سياسة

تطوّر الخطاب الديني و تأثيره في الأجيال

بقلم : مليكة الحامدي

حين كان الكلام وسيلة التواصل الأولى .. أدرك أهل العلم أنّ الصوت ليس مجرد أداة لنقل الأفكار، بل وسيلة فاعلة في ترسيخها و التأثير في المتلقّين .. فاعتنوا بأدائه و نوّعوا نبراته و استثمروا إيقاعه في إيصال المعنى حتى غدا الخطاب وسيلة مؤثّرة لنشر المعرفة و توسيع دائرة التلقّي .

و لعلّنا نلحظ ذلك في بعض أنماط الخطاب الديني المصري .. حيث يتداخل التلحين مع الكلام ، و تتفاوت طبقات الصوت ارتفاعاً و انخفاضاً ، فيغدو الأداء أقرب إلى الإيقاع الذي يستميل الأسماع و يعين على الحفظ و يستثير الانفعال و يمنح الفكرة قدرة أكبر على النفاذ إلى الوجدان .

غير أنّ الخطاب مع مرور الزمن لم يبقَ بمنأى عن التحوّلات السياسية و الاجتماعية .. إذ تسلّلت السياسة إلى بعض مساراته فتغيّرت نبرته ، و تبدّلت أولوياته ، و أصبح في بعض صوره أقرب إلى التعبئة و التوجيه منه إلى التعليم و التزكية ، و غدا تأثيره مرتبطاً أحياناً بقدرة المتحدث على استمالة الجمهور لا بعمق الفكرة و صوابها وحدهما .

و مع تطوّر وسائل الاتصال دخل الخطاب مرحلة جديدة .. إذ لم يعد الصوت وحده حامل الرسالة ، بل باتت الصورة و المؤثرات و سرعة تدفّق المعلومات عناصر أساسية في تشكيله .. و هنا أخذت بعض أنماطه تميل إلى الأداء النمطي الآلي الذي تتدفق فيه المعلومات ببرود و تتراجع فيه حرارة التفاعل الإنساني و يصبح المتلقّي أمام كمّ من الرسائل المتلاحقة لا يملك دائماً الوقت الكافي للتأمل فيها أو تمحيصها .

و لعلّ التحوّل الأعمق لا يكمن في تغيّر وسيلة الخطاب بقدر ما يكمن في تغيّر العلاقة بينه و بين المتلقّي .. فالأجيال التي اعتادت الإصغاء و التلقّي المباشر قد تتأثر بإيقاع الصوت و حضوره بينما تنشأ أجيال أخرى وسط الشاشات و الصور المختصرة فتختلف طرائق انتباهها و استجابتها و تصبح أكثر عرضة للتشتّت ما لم تجد في الخطاب ما يجمع بين وضوح الفكرة و عمق المعنى و حيوية العرض .

إنّ الخطاب الديني ليس مجرد كلمات تُقال ، و لا أصوات تُتقن ، بل مسؤولية في بناء الوعي و تشكيل الوجدان .. و مهما تطوّرت أدواته فإن قيمته الحقيقية تظلّ رهينة صدق مضمونه و سلامة مقصده و قدرته على مخاطبة العقل و إيقاظ الضمير لا استثارة العاطفة وحدها . فليس كلّ ما يحرّك المشاعر يرسّخ الإيمان ، و ليس كلّ ما يُحفظ يُفهم ، وليس كلّ ما يُبهر الأسماع يترك أثراً باقياً في النفوس .

ولعلّ التحدّي اليوم هو أن نستعيد للخطاب الديني روحه الإنسانية من غير أن نتنكّر لمقتضيات العصر .. خطاباً يُحسن مخاطبة الأجيال بلغتها دون أن يفرّط في ثوابته ، و يمنحها ما يستحق التأمل لا ما يكتفي بجذب الانتباه؛ لأنّ الغاية ليست أن نصنع مستمعاً منبهراً .. بل إنساناً واعياً يفهم ما يسمع و يمحّص ما يتلقّى و يترجم ما يؤمن به إلى سلوك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى