
مجدي بكري | القاهرة
هذه ليست قصيدة عن بئر، بل مرثية أمومة معلقة بين السماء والطين. وقد اختار الشاعر أن يتقمص صوت الأم المفجوعة، وهذا أول مواطن الإبداع: “التشخيص الدرامي” . لم يصف الحدث من الخارج كمراسل، بل أسكننا داخل قلب يخفق في العتمة.
المفارقة المؤسسة للجمال:
يفتتح الشاعر العماني مسعود محاد جعبوب بصورة مدهشة: _”أيوب أمنية في البئر صارخة / لكنها أمل والقلب يعتصر”_
هنا يجمع بين الصراخ (الصوت العالي) والأمنية (الهمس الداخلي)، بين اليأس (يعتصر) والأمل. هذه الثنائية الضدية هي عمود القصيدة كلها: بئر حاقدة / رجاء في الله، ليل باكٍ / فجر منتظر. الشاعر لا يكتب عن الحادث، بل عن التوتر الوجودي بين الموت والرجاء.
موسيقى الحزن:
اعتمد الشاعر جعبوب بحر البسيط بروية متأنية، وجاءت القافية الرائية المضمومة (يعتصر، تنتظر، يصطبر، ينحدر) كأنها أنين ممتد. تكرار حرف الراء يمنح النص خشخشة البكاء المكتوم. والجميل أنه لم يسقط في المباشرة الصحفية رغم أن المناسبة خبرية (80 متراً، 40 سنتي)، بل حوّل الأرقام إلى مسافة روحية: _”والبعد منقطع”_.
صورة الأم الكونية:
أجمل ما في القصيدة تحويلها الأم الجزائرية إلى أم عربية جامعة:
_”في كل زاوية في البيض ساجدة / لله ضارعة تدعو وتنكسر”_
البيض (ولاية البيض الجزائرية حيث سقط أيوب) تصبح هنا محراباً كبيراً. السجود الجماعي، الانكسار لله، يحول المأساة الفردية إلى تضامن إيماني. ثم يبلغ الخيال ذروته في: _”والطير يحملني والجرح ينفجر”_، حيث تتماهى الأم مع الطير، تريد أن تطير إلى قاع البئر، صورة بدائية صادقة تكسر منطق الفيزياء بمنطق الأمومة.
الإيمان كخلاص جمالي:
لم يجعل الشاعر البئر هي البطلة، بل جعل الدعاء هو البطل المضاد: _”في الله راجية أيوب مورقها”_. تشبيه الطفل بالغصن المورق الذي سيعود للاخضرار، استعارة نباتية رقيقة في مواجهة قسوة “البئر الحاقدة”. والحقد هنا أنسنة ذكية للجماد، تجعل الصراع أخلاقياً لا تقنياً.
الخاتمة الاستشرافية:
ينهي الشاعر بالفرح المتخيل لا الواقع: _”والدار ضاحكة والركن مبخرها / والأخ يحمله والأم تنعطر”_
“تنعطر” فعل مبتكر، يجعل الأم عطراً يفوح فرحاً. هو انتصار الخيال الشعري على الخوف، ويترك القارئ معلقاً بين الدعاء والبشرى، وهي براعة في إدارة التلقي الوجداني.
الخلاصة:
نجح حعبوب في أن يكتب قصيدة مناسبة دون أن تكون مناسباتية عابرة، لأنه أمسك بالجوهر الإنساني الخالد: أم تنتظر، وطفل في الغيب، ورب يسمع. البلاغة هنا ليست في الزخرف، بل في الصدق الفني الذي جعل من 40 سنتي قطر بئر، اتساعاً لقلب أمة كاملة.

القصيدة
قصيدة الشاعر العماني مسعود محاد جعبوب عن الطفل الجزائري(أيوب) الذي سقط في البئر يوم الاربعاء .الذي حسب تقديرات فرق الانقاذ أن البئر الارتوازي يبلغ عمقه80مترا وسمك قطره حوالي40سنتي..على لسان امه المفجوعة على طفلها وانتظار فرج من الله ان يخرجه حيا وسالما.
……..
-أيوب أمنية في البئر صارخة/لكنها أمل والقلب يعتصر
-في طرف باكية شجن وثاكلة/ليلا ونائحة والفجر تنتظر
-الام فاجعة والبعد منقطع/
للجرح ساهرة والصبر يصطبر
-في الله راجية أيوب مورقها/الشوق محتبس والدمع ينحدر
-يومان ثالثها والليل رابعها/والطير يحملني والجرح ينفجر
-البئر حاقدة والسبل عاجزة/أيوب يا أملي والنفس تحتسر
-في كل زاوية في البيض ساجدة/لله ضارعة تدعو وتنكسر
-أرجو وبارقة في البيض ناجية/في البيد سابحة حتى إذا نشروا
-فرح ويتبعه خبر وتحمله/بشرى وراعدة والغيث ينهمر
-والدار ضاحكة والركن مبخرها/والاخ يحمله والام تنعطر




