا تغيّر العالم، لكنك تمنع انقراض المعنى.. فلا تهادن الظلم، ولا تبرّر الاستبداد، ولا تخلع جلدك بحثًا عن تصفيقٍ بارد في قاعة ندوة.. كن كما أنت: قلقًا، منفيًا، عنيدًا، شريفًا… فالعالم لا يُبنى على الخوف، بل على الكلمة التي تقول “لا”.
المراجع:
– إدوارد سعيد، الاستشراق، دار نشر بنجوين.
– محمد عابد الجابري، الخروج من التيه، مركز دراسات الوحدة العربية.
– جورج طرابيشي، هرطقات، دار الساقي.
– عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية، دار الشروق.
– فرج فودة، الحقيقة الغائبة، دار المستقبل العربي.