
خالد حناوي¦ جدة
ظهوره ومولده كان بمثابة نور يشع في مكة .
لقد قُدّر لهذا الطفل أن يكون صوته علامةً من علامات هذه المدينة المباركة .
في حي سوق الليل ، وبجوار إحدى الجبال ، بدأت الحكاية ..
كانت أصوات المآذن ترتفع بالنداء خمس مرات في اليوم ، وقلوب الناس تهفو إلى البيت العتيق .
في هذا الجو الروحاني ، كيف يمكن لطفل صغير أن يفقد نور عينيه ، ثم يهب العالم نوراً من نوع آخر ؟ نورٌ يُسمع بالآذان وتخشع له القلوب .
كان عباس طفلاً كبقية الأطفال ، يملأ البيت فرحاً وضحكاً .
كانت خطواته الصغيرة تتردد في أرجاء الحي ، وعيناه تكتشفان العالم من حوله بفضول وبراءة . لكن الأقدار كانت تخبئ له إختباراً عظيماً سيصقل روحه ويرسم له درباً مختلفاً .
في عام 1345 هـ ، وهو لم يكد يبلغ الثالثة من عمره ، داهمه مرض الجدري الشرس ،، وبعد أيام من الحمى والألم ، انقشعت سحابة المرض ، لكنها للأسف .. أطفأت نور عينيه إلى الأبد .
عمّ السكون أرجاء المنزل ، وتساءل الأب المكلوم : كيف سيرى طفلي طريقه في هذه الحياة ؟
لكن والد الشيخ عباس كان رجلاً مؤمناً ، يرى في كل محنة منحة خفية . أحتسب إبنه عند الله ، ورفع يديه إلى السماء قائلاً : اللهم إني رضيت بقضائك ، فاجعل في قلبه نوراً يبصر به ما لا تراه الأعين .. ومن تلك اللحظة ، قرّر أن يهب إبنه لأعظم رفيق وأفضل دليل : القرآن الكريم .
لم يكن الظلام الذي حلّ بعيني عباس الصغير حاجزاً أمام بصيرته ، بل كان دافعاً له ليوقد في قلبه شعلة من نور العلم .. بدأت رحلته اليومية المباركة إلى حلقات العلم في المسجد الحرام . كان والده يمسك بيده ، ويقوده بين المصلّين والطائفين ، ليسلّمه إلى مشايخ أجلاّء .
في تلك الحلقات ، لم يكن عباس مجرد مستمع . كان قلبه يتلقف الآيات بشغف لا مثيل له ، وذاكرته النقية تحفظ كل كلمة وكل حرف وكل حركة تجويد .
أدرك مشايخه سريعاً أنهم أمام موهبة ربانية فريدة ، وأن هذا الطفل الكفيف يمتلك بصيرة تفوق إبصار الكثيرين .
كبر الطفل الصغير ، وكبر معه صوته الذي اكتسب عذوبة وشجناً خاصاً .
لم يعد صوته يتردد في حلقات العلم فقط ، بل بدأ يصدح في أرجاء الحرم المكي الشريف . كان المصلون والمعتمرون يتوقفون ، تسحرهم تلك التلاوة الحجازية الأصيلة التي تخرج من حنجرته .
في عام 1371 هـ انطلق صوت الشيخ عباس مقادمي عبر الأثير ، كأول من يتلو القرآن الكريم في إذاعة المملكة العربية السعودية ، بعد إفتتاحها بثلاثة أعوام ، فكانت لحظة تاريخية في حياة الشيخ عباس . وفي تاريخ الإذاعة ..
لم يعد صوته حجازياً فقط ، بل أصبح صوتاً وطنياً .
لم تتوقف رحلة صوته عند حدود الوطن ، بل حمل رسالته وعبر بها البحار إلى الهند ، حيث أمضى أربع سنوات يعلّم القرآن ويتلوه ، فكان أول قارئ سعودي يصل صوته العذب إلى الإذاعة الهندية ، تاركاً أثراً طيباً في قلوب المسلمين هناك .
عمل الشيخ عباس معلّماً في مدارس الفلاح بمكة وجدة .. لم يكن يعلّم الحروف والأحكام فقط ، بل كان يربّي طلّابه على الأخلاق والتقوى .
كان ورعاً زاهداً ، لدرجة أنه في بداية الأمر رفض تسجيل تلاواته ، خشية أن يدخل قلبه شيء من الرياء أو حب الظهور . لكنه وافق لاحقاً حين أدرك أن في تسجيل صوته حفظاً لأسلوبه الفريد ونقلاً له للأجيال القادمة .
كان يجد في قراءة القرآن حياته كلها .
أثبت بأفعاله قبل أقواله أن فقدان البصر ليس عائقاً ، بل دافعٌ لمن أراد أن يترك أثراً لا يمحى .
لقد شهد له أساطير القراءة في العالم الإسلامي .
قال عنه شيخ قرّاء مصر ، محمد محمود الطبلاوي : هو الإنسان الخليجي الوحيد الذي يقرأ بصوت شجي مجوّد ، يعطي كل حرف حقه .
أما عملاق التلاوة ، الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ، فقد وصف أداءه بالفريد قائلاً : تنقلّاته في المقامات صعبة على غيره ، وهو أستاذ في القراءة الحجازية .
هذه الشهادات لم تكن مجاملة ، بل كانت إعترافاً بمدرسة قرآنية متكاملة إسمها ( عباس مقادمي ) . مدرسةٌ قامت على الإخلاص والإتقان والأسلوب الحجازي الأصيل الذي أصبح هو رمزه الأبرز .
في السابع والعشرين من رجب عام 1411 هـ ، صمت ذلك الصوت الذي ملأ الدنيا بآيات الله .
لقد رحل الشيخ عباس مقادمي عن عالمنا عن عمر يناهز 69 عاماً .
لقد خسر الحجاز أحد أعمدته في قراءة القرآن ، لكن إرثه لم يمت .
ما زال صوته المسجّل يتردّد في البيوت والإذاعات ، وما زال طلابه يحملون علمه وأسلوبه ، وما زالت قصته تروى كمثال خالد على أن الإرادة والإيمان قادران على تحويل أعمق الآلام إلى أعظم الأمجاد .
لقد رحل الجسد ، وبقي ( صوت من نور ) منارة خالدة في تاريخ قراءة القرآن الكريم



