قهوة نور

بقلم: مريم الكحيل
كانت الريح وحدها تعرف اسم العزلة، وكانت “قهوة” تحرس صمت البيت الخشبي.
الجدران هناك لم تكن تحصي السنين، بل كانت تئن بثقل الوجع الموروث؛ السقف سحائب رمادية لا تفرغ إلا عواءً، والأرضية خشبٌ تشقق من فرط ما ابتلع من أقدام غائبة . عينا البنيّة كانتا تشبهان حبات القهوة تماماً: حادتين، داكنتين، تحاربان النوم كل ليلة على حافة الموقد.
لا أمّ سمتها هكذا، ولا أباً تلوّن بصوتها؛ وحدها الريح العابرة في ليلها الأول أطلقت عليها هذا الاسم حين سمعت قلبها يغلي وحيداً في العتمة.
في السابعة، انطفأ جسد الأم بين ذراعيها كشمعة مهملة. وفي الثانية عشرة، ودّعت الأب إلى النهر، فرجع الماء وحده ولم يرجع. ومن يومها، تدرّبت الطفلة على لغة الخشب الحارق؛ تخرج في الفجر الموحش لتجمع الحطب، وكل جذع كانت تلقيه في النار كان وجهاً لحكاية منسية: عظمة جوع قديمة، عواء ذئب نابه قريب، أو نقش باسمها على لحاء شجرة عتيقة عاجلتها بالمسح قبل أن يقرأه غريب.
نسيت كيف يُلقى السلام دون أن ترتجف الشفاه. لكنها أتقنت لغة الأوراق الميتة ونحيب الشجر.
وكل ليلة، كانت تفعل طقسها المقدس؛ تضع فنجانين على الطاولة الخشنة.
واحد لها. والآخر للظل الذي لم يعبر الباب قط.
كانت تنقر بأصابعها الباردة على حافة الفنجان الفارغ وتهمس للريح: “اشرب قبل أن يبرد.. الوحدة تبرد أسرع من القهوة.”
مضت سنون. استقام ظهرها كجذع بلوط، وتقست روحها كقشرة الجوز. كانت تحدث نفسها كلما اشتد المطر: “الغابة هي الحصن الوحيد، والناس خراب.” وأقسمت بألا تمدّ يداً لطارق.
لكن الخريف، ذلك العام، كان أكثر شراسةً من المعتاد.
ثلاث طرقات خشنة على الخشب.
اهتزت لها ركائز البيت القديم وكأن الأرض تشتكي.
فتحت الباب بمقدار شقّ عينٍ مرتابة.
رأته: كائناً مبتلاً، منهاراً، ترتجف أطرافه تحت المطر، وعيناه… لم تكن عيون الصيادين الطامعين، بل كان فيها ذات الانكسار المنسكب في سقف بيتها.
قالت بصوت نحته الصمت:
– ارجع من حيث أتيت.
ردّ بصوتٍ يكاد يبتلعه الرعد:
– لا أملك شيئاً لأرجع إليه.. وإن عدت، سأموت.
وقفت طويلاً.. طويلاً جداً. عشرون عاماً من الجدران المغلقة كانت تتهاوى في ثوانٍ بين أظافرها المرتجفة. جذبت الباب إلى وسعه وقالت ببرود مصطنع:
– ادخل. لا تلمس شيئاً.. ولا تسأل.
جلس بالقرب من الموقد. كان البخار يتصاعد من ثيابه المبللة كأنما تخرج روحه المعذبة مع كل شهيق. لم يتكلما ليلتها. ملأت فنجانين؛ شربت من أولها، وامتدت يده المرتجفة فشرب من الثاني.. دون أن يعي.
في الصباح، وجدته خارجاً يقتفي أثرها وهي تجمع الحطب. حمل عنها العبء؛ دفعت يده باعتراض خفيف، لكنها تركت الحطب في كفيه بالنهاية.
مرّت أيام ثقيلة من الحذر والصمت المشترك. وفي مساءٍ ما، بينما كانا يشهدان رقصة النار، انكسر جدار العزلة حين سألها بصوت خافت:
– لماذا يبدو هذا البيت محموماً بالوجع؟
نظرت إلى الجمر المشتعل وأجابت ببطء:
– لأنه الشيء الوحيد الذي لم يخني قط.
ابتسم ابتسامة شاحبة ومكسورة:
– أما أنا.. فقد هجرني الوجع، فصرتُ أبحث عنه.
لم ينقلب الحال بغتة، بل تسرّب الدفء كالمطر الخفيف. صار “نور” يصلح السقف المكسور بصمت، وصارت “قهوة” تراقبه بحذر وهي تعلمه كيف يفرق بين عواء الريح وأنفاس الخطر. وحين زرع قريباً من النافذة زهوراً برية باهتة، قالت محذرة:
– الزهور لا تعيش هنا.
فرد بلا تردد:
– فلنمت معها.. ولكن ونحن نبتسم.
في ليلة كادت العاصفة أن تقتلع خشب الباب العتيق، تفككت دفاعات السنين الأخيرة؛ ارتمت في حضنه كمن يتسلق جرفاً واكتشفت للمرة الأولى أن الخشب الجامد لا يدفئ.. وأن البشر، أحياناً، وطن.
تغير شكل الفنجان الثاني. لم يعد فارغاً، ولم تعد النار توقد لغريب.
صار البيت يُبنى ببطء من جديد؛ لا من شظايا اليأس، بل من قهوتين متلاصقتين، من ضحكات تتأجل طويلاً ثم تتدفق، ومن أصابع تتشابك بخشوع عند عبور النهر الهائج.
في أواخر الخريف، وقفا معاً أمام عتبة الباب. الخشب بقي عجوزاً، لكنهما نقرا بسكينٍ على العتبة اسمين متجاورين:
(قهوة .. نور)
نظرت إلى الأفق الممتد وقالت بصوت أشبه باليقين:
-كنت أحسب الغابة سجناً أبدياً.
فأمسك كفها وقال:
-كنت أحسبني هارباً.. لكننا كنا على موعدٍ دقيق مع القدر.
ومنذ ذلك اليوم..
لم تعد الغابة بعيدة في أطراف العالم، بل صارت منتصفه تماماً؛ النقطة الوحيدة التي يلتقي فيها وجعان، فيُشعلان ناراً لا تطفئها كل عواصف الأرض.



