المحسنات البديعية في أحاديث الرسول ﷺ ومقارنتها بالشعر العربي

أ. سعيد مالك| معلّم لغة عربية
تتميز السنة النبوية الشريفة ببلاغة رفيعة تجمع بين قوة المعنى وجمال اللفظ ودقة التعبير، فقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فكان يعبر عن المعاني العظيمة بألفاظ قليلة، واضحة، مؤثرة، سهلة الحفظ. ومن أبرز مظاهر الجمال في الحديث النبوي المحسنات البديعية، وهي الأساليب التي تزيد الكلام جمالًا وقوة وتأثيرًا، من غير أن تكون متكلفة أو منفصلة عن المعنى.
وتنقسم المحسنات البديعية إلى محسنات معنوية، مثل الطباق والمقابلة، ومحسنات لفظية، مثل الجناس والسجع. وإذا قارنا استعمال هذه المحسنات في الحديث النبوي بالشعر العربي، وجدنا أن الشعراء استخدموها لإبراز المعاني وتقوية الموسيقى الشعرية، بينما جاءت في الحديث النبوي بصورة طبيعية تخدم المعنى وتزيده وضوحًا وتأثيرًا.
أولًا: الطباق
الطباق هو الجمع بين لفظين متضادين في المعنى، مثل: الحياة والموت، الليل والنهار، الخير والشر. ومن أجمل الشواهد النبوية قول الرسول ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». نوع المحسن: طباق معنوي بين مفهوم القوة الظاهرة ومفهوم القوة الحقيقية، ويتضح التضاد في الانتقال من القوة الجسدية إلى قوة ضبط النفس.
موطن الجمال: إبراز المعنى وتقويته؛ فالرسول ﷺيصحح مفهوم القوة، ويجعل التحكم في النفس عند الغضب أعظم من التغلب على الآخرين. ومن الطباق أيضا قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
نوع المحسن: تكرار لفظي، مع القصر والتوكيد باستخدام «إنما».
فقد تكرر تركيب «إنما»، وتكرر لفظ «النيات / نوى»، مما يؤكد العلاقة بين العمل والنية.
موطن الجمال: تثبيت القاعدة في ذهن السامع، وإظهار أن قيمة العمل مرتبطة بقصده ونيته.
وهذا يوضح الفرق بين البلاغة النبوية والشعرية؛ فالشاعر قد يوظف التكرار لإثارة العاطفة أو تحقيق الإيقاع، أما الحديث النبوي فيوظفه هنا لتقرير قاعدة عظيمة من قواعد العمل .
ومن الشعر قول المتنبي:
فالعينُ تبدي في النعاسِ صبابةً
وتُخفي عن العُشّاقِ ما هو مُظهرُ
ويظهر في الشعر الجمع بين معانٍ متقابلة تخدم الفكرة، وإن كان الطباق في الشعر أكثر ارتباطًا ببناء الصورة الشعرية.
ومن الشواهد المشهورة في الطباق قول الشاعر:
يَسَرُّ الفتى ما كان يَحذرُهُ
ويُحزنُهُ ما كان يرجو ويأملُ
نوع المحسن: طباق بين يسرّ / يحزن، وبين يحذر / يرجو من جهة المعنى.
وهنا نلاحظ أن الشاعر يوظف التضاد لإظهار المفارقة، بينما يوظفه الحديث النبوي لإعادة تشكيل مفهوم القوة والسلوك الصحيح.
ثانيًا: المقابلة
المقابلة هي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابلهما على الترتيب. ومن الأحاديث التي يظهر فيها جمال المقابلة قول النبي ﷺ:«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير».
نوع المحسن: مقابلة معنوية بين القوي والضعيف.
موطن الجمال: توضيح الفرق بين حالتين، مع عدم إلغاء الخير الموجود في المؤمن الضعيف؛ ولذلك ختم الحديث بقوله: «وفي كل خير»، وهو تعبير يحقق الدقة والإنصاف.
ومن أشهر الشواهد الشعرية في المقابلة قول المتنبي:
أزورهم وسوادُ الليلِ يشفعُ لي
وأنثني وبياضُ الصبحِ يُغري بي
نوع المحسن: مقابلة بين سواد الليل / بياض الصبح، وبين أزور / أنثني.
موطن الجمال: إبراز المعنى من خلال التوازن بين صورتين متقابلتين، مما يمنح البيت جمالًا موسيقيًّا ومعنويًّا.
والمقارنة هنا تكشف أن المقابلة في الحديث النبوي تخدم الفكرة والتوجيه، بينما يستخدمها الشاعر غالبًا لبناء الصورة الشعرية وإبراز المفارقة.
ثالثًا: الجناس
الجناس هو تشابه لفظين أو أكثر في النطق أو بعض الحروف مع اختلافهما في المعنى، وهو من المحسنات اللفظية.
ومن الشواهد النبوية قول النبي ﷺ: «اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعطِ ممسكًا تلفًا».
نوع المحسن: جناس ناقص بين خلفًا / تلفًا.
موطن الجمال: التقارب الصوتي بين الكلمتين يجعل العبارة سهلة الحفظ قوية الإيقاع، وفي الوقت نفسه يبرز التناقض بين نتيجة الإنفاق ونتيجة الإمساك.
ومن الشعر قول المتنبي:
صَغُرَتْ عن المديحِ فقلتُ أمدحُها
وصَغُرَتْ عن المديحِ فقلتُ أمدحُها
ويكثر الجناس في الشعر العربي لإحداث إيقاع صوتي يجذب السامع. ومن أشهر أمثلة الجناس في الشعر قول أبي تمام:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ
في حدّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
نوع المحسن: جناس بين الحدّ / الجدّ، وهو جناس ناقص لاختلاف حرف.
موطن الجمال: إحداث تناغم صوتي بين الألفاظ مع اختلاف المعاني، مما يقوي العبارة ويجعلها أكثر رسوخًا في الذاكرة.
وبالمقارنة نجد أن الجناس في الحديث النبوي جاء لخدمة المعنى وترسيخه، بينما قد يكون في الشعر جزءًا من البناء الموسيقي للبيت.
رابعًا: السجع
السجع هو توافق أواخر الجمل في الحرف أو النغمة، وهو من المحسنات اللفظية. ومن الدعاء النبوي: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني». ويظهر في الأدعية النبوية عمومًا تناسق الجمل وتوازنها، مع المحافظة على وضوح المعنى وعدم التكلف.
نوع المحسن: سجع وتوازن في بناء العبارات.
موطن الجمال: إحداث نغمة موسيقية هادئة تساعد على الحفظ والتأثير النفسي، مع بقاء المعنى هو الأساس.
ويقارن ذلك بما نجده عند الشعراء في الأبيات ذات الإيقاع المتوازن، مثل قول المتنبي:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِ
هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني
فهنا يظهر حسن التقسيم والتوازن بين أجزاء البيت.
خامسًا: حسن التقسيم
حسن التقسيم هو تقسيم الكلام إلى أجزاء متوازنة في اللفظ والمعنى، بحيث يصبح أكثر جمالًا وسهولة في الحفظ.
ومن أجمل الأحاديث قول النبي ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
نوع المحسن: حسن تقسيم وتوازن لفظي.
موطن الجمال: جمع الحديث بين اللسان واليد للدلالة على أنواع الأذى القولية والفعلية، فجاء التعبير قصيرًا شاملًا.
ويقاربه في الشعر قول أبي تمام:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ
في حدّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
فقد بنى الشاعر عبارته على أجزاء متوازنة، مما أكسب البيت قوة موسيقية وبلاغية.
سادسًا: التكرار
التكرار هو إعادة لفظ أو تركيب لغرض بلاغي، كالتوكيد والتنبيه وترسيخ المعنى. ومن أشهر الأمثلة النبوية قول الرسولﷺ:
«ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور».
نوع المحسن: تكرار لفظ «ألا».
موطن الجمال: التنبيه الشديد إلى خطورة قول الزور وشهادته، وترسيخ التحذير في نفوس السامعين.
والتكرار من الأساليب التي استخدمها الشعراء كذلك، ومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:
لا بقومي شُرِّفتُ بل شُرِّفوا بي
وبنفسي فخرتُ لا بجدودي
ويظهر في البيت تكرار بعض البنى والأساليب لتحقيق التوكيد وتقوية المعنى.



