أدب

أمسية هذا المساء

قصة قصيرة

بقلم: طارق حنفي | القاهرة

كانت القاعة واسعة، عالية السقف، غارقة في ضوء أصفر هادئ، تتنقل على جدرانها أضواء بيضاء؛ تضيء وجهًا وتترك آخر في نصف ظل.
وفي صدر القاعة منصة بثلاثة كراسٍ، وأمامها طاولة عليها زجاجات ماء وميكروفون، وخلفها لافتة مضاءة:
“أمسية ثقافية حول الذوق العام”.
انسابت الموسيقى هادئة، وارتفع إيقاعها مع دخول المدعوين، ثم انخفض مع هدوء خطواتهم؛ نغمة تفتح الباب وأخرى تغلقه

ظل الصف الأول شبه ممتلئ، بقيت فيه ثلاثة كراسٍ فارغة، متجاورة، كأنها تنتظر من يستحقها.
والحاضرون يرمقونها بين حين وآخر، ثم يصرفون أبصارهم سريعًا.

دخل رجل طويل ممتلئ، بخطوات سريعة وابتسامة جاهزة؛ صافح هذا، وربت على كتف ذاك، ثم غيّر اتجاهه حين لمح الكاميرا.
اقترب من الصف الأول، نظر إلى الكراسي الثلاثة، ثم تراجع دون أن يجلس.

وفي الطرف الآخر وقف رجل طويل أصلع، أكثر هدوءًا وأقل حركة.
لا يطارد الفرص، ينتظرها حتى تأتيه.
يتحدث في الأدب والتاريخ والسياسة والفن، وحتى فيما لم يُسأل عنه، وإذا عجز عن الإجابة، غيّر وجهة الحديث.

مر رجل بجواره.
قال الرجل:
– هل تعرف إن كان فلان قد وصل؟
قال الأصلع:
– أعرفه.
قال الرجل:
– أين هو؟
ابتسم الأصلع:
– ستعرفه حين يصل… لا يحتاج الأمر إلى إعلان.
نظر الرجل إليه ومضى، وبقي الأصلع مكانه كأنما كان ينتظر سؤالًا آخر.

وعند الباب وقفت امرأة تحمل هاتفها، تراقب الداخلين بعين لا تستقر.
كلما انتهى حديثها مع رجل قالت:
– أعطني رقمك.
تسجله، ثم تسأل:
– وأنت؟ والمنصب؟
لم يكن الاسم يأتي أولًا دائمًا؛ كان المنصب أسبق منه.

صعد مدير الأمسية إلى المنصة، وطرق الميكروفون بطرف إصبعه.
تك.
تراجعت الموسيقى، والتفتت الرؤوس.
قال:
– أيها السيدات والسادة… نجتمع الليلة لا لنحتفي بالأسماء، ولا بالشهرة، ولا بالمظاهر، وإنما لنحتفي بالذوق العام.
صفق الحاضرون.
صفقت المرأة التي تجمع الأرقام، ثم عادت إلى هاتفها.
تابع المدير:
– الذوق العام لا يحتاج إلى ضوء.
وفي اللحظة نفسها اتجهت إليه الأضواء.
سكت لحظة، ثم ابتسم، فازداد التصفيق، وكان التصفيق أطول من الجملة.

في الصف الثالث مالت امرأة إلى جارتها:
– هل جاء فلان؟
– لم أره.
نظرت إلى الباب:
– سيأتي.

وفي اللحظة نفسها فُتح الباب، ودخل الرجل.
تحركت الرؤوس نحوه دفعة واحدة، وارتفعت أيدٍ للسلام، ونهض رجل، واستدار آخر.
شق الممتلئ طريقه بين الناس حتى بلغ الرجل، فصافحه بحرارة.
قال الممتلئ:
– أشرقت الأنوار بقدومك.
ابتسم الرجل.
– المكان مشرق بأهله.

وصل الأصلع بعده بلحظات، وصافح الرجل المهم.
– أهلًا.
التفت إليه الرجل.
– كيف حالك؟
قال الأصلع:
– بخير ما دام الناس بخير.

كانت الكراسي الثلاثة ما تزال فارغة. تقدم الأصلع من الرجل المهم.
– هل نجلس؟
نظر الرجل إلى الصف الأول.
– لم يدعني إليه أحد.
قال الأصلع:
– مثلك لا ينتظر دعوة.
ثم تقدم خطوتين، وتبعه الرجل المهم.

نظر الرجل المهم إلى المقعد الأول، ثم جلس.
وجلس الأصلع في المقعد الثاني إلى جواره.
بقي المقعد الثالث خاليًا.

نظر الممتلئ إلى المقعد، ثم إلى الرجلين، ثم إلى الكاميرا. ابتسم، لكنه لم يجلس.
اقترب منه رجل.
– لماذا لا تجلس؟
قال الممتلئ:
– المقعد الذي يُترك لك أقل شأنًا من المقعد الذي تُدعى إليه.
– وأنت تنتظر الدعوة؟
ابتسم الممتلئ.
– أنا لا أنتظر. أنا أترك لهم المجال أن يتذكروا.

في تلك اللحظة ظهر رجل آخر، وقف أمام الصف الأول وسأل عامل القاعة:
– هل يمكنني الجلوس هنا؟
قال العامل:
– لا أدري.
– أنا مدعو.
قال العامل:
– الدعوة للحفل، يا سيدي، وليس لهذا المقعد.
صمت لحظة، ثم قال:
– يمكنك أن تجلس في مكان آخر.
قال الرجل:
– لا أريد مكانًا آخر.
ثم استدار ومضى.

عاد بعد دقائق ومعه شخص من الإدارة، وأشار إلى المقعد الثالث.
– هذا المكان لي.
حسم رجل الإدارة الأمر، والتفت إلى العامل.
– دعه يجلس.

التفت الأصلع إلى الرجل.
– دعونا لا نحول أمسية عن الذوق العام إلى خلاف على المقاعد.
أومأ الرجل، وجلس في المقعد الثالث، وصار الصف الأول ممتلئًا.
لكن الممتلئ لم ينسَ ما حدث؛ ضاق وجهه لحظة، ثم استعاد ابتسامته وتحرك بين الناس.

استأنفت الأمسية. تحدث الرجل على المنصة عن التواضع، فهز الجميع رؤوسهم، وعن الصدق، فصفق الجميع، وعن أن الإنسان ينبغي أن يعرف قدر نفسه، فمال رجل إلى أذن جاره.
– كل واحد هنا يعرف قدر نفسه… المشكلة في الآخرين.
ضحك جاره، ثم التفتا إلى المنصة كأنهما لم يقولا شيئًا.

عاد الحديث بين الأصلع والرجل المهم، بينما انشغلت القاعة بما يجري على المنصة.
قال الرجل المهم:
– سمعت أنك تكتب.
ابتسم الأصلع.
وقال:
– أكتب أحيانًا.
– في …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى