
بقلم: عماد خالد رحمة | برلين
ليست اللغةُ في الأدب العربي وعاءً محايداُ للمعنى، ولا أداةً بريئة لنقله، بل كياناً دلاليّاً مركّباً، تتشابك فيه العلامة والتأويل، الظاهر والمضمر، القول وما يتوارى خلفه. ومن هنا يغدو فقه اللغة – بما هو وعيٌ عميقٌ ببنية اللفظ، وسياق الاستعمال، وتحولات الدلالة – مدخلًا لا غنى عنه لفهم النص الأدبي، لا سيّما حين يُقرأ في ضوء السيميولوجيا والهيرمينوطيقا معاً، بوصفهما أفقين متكاملين لا متعارضين.
1. فقه اللغة: من التقعيد إلى الدلالة الحيّة.
في التراث العربي، لم يكن فقه اللغة مجرد علمٍ تقنيٍّ يُعنى بالصوت والصرف والتركيب، بل ممارسةً فكريةً تلامس المعنى في حركته التاريخية والاجتماعية والبلاغية. فالخليل وسيبويه وابن جني لم يدرسوا اللغة باعتبارها نظامًا جامدًا، بل ككائنٍ حيٍّ يتشكّل بالاستعمال، ويتحوّل بالزمن، ويتكثّف في الشعر أكثر من أي جنسٍ آخر.
من هنا، يلتقي فقه اللغة مع التصور الحديث للغة بوصفها نظام علامات، لا تُفهم مفرداته بمعزل عن علاقاتها الداخلية وسياقاتها التداولية.
2. السيميولوجيا: النص بوصفه شبكة علامات
تتعامل السيميولوجيا مع النص الأدبي، ولا سيّما الشعري، بوصفه نسيجًا من العلامات: الصورة، الإيقاع، الاستعارة، الفراغ، الصمت، وحتى الانزياح النحوي—allها علامات لا تقل دلالة عن الكلمة ذاتها.
في الشعر العربي، لا تعمل العلامة عملها منفردة، بل ضمن اقتصاد دلالي دقيق، حيث تُنتج القصيدة معناها من خلال التوتر بين: الدال والمدلول/ الحضور والغياب/ المباشر والرمزي
فقصيدة الحداثة، على وجه الخصوص، لا تقول المعنى، بل تلمّح إليه، وتدفع القارئ إلى مشاركته إنتاج الدلالة، لا استهلاكها.
3. الهيرمينوطيقا: من شرح النص إلى إنصاته
إذا كانت السيميولوجيا تُعنى بـكيف يعمل المعنى، فإن الهيرمينوطيقا تُعنى بـكيف يُفهَم المعنى. إنها ليست تفسيراُ نهائيًا، بل حوارٌ مفتوح بين النص والقارئ، بين أفق الكتابة وأفق القراءة.
في الشعر العربي، يتجلّى البعد الهيرمينوطيقي في: تعدّد التأويلات/ انفتاح الدلالة على التاريخ والذات/ تداخل التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية
وهنا، لا يعود النص موضوعاً صامتاً، بل كياناً حيّاً، يُعيد تشكيل القارئ بقدر ما يُعيد القارئ قراءته.
4. الشعر العربي: ملتقى العلامة والتأويل
يبلغ التفاعل بين فقه اللغة، والسيميولوجيا، والهيرمينوطيقا ذروته في الشعر. فالشعر العربي- قديمه وحديثه – يقيم في منطقةٍ وسطى بين: الدقة اللسانية والانفلات الدلالي/ البناء العروضي/ والانكسار الإيقاعي/ البلاغة التراثية والرمزية الحديثة.
إن كلمةً واحدة في بيتٍ شعري قد تحمل أثرها الصوتي، وظلالها التراثية، وانزياحها المجازي، وأفقها الوجودي في آنٍ معًا. وهنا يصبح فقه اللغة أداة كشف، لا قيدًا، وجسرًا بين النص وقابليته اللامتناهية للتأويل.
5. نحو قراءة مركّبة للنص الأدبي
لا تُقرأ القصيدة العربية اليوم قراءةً مجدية إذا أُخضعت لمنهجٍ واحد. فالقراءة المنتجة هي التي:
تُفكّك العلامة (سيميولوجيًا) وتُصغي إلى معناها الممكن (هيرمينوطيقيًا) وتستند إلى وعيٍ عميق بتاريخ اللغة وتحولاتها (فقه لغويًا).. بهذا المعنى، يصبح النص الأدبي فضاءً تأويليًا مفتوحًا، لا يُستنفد، ولا يُختزل، بل يُعاد اكتشافه مع كل قراءة.
إن فقه اللغة، حين يتحرّر من وظيفته التقعيدية الضيقة، ويتجاور مع السيميولوجيا والهيرمينوطيقا، يتحوّل إلى أفقٍ نقديٍّ خلاّق، يُنقذ النص الأدبي من القراءة السطحية، ويعيد إليه عمقه الرمزي والوجودي. وفي الشعر العربي، على وجه الخصوص، لا يكون المعنى معطًى جاهزًا، بل حدثًا لغويًا يتجدّد، وعلامةً لا تكتمل إلا بتأويلها.


