ثقوب في المرآة.. قصة قصيرة

بقلم: إسراء محمد جعفر| مصر – الجيزة
في مساءٍ هادئ، وقفت فتاةٌ حسنةُ الوجه أمامإسراء محمد جعفر مرآتها كعادتها، غير أن ملامحها اضطربت فجأة حين وقعت عيناها على انعكاسها. بدا كل شيء كما هو، إلا وجهها؛ فقد غزته صدوعٌ عميقة، كأنها شقّت طريقها من أعماق روحها حتى ملامحها الرقيقة. قالت الفتاة باضطراب:
_ من… من أنتِ؟ ابتسم انعكاسها ابتسامةً هادئة، ثم قال:
_ أنا عيوبكِ. عقدت الفتاة حاجبيها في دهشة: _ عيوبي؟ أيُّ عيوب؟ قالت بصوتٍ ثابت:
_ أنا تلك العيوب التي حبستِها طويلًا خلف قناع الكمال. ارتفع صوت الفتاة وقد امتزج بالإنكار:
_ عن أي عيوب تتحدثين؟ أنا طيبة القلب، لا أؤذي أحدًا… فمن أنتِ حقًا؟ تنهدت العيوب، وأغرقت عينيها في عيني الفتاة قبل أن تسأل بهدوء:
_ هل أنتِ متأكدة؟ خانتها نظرةٌ مرتابة، لكنها سرعان ما تماسكت وقالت: _ نعم… متأكدة. ارتسمت على وجه العيوب ابتسامةٌ باهتة:
_ إذا كانت ثقتكِ بنفسكِ راسخة، فلماذا زلزلها سؤالٌ واحد؟ احمر وجه الفتاة غضبًا وقالت بحدة:
_ كيف تجرئين على مخاطبتي هكذا؟ وكيف لقبيحةٍ مثلكِ أن تكون جزءًا مني؟ أجابتها برفق:
_ أنا لستُ سوى الجزء الذي رفضتِ الاعتراف بوجوده. لستِ قبيحة، وإنما تحملين صدوعًا… وليس في البشر من خلا من الصدوع. والكمال لا يكون لمن يخفيها، بل لمن يراها ويتقبلها. قالت الفتاة بغضب:
_ أعرف نفسي حق المعرفة… يستحيل أن أكون أنتِ.
اقتربت العيوب، ووضعت كفها على سطح المرآة، فارتجف الزجاج ارتجافةً خفيفة، وقالت:
_ هذه ليست مرآةً للوجه… بل مرآةٌ للعالم. ترين فيها الآخرين بوضوح، ولكنكِ غفلتِ عن انعكاسكِ أنتِ. واليوم، حين نظرتِ إلى نفسكِ كما تنظرين إلى العالم، انتهى بصركِ أخيرًا إلى انعكاسكِ أيضًا، وأدركتِ أنكِ واحدةٌ من هذا العالم… لا استثناءً منه. ارتجفت أطراف الفتاة وانكمشت على نفسها كأنها تحاول الهرب من انعكاسٍ لا تستطيع كسره. كانت المرة الأولى التي ترى فيها نفسها بعينٍ لم تعتدها، فبدا لها كل صدعٍ كأنه جرح جديد ملتهب.
_ أنا قبيحة… لا تنظروا إليّ… ضمتها العيوب إلى صدرها وقالت بحنان:
_ بل أنتِ أجمل الآن… لأنكِ لأول مرة انتبهتِ إلى انعكاسكِ أيضًا. لستُ وحشًا يسكنكِ، بل رفيقًا يمنعكِ من أن تحملي نفسكِ فوق طاقتها. قالت الفتاة بصوتٍ خافتٍ مكسور:
_ لكنكِ جعلتِني أرى كم أنا قبيحة… ابتسمت العيوب، وأبعدت كفيَّ الفتاة عن وجهها، ثم رفعت رأسها نحو المرآة وقالت: _ حين تعرفين مواضع كسركِ، لن ترعبكِ الخدوش الصغيرة. وحين تدركين حدودكِ، لن ترهقي نفسكِ بمحاولة حمل ما لا تطيق. وحين تسقطين قناع الكمال، ستكتشفين أن من أحب القناع لم يحبكِ أنتِ، ومن بقي بعد سقوطه هو الجدير بقلبكِ. سيصير جمالكِ حقيقيًا؛ لأنكِ لن تبحثي عنه في أعين الناس، بل في سلامكِ مع نفسكِ.
حدقت الفتاة في انعكاسها طويلًا ثم اقتربت من المرآة وبدأت تتلمس انعكاس وجهها المتصدع وهي تهمس بشرود:
_ لطالما ظننتُ أن الكمال هو سكينةُ النفس، والثقةُ بها، وحبُّها، وأنه يجعلنا أهلًا لمحبة الناس… فكيف يمكن للصدوع أن تكون طريقًا إلى الكمال أيضًا؟ ابتسمت العيوب ابتسامةً مطمئنة وقالت:
_ لأنكِ كنتِ تبحثين عن صورةٍ كاملة، لا عن نفس مطمئنة. الكمال الذي طاردتِه كان يخشى الصدوع، أما الكمال الحقيقي فلا يخشاها؛ لأنه يعلم أنه جزءٌ من الحكاية، لا نهايتها. استرسلت العيوب بعد أن وضعت كفها على كتف الفتاة بتشجيع:
_ الكمال لا يولد من وجه بلا صدوع، بل من روحٍ لا تخجل منها. والثقة لا تأتي حين ترين نفسكِ بلا عيوب بل حين تكفين عن الهرب منها. ساد الصمت لدقائق كانت الفتاة تتأمل وجهها بهدوء ثم قالت بتساؤلٍ صادق:
_ ولكن… إن تقبلتُ عيوبي، ألا يعني ذلك أنني سأرضى بها؟، وربما تزداد عمقا أو تظهر صدوع جديدة؟ ضحكت العيوب بخفة ثم قالت بهدوء:
_ من يرى جرحه يستطيع مداواته، أما من ينكره فلن يفعل سوى إخفائه. تقبل العيب لا يعني حمايته، بل يعني أن تريه كما هو؛ فلا تضخمينه حتى تكرهي نفسك، ولا تصغرينه حتى تؤذي بها غيرك. فحين تتقبلينها، تبدأ بعض الصدوع في الإلتئام، وما لم تستطيعي معالجته سيتحول إلى جرح تعرفين كيف تعيشين معه، فلا يكون قادرا على قيادتكِ أو إيذاء من حولك.
_ أيمكنني سؤال شيئ آخر؟، ماذا إن رآني الناس كما أنا… بكل هذه الندوب، هل سيبقون؟ ابتسمت العيوب بدفئ:
_ من يرحل لأن القناع سقط، لم يكن يومًا معكِ. ومن يبقى بعدما رأى صدوعكِ، فهو الذي رأى وجهكِ الحقيقي، وهو الأجدر حقا برؤية جمالكِ. المرآة لا تصنع القبح… إنها فقط لا تجيد الكذب .


