
أ. سعيد مالك | معلم لغة عربية – مسقط
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وجعله رحمةً للعالمين، وأكرم به الإنسانية جمعاء، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خير خلق الله، وخاتم أنبيائه ورسله، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
تأتي ذكرى المولد النبوي الشريف كل عام، فتفتح في القلوب نافذةً واسعة على السيرة العطرة، وتدعونا إلى استحضار أعظم شخصية عرفتها البشرية، سيدنا محمد ﷺ، الذي أخرج الله به الناس من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان، ومن التنازع والفرقة إلى الأخوة والوحدة، ومن القسوة والظلم إلى الرحمة والعدل والإحسان. وليس المقصود من هذه الذكرى أن تكون مناسبةً عابرة تنتهي بانتهاء أيامها، وإنما أن تكون وقفةً صادقة نراجع فيها علاقتنا برسول الله ﷺ، ومدى التزامنا بأخلاقه وهديه وسنته.
ومن أعظم الدروس التي نتعلمها من مولده ﷺ أن الله تعالى قدّر لهذه الأمة نبيًا جمع مكارم الأخلاق وكمال الصفات. فقد أثنى الله عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فكان ﷺ رحيمًا بالصغير، موقرًا للكبير، عطوفًا على الضعيف، حريصًا على هداية الناس، يعفو عمن أساء إليه، ويقابل الجفاء بالحلم، والإساءة بالإحسان. ومن هنا فإن الاحتفال الحقيقي بمولده لا يكون بكثرة الكلمات وحدها، وإنما بأن تتحول سيرته إلى أخلاق نعيشها، ورحمة نقدمها، وأمانة نؤديها، وعدل نلتزمه في بيوتنا وأعمالنا ومعاملاتنا.
ومن الدروس العظيمة كذلك أن الإسلام دين الرحمة والسلام. قال الله تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فلم تكن رحمته مقصورة على أصحابه أو قومه، بل امتدت إلى الإنسان والحيوان والضعيف والمحتاج، وإلى كل من عاش في المجتمع آمنًا مطمئنًا. ولذلك فإن من أحب رسول الله ﷺ حقًا ينبغي أن يكون مصدر أمن ورحمة لمن حوله، فلا يؤذي بلسانه، ولا يظلم بيده، ولا يستغل حاجة إنسان، ولا يحمل في قلبه حقدًا أو كراهية.
وتعلمنا السيرة النبوية أيضًا أن بناء الإنسان يبدأ من إصلاح القلب والعقيدة والسلوك. فقد واجه النبي ﷺ مجتمعًا كثرت فيه مظاهر الظلم والعصبية والتفاخر، فغيّر النفوس قبل أن يغير المظاهر، وربّى جيلًا حمل رسالة الإسلام إلى الدنيا. وهذا درس بالغ الأهمية في زماننا؛ فنهضة المجتمعات لا تقوم بالمال والعمران وحدهما، وإنما تقوم بالإنسان الصادق الأمين الذي يعرف حق الله وحق الناس، ويؤدي عمله بإخلاص، ويحترم الآخرين، ويجعل من نجاحه وسيلةً لنفع المجتمع.
ومن أعظم ما ينبغي أن نستحضره في هذه المناسبة خلق الصبر. فقد تحمل النبي ﷺ من الأذى ما تنوء به الجبال، ولم يكن طريق الدعوة أمامه مفروشًا بالورود، بل واجه التكذيب والإيذاء والحصار والفقد، ومع ذلك ظل ثابتًا على الحق، واثقًا بوعد الله. وهنا نتعلم ألا نستسلم عند أول عقبة، وألا نحكم على المستقبل من خلال صعوبة الحاضر. فالصبر ليس مجرد احتمال للألم، بل قوة تدفع الإنسان إلى مواصلة الطريق مع حسن الظن بالله.
كما تعلمنا سيرته ﷺ قيمة العفو عند المقدرة. وقد كان قادرًا في مواقف كثيرة على الانتقام ممن آذوه، لكنه اختار العفو والإحسان حين كان ذلك أبلغ في إصلاح النفوس. وهذا درس نحتاج إليه بشدة في حياتنا اليومية؛ داخل الأسرة، وبين الأصدقاء، وفي أماكن العمل، وفي المجتمع. فكم من خصومة طويلة كان يمكن أن تنتهي بكلمة طيبة، وكم من قلبين متباعدين كان يمكن أن تجمعهما لحظة عفو!
ومن أعظم القيم التي رسخها النبي ﷺ قيمة الأسرة. فقد كان في بيته زوجًا رحيمًا، وأبًا عطوفًا، وإنسانًا يشارك أهله حياتهم، ويقدر مشاعرهم. ولذلك فإن محبة النبي ﷺ ينبغي أن تظهر في تعامل الإنسان مع زوجته وأبنائه ووالديه وأقاربه. فلا معنى لأن يكثر الإنسان من الحديث عن السيرة ثم يكون قاسيًا في بيته، أو ظالمًا لأهله، أو مقصرًا في حقوق والديه.
ومن الدروس المهمة أيضًا احترام العلم والعمل وإتقان المسؤولية. فقد أقام النبي ﷺ مجتمعًا يقوم على المعرفة والأمانة وتحمل المسؤولية، ولم يجعل التفاضل بين الناس قائمًا على المال أو النسب، وإنما على التقوى والعمل الصالح. وفي عصر تتسارع فيه الحياة وتتعدد فيه المسؤوليات، نحتاج إلى استعادة هذه الروح؛ فالمعلم ينبغي أن يؤدي رسالته بإخلاص، والطبيب بأمانة، والموظف بضمير، والتاجر بصدق، والوالد برعاية، وكل إنسان في موقعه ينبغي أن يسأل نفسه: ماذا قدمت لمن حولي؟
ويأتي فضل الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ليكون من أجمل أبواب المحبة والذكر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وقال النبي ﷺ: «من صلى عليَّ واحدةً صلى الله عليه بها عشرًا». فالصلاة والسلام عليه ﷺ ليست مجرد كلمات ترددها الألسنة، بل عبادة عظيمة، وتعبير عن المحبة والوفاء، وذكرٌ يرقق القلب ويصل الإنسان بسيرة خير البشر.
وحين نصلي على النبي ﷺ ينبغي أن نتذكر أن أعظم صور المحبة هي الاقتداء. فالمحب الصادق لا يكتفي بأن يذكر محبوبه، وإنما يحاول أن يسير على طريقه. وإذا أردنا أن نحتفل بمولد النبي ﷺ احتفالًا يليق بمقامه، فلنجعل من هذه الذكرى بدايةً لمراجعة أنفسنا: هل صدقت ألسنتنا؟ هل حفظنا الأمانة؟ هل أحسنا إلى جيراننا؟ هل بررنا والدينا؟ هل رحمنا أبناءنا؟ هل سامحنا من أخطأ في حقنا؟ وهل كان حضور الإسلام في سلوكنا أقوى من حضوره في كلماتنا؟
إن ذكرى المولد النبوي الشريف فرصة لتجديد العهد مع القيم التي جاء بها رسول الله ﷺ؛ عهدٍ مع الصدق والرحمة والعدل والعفو والصبر والتواضع وحسن الخلق. وهي مناسبة ينبغي أن تخرج منها القلوب أكثر حبًا للنبي ﷺ، والنفوس أكثر التزامًا بسنته، والمجتمعات أكثر ترابطًا ورحمة.
فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون، وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون، واجعلنا من أهل سنته، المحبين له، المقتدين بهديه، العاملين بأخلاقه، واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من حوضه شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




