وصيتك الأخيرة

شعر: د. نجاة الجشعمي| العراق
يا تُرى، هل أوصيتَ بنا؟
هل همستَ للملائكة: “أخبروهم أني أحببتهم”؟
هل نطقتَ باسمنا في لحظةِ الرحيل؟
أم اكتفيتَ بصمتٍ، كأنك تعرف أن الدموع ستكمل الحديث؟
جئنا نركضُ، نحملُ الدواءَ والرجاء
لكنّك كنتَ قد غادرتَ…
لم نلحقْ بنظرةٍ أخيرةٍ
لم نودّعْ نورَ عينيك، ولا دفءَ صوتك
غرفتكَ كانت شاهدةً على الغياب
البابُ موصدٌ، والقهوةُ باردةٌ،
والرداءُ الأسودُ معلّقٌ كأنه ينتظرُ جسدًا لن يعود
أين أنتَ يا من كنتَ لنا وطنًا؟
من يُربّتُ على أكتافِنا حين نضعف؟
من يُنيرُ لنا الطريقَ حين تضيقُ بنا الحياة؟
من يُقبّلُ جبينَ الأطفالِ في الأعياد،
ويصفّقُ لهم كأنهم ملائكةٌ على الأرض؟
لماذا رحلتَ دونَ إنذار؟
لماذا تركتَ قلوبَنا معلّقةً في وجعِ السؤال؟
ألم تعلمْ أن رحيلَك كسرٌ لا يُجبر؟
وأنّ غيابَك صمتٌ لا يُحتمل؟
ادعُ لنا، نرجوك…
قلْ لربّك إنّ لنا قلبًا مكسورًا
وأنّك كنتَ بلسمَه، وضياءَه، وسلامَه
فليكن لكَ المجدُ في السماء،
ولنا الصبرُ على الأرض…
“سلامًا يا راعي القلوب”
يا ربنا الصالح،
نحن اليوم لا نرثي جسدًا فقط، بل نودّع قلبًا كان ينبض بمحبتك،
نرفع إليك روح عبدك الأمين، أبونا بيشوي عبد المسيح،
ذاك الذي أحبّك من كل قلبه، وخدمك بكل كيانه،
ذاك الذي مسح دموعنا، وعلّمنا كيف نحبك أكثر.
يا من وهبته لنا بركةً وسلامًا،
نرجوك أن تفتح له أبواب الفردوس،
أن تُجلسه مع قديسيك، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهّد،
بل فرحٌ أبديّ في حضرة وجهك النوراني.
علّمنا يا رب أن نحيا كما علّمنا،
أن نحب كما أحبّ،
وأن نغفر كما غفر،
وأن نشتاق إلى السماء كما كان يشتاق.
سلامًا يا راعينا الحبيب،
نم قرير العين،
فأنت حيّ فينا، في صلواتنا، في دموعنا، في قلوبنا،
وسنلتقي… هناك، حيث لا فراق بعد اليوم.




