
هبة بنداري | كاتبة وناشرة مصرية
أنا من الذين يصرّون كل عام على المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، رغم أنني أعرف مسبقًا أن المشاركة قد لا تحقق لي ربحًا، بل إنني أخسر في بعض الدورات.
ومع ذلك كنت أقول دائمًا:
وجود دار واو في معرض الكتاب ليس تجارة فقط… إنه حضور، واسم، وثقة، وانتماء إلى صناعة الكتاب.
لكنني هذا العام وجدت نفسي أمام سؤال مختلف:
إلى متى يستطيع الناشر الصغير أو المتوسط أن يستمر في دفع ثمن هذا الحضور؟
القضية لم تعد مجرد ارتفاعٍ متواصل في إيجار الجناح عامًا بعد عام، بل أصبحت تتعلق بمدى جدوى المشاركة من الأساس.
فضلًا عن تكاليف النقل والشحن والعمالة والخدمات الأخرى. وقد عبّرت دور نشر صغيرة بالفعل عن أن المبيعات لم تعد تغطي هذه المصروفات.
والآن، مع اقتراب معرض ٢٠٢٧، الأسعار أعلى كالمعتاد المواقع المميزة، على سبيل المثال “٦٧ ألف جنيه” لجناح ٩ أمتار.
وهنا أتوقف.
المشكلة تبدأ عندما تصبح الأماكن الأكثر ظهورًا متاحة لمن يستطيع دفع ثمنها، بينما يُترك عدد كبير من الناشرين للمنافسة على الأماكن المتبقية من خلال القرعة.
فالقرعة تكون عادلة عندما تكون كل الفرص المتاحة متقاربة في طبيعتها.
أما إذا كانت أفضل المواقع قد خرجت أصلًا من نطاق القرعة، وأصبح من يملك القدرة المالية يستطيع اختيار المكان الذي يمنحه أفضل فرصة للظهور، بينما يدخل الآخرون قرعة على الأماكن المتبقية.
فهنا يصبح من حقنا أن نسأل:
هل ما زالت القرعة تحقق تكافؤ الفرص بالمعنى الذي نحتاجه في معرض قومي للكتاب؟
أنا لا أقول إن هناك تعمدًا لإقصاء أحد، ولا أتهم أحدًا بالتمييز.
أنا أتحدث عن نتيجة اقتصادية محتملة لنظام التسعير وتوزيع المساحات.
والنتيجة التي يخشاها كثير من الناشرين واضحة:
أن يبدأ الصغير بالانسحاب.
ثم يقل عدد إصداراته.
ثم يتوقف عن المغامرة في نشر كتاب جديد.
ثم يكتفي بإعادة طباعة ما يضمن له قدرًا من الأمان.
ثم يغلق أبوابه في النهاية.
وهنا لا نخسر ناشرًا واحدًا فقط.
نحن نخسر كاتبًا كان يمكن أن يُكتشف، ومترجمًا كان يمكن أن يقدم مشروعًا مهمًا، ومصممًا ومراجعًا ومدققًا ومطبعة وعاملًا في منظومة كاملة تعيش من صناعة الكتاب.
صناعة النشر لا تقوم على كبار الناشرين وحدهم.
بل إن قوة أي صناعة حقيقية تقاس أيضًا بقدرتها على أن تخلق مساحة للصغير والمتوسط حتى يكبر.
الصغير ليس عبئًا على الصناعة… الصغير هو مستقبلها المحتمل.
ولهذا فإن دعم الناشر الصغير ليس منحة ولا مجاملة.
إنه استثمار في استمرار صناعة النشر نفسها.
نحتاج إلى دراسة الأسعار ليس فقط باعتبارها تكلفة إيجار للمتر، وإنما باعتبارها جزءًا من اقتصاد كامل يواجهه الناشر:
طباعة، ورق، تصميم، تحرير، مراجعة، شحن، تخزين، عمالة، تسويق، وخصومات البيع.
فالناشر لا يدخل المعرض بجناح فارغ ثم يخرج بأجرة الجناح فقط.
هو يدخل محمّلًا باستثمارات سبقت المعرض بأشهر.
والكتاب نفسه أصبح أكثر تكلفة على القارئ، بينما قدرة القارئ الشرائية لها حدود.
فإذا ارتفعت تكلفة الإنتاج، وارتفعت تكلفة المشاركة، ثم أصبح على الناشر أن يبيع بسعر يستطيع القارئ تحمله، فمن أين سيأتي هامش الاستمرار؟
نحن لا نريد معرضًا بلا كبار الناشرين.
بل نريد الكبير والصغير والمتوسط جنبًا إلى جنب.
نريد أن يرى القارئ عشرات التجارب ودور النشر، لا أن يصبح المشهد تدريجيًا أكثر تركيزًا في يد القادر ماليًا فقط.
فالمعرض ليس مجرد سوق لبيع الكتب.
إنه مرآة لصناعة النشر المصرية.
وإذا بدأت هذه المرآة تعكس فقط من يستطيع تحمل تكلفة الظهور، فسوف نفقد جزءًا مهمًا من التنوع الذي يجعل صناعة الكتاب حية.
أنا أقول هذا الكلام وأنا واحدة من الناشرين الذين أصروا لسنوات على المشاركة رغم الخسارة.
فإذا كان الناشر الصغير يخسر كل عام لكنه يصر على الوقوف في معرض الكتاب حبًا في المهنة وإيمانًا بالكتاب، فلا تجعلوا قدرته على الاستمرار مرتبطة كل عام بقدرته على تحمل زيادة جديدة.
دعم الناشر الصغير ليس دعمًا لشخصه.
إنه دعم للكتاب.
ودعم الكتاب ليس ترفًا.
إنه دعم للعقل والوعي والثقافة ومستقبل صناعة كاملة.
ولذلك أتمنى أن يكون السؤال في معرض القاهرة الدولي للكتاب ليس فقط:
كم سيدفع الناشر مقابل جناحه؟
ولكن أيضًا:
كيف نضمن أن يظل الناشر قادرًا على العودة في العام التالي؟
لأن نجاح المعرض الحقيقي ليس في امتلاء الأجنحة فقط…
بل في ألا نفقد أصحاب الأجنحة عامًا بعد عام.





