أخبار
أخر الأخبار

رجل من زمن آخر

د . محمد عبده يماني... الوزير الإنسان... والشخصية المتطوّرة... ورائد العمل الخيري... والباحث والمفكّر الإسلامي

خالد حناوي | جدة

هو إبن مكة ، وأحد عشّاقها .
وُلد بأحد أحياها العتيقة ( أجياد ) عام ١٩٤٠ م .
تلقّى التعليم في طفولته على يد ثلاث من النساء .. مريم البغدادية وخديجه الجاوية ومريم الآشية .
وكان الأطفال حينها يتلقّون العلوم وهم جالسون على الأرض . ثم تلقّى تعليمه الأوّلي على أيدي المشايخ في الحرم المكي الشريف ..
ألتحق بمدارس الفلاح العريقة بمكة ، ودرس المراحل الثلاث .. الإبتدائية والمتوسطة والثانوية ..
ولعل أكثر الأمور إثارة وطرفة في سيرة الدكتور محمد عبده يماني ، هو كثرة إصطدامه بالتقاليد الرسمية عن غير قصد .
فعندما حصل على الشهادة الثانوية بمجموع يؤهّله للإبتعاث إلى مصر ، وجد أنه قد أُستبعد . وعندما تقصّى ، وجد أنّ المسألة لها علاقة بالإسم ، فقد ظنّه القائمون على البعثة أنّه غير سعودي ، فتجاوزوه . وهكذا صار إلى الخيار الثاني الذي لم يكن يرغب فيه ، وهو كلية العلوم بجامعة الرياض ( جامعة الملك سعود حاليآ ) .
في أمريكا حين ذهب للدراسات العليا ، رشّحته ملكاته لأن يصبح إمامآ يصلّي بالطلاب ، ومؤذونآ يعقد الزواجات ، ومن ثم أُختير رئيسآ لمجموعة الطلاب المسلمين ، وبذلك أصبح عضوآ في ما يسمّى في أعراف الجامعة ، حكومة الطلاب ، الأمر الذي أزعج سفارة المملكة حين نما إليها الخبر . فأرسلوا أحد أعضاء الملحقية الثقافية للتحقيق معه .
كان الظن أنّ إسم حكومة الطلاب يعني أنّ أعضاءها أصبحوا ضمن حكومة الولاية الأمريكية .
تبيّن للمحقّق أنّ المسألة لاتعدو أن تكون جماعة طلابية تخوّلها إدارة الجامعة الإشراف على بعض شؤون الطلاب .. وانتهت المسألة بسلام .
عمل الدكتور محمد عبده يماني بعد عودته من أمريكا أستاذآ للجيولوجيا الإقتصادية في جامعة الرياض ( جامعة الملك سعود ) ، ثم نُقل للعمل وكيلآ لوزارة المعارف ، لكن لم يمكث سوى فترة وجيزة بهذا المنصب ، حيث تم تكليفه مستشارآ للوزير ،، فرفع شكوى الى الملك فيصل لمعرفة السبب ، فسأل جلالته وزير المعارف آنذاك الشيخ حسن آل الشيخ ، خلال إجتماع مجلس الوزراء .
فقال الوزير أنّ الوزارة أرادت جمع مهمّات الوكلاء عند وكيل واحد .
لكن أعيدت مناقشة الموضوع ، وأعيد الدكتور إلى منصبه ..
في عام ١٩٧٢ م تولّى منصب وكيل جامعة الملك عبدالعزيز بجدة ، قبل أن يتولّى إدارتها عام ١٩٧٣ م .. وبالرغم من مكوثه عامان فقط بمنصب مدير الجامعة . إلا أنه نجح خلالها في تأسيس كلّيات الطب والهندسة وعلوم البحار .
وأنجز برنامج تطويري هام جدآ ، بل كان قرار غير مسبوق ، تمثّل بإلحاق البنات بالجامعة ، وإنشاء جهاز إداري لذلك .
أشتكت الرئاسة العامة لتعليم البنات ، باعتبار أنّ تعليم البنات في كل المراحل من إختصاصها ، ولايصح أن يتدخل طرف آخر . فصدر قرار يلغي ما عُمل في الجامعة .
واحتاج الأمر الى عدة مشاورات . حتى سُمح للجامعة بتعليم البنات ..
في عام ١٩٧٥ م تقلّد سدّة وزارة الإعلام ، وكان العمل الإعلامي حينها يعتمد على الإجتهاد . ويخلو من الترتيبات المكتوبة ، والتنظيمات الحقيقية .
لكن الدكتور كان شخصية غير تقليدية . وقام ببعض التطوير في العمل الإعلامي والإداري .
فقد أطلق بيانآ من وزارة الإعلام ، بعد كل جلسة لمجلس الوزراء . يتضمّن جدول أعمال المجلس ، وما بحثه وأقرّه من أمور . وكان هذا العمل ( الأسبوعي ) باكورة عمله كوزير .
ثم قام بنقل لوقائع الآذان من البيت الحرام ، والحرم المدني ، ونقله كذلك وقائع صلاة التراويح في شهر رمضان .
وتذكيره من خلال ( التلفزيون ) بأهمية ( بوم عرفة ) و (يوم عاشوراء ) وسنيّة صيامهما .
كذلك شهد عهده إطلاق البث الملوّن للتلفزيون السعودي ، وتأسيس القناة الثانية الناطقة بالإنجليزية .. وأفتتح إذاعة القرآن الكريم ،، ومنح الصحفيين مساحات أوسع . وكان يتدخّل لحمايتهم ..
أيضآ من التنظيمات التي أدخلها ، وبقرار عفوي منه ، مرافقة رؤساء تحرير الصحف للملك في رحلاته الرسمية . بعد أن كانت هناك تقاليد تمنع ذلك .
عُرف بلقب ( الوزير الإنسان ) لتواضعه الشديد وقربه الدائم من الناس . فلم تغره المناصب ، بل ظل خدومًا للصغير والكبير ، ومسارعًا في قضاء مصالح المحتاجين .
وفي مجال الفكر والدعوة ، ألّف العديد من الكتب الإسلامية القيّمة ، واهتم كثيراً بالسيرة النبوية ، والدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ..
ولعل توظيفه لنفسه عند إنتهاء خدمته في ( وزارة الإعلام ) للعمل في المجالات الخيرية والإنسانية ، كان من الأمور الجليلة والهامة في مسيرته .
فقد عُرف بسعيه الدائم في العمل الخيري وجهوده الكبيرة في العمل الإنساني حتى لُقّب بـ ( أبو الفقراء ) .
وساهم في تأسيس وتفعيل عدة جمعيات مثل جمعية أصدقاء القلب الخيرية ، وجمعية الإيمان لرعاية مرضى السرطان ، والجمعية الخيرية لرعاية الأيتام .. كما أنشأ صناديق خيرية لدعم ومساعدة المرضى غير القادرين على العلاج ..
وترأّس مؤسّسة ( إقرأ ) الخيرية ، فتحوّل مكتبه لمد العون لمن يحتاج .
فقد جعل من نفسه وعلمه ومكانته وعلاقاته ، ( وسائل ) تخدم حفظة القرآن وتشجّع على تلاوة كتاب الله ، وتمسح دمعة الأيتام ، وتحنو على الأرامل ، وتعين الضعفاء والمعوزين والفقراء ، وتُسْمِعُ صوت الناس إلى من يستطيع مساعدتهم ودعمهم .
ثم شغل منصب نائب رئيس مجموعة دلة البركة ، وكان هذا آخر منصب مؤسّسي يتولّاه بالقطاع الخاص..
وأخيرآ وليس آخرآ ، كان الدكتور بارآ بوالديه عليهما رحمة الله .
فبأحد مواسم الحج ، وكان حينها وزير للإعلام ، حمل والدته على ظهره صاعداً بها سُلّم مبنى وزارة الإعلام في منى ، ليوصلها إلى مقر إقامتها !
رحل الدكتور محمد عبده يماني عن دنيانا عام 2010 م ، لكنه بقي في ذاكرة كثيرين رمزًا للوزير المثقف ، والعالم المتواضع ، والرجل الذي جمع بين الإدارة والفكر والدعوة ،، وترك خلفه سيرةً تزداد جمالًا كلما مرّ الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى