الماء والطير دالَّان لدى محمد عبد الستار الدش

د. عبد الحكم العلامي
يعدُّ الشاعر “محمد عبد الستار الدش” أحد منتسبي ما يعرف بجيل الثمانينيات، ذلك الجيل الذي حاول أن يقبض على جمرة الشعر متوهجة نشطة بعدما نالها ما نالها من خفوت تمثل بداية على يد ما يعرف بجيل الستينيات الذي ظلَ محاذيًا لتجارب الرياديين الأوائل في حركة التحديث الشعري في مصر، وتمثل هذا الخفوت بشكل مغاير مع ما يعرف بجيل السبعينيات على الرغم مما أحدثه هذا الجيل من حراك لا يمكن إغفاله، ولكنه أغرق العديد من تجاربه في متاهات التنظير والتجريب والتغريب الذي أغلق طرحهم الشعري على نفسه مبتعدًا عن القضايا الملحة للقارئ مما جعله ينأى هوالآخر بنفسه عن مثل هذا اللون من الشعر متجهًا إلى ألوان أخرى من الكتابة كالقصة والرواية على سبيل المثال، غير أن هذا الجيل ـ أعني جيل الثمانينيات ـ الذي ينتمي إليه شاعرنا فنيًا وموضوعيًا قد أعاد للشعر بريقه بعد أن خلَصه من تلك المتاهات سالفة الذكر، محمد الدش الشاعر ظل مستمسكًا مع العديد من أقرانه بعرى القصيدة محافظًا على مقاصدها ذات المنزع الفني والموضوعي على السواء، ولم يغير مساره هذا فيما قدمه لنا من تجارب شعرية بعكوفه على جماليات ومعارف وعرفانيات لا تخطئها عين، هذا وقد أصدر على أثر تجربته سالفة الذكر العديد من الدواوين التي منها ديوانه هذا ” من أغاني الطمي” (1) الذي نحن بصدد استجلاءِ بعضٍ من مناحيه الفنية والموضوعية والجمالية ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وربما يكون من نافلة القول في ما يخص الشاعر محمد الدش أنه على الرغم من أن العديد من أبناء جيله تحول البعض منهم إلى الكتابة فيما يعرف بقصيدة النثر، إلا أنه ظل مخلصًا للإيقاع الشعري حسب خطة الخليل بن أحمد، وهو ما اصطلح على تسميته بشعر التفعيلة، إضافة إلى أنه آثر أن يقود لغته وقصائده بحكمة واقتدار جعل هذه اللغة قريبة من الذائقة الفطرية للقارئ بعد أن حافظ على حيوية تلك اللغة وأنساقها وسلامة تراكيبها وتدفقها بعيدًا عن المعاظلات والنبو بعد أن خطى بها ومعها على وهاد تجربته ونجادها محافظًا على اتزانه ، ونفاذ خطاه!

ومحمد الدش من القلائل في جيله الذين ظلوا متمسكين ببقائهم بعيدًا عن صخب العاصمة ومعاركها التي لاطائل من ورائها، وظل على بقائه هنالك حيث الحقول التي احتضنت خطاه، والأشجار التي وافته بظلها، والنخيل الذي منحه تمره، والطيور التي شاركته تغريده، والناس الطيبون الذين هو واحد منهم، وهم له ومنه، كما أنه أبقى على قيمه ونقاء سريرته / قيمه التي درج عليها / قيم التسامح، والتلاطف، والبشاشة، والحبور مما أخذ بيده إلى إثبات كينونته الإنسانية شامخة مترفعة، يقول في قصيدته “شموخ” التي قسمها إلى موقف غير مرقوم، وثلاث مقاطع أخريات مرقومات، تلك القصيدة التي أراها واسطة عقد ديوانه هذا، وجوهرة دواله، ومدلولاته التي ستتجلى على شبكات الدوال الأخرى دافعة لها وهادية لخطاها:
تجيئين شامخة كالنخيل
وتلقين تفاحة في يديَّ
فأرفعُ عينيَّ
يأخذني الموج فيكِ
فأبحرُ
هذا الهواءُ المعتَّقُ
يغري بغير الفرار
النهارُ يشاغلني بالفخامةِ
والسائرون أمام المهابةِ
لا ينطقون
تجيئين في كفِّكِ الشمس
تلقينها في فؤادي
وتبتسمين
فتأخذُ يمناي فصلَ الخطابِ
ويسراي غُصنًا
وأمضي
الديار على رسلها تتهادى.
إن المكونيين الرؤيوي والدلالي في هذا الموقف يستقيمان على أعمدة ثلاث قوامهم: الشموخ / شامخة كالنخيل, والفخامة / يشاغلني بالفخامة, والمهابة / أمام المهابة, وهذان المكونان بتوابعهما الثلاث يتلاقيان ـ فيما أحسب ـ في مكون واحد يتمثل في الذات الشاعرة التي لا تبدو منقسمة على نفسها هذه المرة, وإنما تعمل في وفاق تام تلتئم فيه بذاتها الحقة ذلك أن الإنسان في أقل تناقضاته يعمل في معية ذاتين: ذات زائفة يتعامل بها مع الآخرين من أجل النجاة من حبائلهم, وذات أخرى حقة يلتقي فيها بوجوده الحق أيضا بعيدا عن مضايقات حبائل الآخرين سالفي الذكر حينما يتراءى ذلك الوجود الحق في الذات الإنسانية التي يمثلها الشاعر هنا وهو يعمل من خلال قوانينه هو ممتثلا لمشيئته التي يُرى عليها, وإرادته التي يتحرك على بينة منها / قلت إن الشاعر يلتئم هنا بذاته المتحدة لا المنقسمة التي تم توصيفها آنفا, ولذا فإنه هو الذي يتلقى: تجيئين شامخة كالنخيل, وتلقنين…” ثم تجيئين في كفك الشمس, تلقينها…” وهو الذي يرسل في اللحظة نفسها: فأرفع عيني… فأبحر… فتأخذ يمناي…, ويسراي غصنا, وأمضي” على هذه الحال ـ وكما هو باد هنا ـ يقف الشاعر أو الذات الشاعرة شامخة هكذا تزينها الفخامة, والسائرون لا يلوون على شيء سوى أنهم ينساقون وراء هذا الشموخ تتقدمهم المهابة / أمام المهابة / المهابة التي تمثلت هنا وهي على مرأيين : مرأى المرسل, و مرأى المرسل إليه في لحظة واحدة فيما يُزكي ما ذهبنا إليه من أن ذات الشاعر هنا ذات إنسانية تجاوزت الانقسام وعملت حرة طليقة تقبض وحدها على الفعل وإحداث الأثر, والشاعر في هذه اللحظة يقدم لنا مقترحا ماهويا إنسانيا بعيدا عن الماورائيات والفلسفات ، وربما يكون من المناسب أن نتوسل هنا بما يراه “د محمد زيدان” حينما يقرِّب بين رؤية الشاعر، و رؤية الفيلسوف “فالفلسفة تحاول الوصول إلى إجابات شاملة عن أسئلة وجودية تنجم عن ثقافة العصر الذي يمثله النسق في الفكر والفلسفة ، إنها حوار بين الإنسان والمطلق ، وانطلاقة روحية ترصد علاقة الوجود بالفعل, وتجعل من الشكل جزءا من فعل العقل هذه الفكرة في حاجة ماسة إلى أن تصبح نوعا من الميثاق العقلي للواقع المعاصر, أما السرد في الواقع و في النص الأدبي بصفة عامة والشعر بصفة خاصة فإنه لا يقدم شكلا معرفيا, ولا موضوعا علميا بقدر ما يقدم ما يسميه البحث بـ : المعرفة الجمالية.” (2)
المعرفة الجمالية إذن هي ديدن النصوص الأدبية بوجه عام، وفي الشعر على وجه الخصوص, فالشاعر لا يسعى إلى اقتناص إجابات للأسئلة التي يطرحها كما في الفلسفة مثلا ، و إنما يتم طرح الأسئلة لديه من أجل تحفيز المدارك المتنوعة والمتشابكة لدى الإنسان سواء كانت هذه المدارك علمية منظورة قريبة المنال, أو معرفية عرفانية ذوقية بعيدة المنال لا تلوي على شيء سوى السعي و المحاولة لا من أجل الوصول الذي تختفي معه لذتا المحاولة و السعي, وإنما تصبح المحاولة والسعي وبذل الجهد الوسيلة والغاية في اللحظة نفسها, يقول محمد الدش في المقطعين المرقومين بواحد واثنين المعنونين بـ “المياه والطيور” من القصيدة نفسها:
تراود عن نفسها المتعبين
فيطلبها الأشقياء
ويهملها الطيبون
الجنون/الجنون
الشقوق تراقصها
والسهول تغلِّق أحضانها
أي نبت يجئ؟!
في المرقوم الأول المسمى بالمياه يتجلى ذلك الأكسير الذي هو سر أسرار الوجود, أتحدث عن الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي, وكما هو باد لنا سنكون على وفاق مع ما يسمى بشعرية الماء تلك المقولة التي أضحت مصطلحلا نقديا وفلسفيا في الآن نفسه, نكون بصدد ما يعرف بهذه الشعرية بوصفه ـ أي الماء ـ ليس فحسب سرَّ أسرار الوجود, وإنما بحسبانه رمزا ودالا فاعلين في النص الأدبي بوجه عام, و في الشعر على وجه الخصوص ، يستخدمهما الشاعر كرافدين ناجعين لإنتاج الخيال الذي تتولد منه الصور بجمعه بين المتناقضات عن طريق احالتها إلى توافقات تعمل جاهدة على توفير الدلائل المتوخاه, والرسائل المرتجاة ، فالمياه التي تراود عن نفسها المتعبين, يطلبها الأشقياء ويهملها الطيبون ذلك التناقض الذي يبدو للنظرة العابرة لونا من ألوان الجنون: الجنون/الجنون, على حد قول الشاعر, غير أن المادة الحية والفاعلة التي ينتجها الخيال هنا ، ويقود بها شبكة الدوال لتمارس عملها في هذا الموقف, تتجه إلى إنتاج مسارات أخرى للعمل قوامها الشقوق التي تتراقص, والسهول التي تغلِّق أحضانها, وهنا يباغتهما الشاعر ـ أي الشقوق والسهول ـ بهذا السؤال الذي يضعهما أمام مصائرهما المحتومة وغاياتهما المسرفة في البوار فـ: أي نبت يجيء؟!, فيما يشي بمقارعتهما ، ووضعهما وجها لوجه أمام خياراتهما التي تعمل فيما يبدو مناوئة لسنن هذا الكون الذي صيغ من أجلهما بمائه وشجره وطيره بغية إعماره, وبقاء نسل الإنسان عليه ! وهنا يتم عمل الخيال والرمز بنشاط بحيث نقف أمام حقيقة تسري في مادة هذا الموقف/ تسري بحيث نكاد نلتقط أثرفعلها بسهولة ذلك الذي يتمثل ـ كما هو حادث هنا ـ في المنح الذي يوفره الماء, والنكران و الجحود اللذين يتمثلان في مراوغة الشقوق / الشقوق تراقصها” والسهول التي تغلِّق أحضانها / والسهول تغلِّق احضانها” فأي نبت يجيء إذن, أي نبت يجيء؟ سؤال يتفجر معنا هنا ليضع أيدينا على مكمن الداء الذي يتمثل في الإنسان, نعم الإنسان وليس شيئا سواه ذلك الذي يقابل المنح والعطاء اللذين تم تيسيرهما له ، بالنكران والجحود, وهذا ديدنه في كل وقت وحين إلى حين!
وهنا نصل إلى المرقوم الثاني المسمى بـ “الطيور” الذي يتحدث فيه الشاعر هكذا:
تسرُّ
تضرُّ
وقد لا يكون لها أثر في الوجود
تعيش على سعيها بين حب الوصول
وخوف الضياع
وليس لأفراخها غير حلم بمنقار أم
تدسُّ الطعامَ, وشيئًا من المرح العائلي
الدَّوار / الدَّوار
الطيور تبدِّل أشكالها
والفضاء يروِّج أفعالها
فاستطالت
نعيبًا / نعيقًا
فأيُّ جمال يكون؟!
الخيال كما فات ، وكما هو آت / الخيال وليس سواه هو الذي يمكنه الفعل والإحداث بحسبانه القادر الوحيد على التفكيك والتركيب, والدمج والمزج, وتحالف المتناقضات بغية إنتاج الصور في الأدب عامة, وفي الشعر خاصة, وربما يكون من اللائق لي هنا أن أستدعي كلاما لـ : د شاكر عبدالحميد يتحدث من خلاله على أنه ” توجد جذور الأدب الخيالي الحديث في الأساطير القديمة والملاحم البطولية الوسيطة, والحكايات الخرافية, فالأدب الخيالي الحديث, الذي نعني به أدب القرن العشرين ، وبداية القرن الحادي والعشرين, أدب ليس حديثا في جوهره, أدب لا يتفق مع الحداثة المكرسة للعقل والعلم فقط, فهو أدب يعود إلى الأساطير والحكايات الخرافية والملاحم البطولية وكل ما هو قديم, ويجد فيها ملاذه.” (3) فالطيور التي شهدنا حضورها فيما نحن بصدده من هذا الموقف ، تتسم بتجذرها الإسطوري في معارف الإنسان، وعرفانياته على حد سواء, فقد اتخذت الطيور مكانتها المرويَّ عنها في الأساطير القديمة بحسبانها رمزا للقوة والرغبة في التحرر من أثقال الجسد خاصة ما كان منها في العرفان الصوفي لدى فريد الدين العطار في منطق الطيرعلى سبيل المثال, أو ما كان منها ـ أقصد الطيورـ في طائر الفينيق الذي يعدُّ رمزا عالميا للخلود والتجدد بإعادة بعثه من الرماد… إلخ.
والطيور عند محمد الدش ـ كما هو ماثل في الموقف الذي نحن على بينة منه ـ تسرُّ، وتضرُّ نعم هي كذلك ولم لا فمنها الطيور الجوارح التي تتربص بصيدها وتفتك به, ومنها الحمائم التي هي رمز للسلام والمحبة بين بني البشرعلى هذه الأرض, وهي في كل أحوالها: تعيش على سعيها بين حٌبِّ الوصول, وخوف الضياع” على حد قول الشاعر, وبقوله هذا نكون قد وضعنا أيدينا ـ إلى حد بعيد ـ على رمزية الطيور لديه, تلك الرمزية التي تتمثل فيما ينتظر هذه الطيور من مصائر / الوصول أو الضياع / الوصول الذي يعني المساكنة والالتئام بمن تحب فيحدث الحبور, أو الضياع الذي يشير إلى الهلاك وملاقاة المصائر المحتومة, تلك المصائر التي تقود في نهاية الأمر إلى الموت والفناء / إنها رحلة شبيهة تماما برحلة الإنسان على هذا الكوكب, فهي ـ أي الطيورـ لا تلوي على شيء جراء هذه الرحلة القائمة بين بينين / بين الرغبة في الوصول, وبين خوف الضياع، سوى تحقيق حلم أفراخها في النهاية “بمنقار أم تدسُّ الطعام, وشيئا من المرح العائلي” هكذا في رحلة أبدية شاقة ومكلفة، ما إن ينتهي شوط فيها, حتى يبدأ شوط آخر جديد ، وهكذا دواليك: الدوار / الدوار!
وفي المرقوم الثالث من القصيدة نفسها المعنون بـ”الحياة” يتحدث الشاعر على هذا النحو :
لها منطقُ العيش
من يأكل الشهدَ فيها،
ومن يشرب المرَّ،
والآخرون على حبلها.
يلعبون.
يغنون ليلى.
وليلى تُنشِّف ريق الجميع.
فهل نستسيغ طريقتها في الغرام؟
يطيرُ الحمام.
وقد لا يحطَّ.
على الرغم من أن عنوان القصيدة التي نحن بصدد محاورتها جاء منكرا هكذا ” شموخ” إلا أن مكوناتها جاءت معرفة بالألف والام ك : المياه/ الطيور/ الحياة، وبما أننا على موعد مع مكون الحياة فيها ـ أعنى هذه القصيدة ـ التي هي نتيجة لعمل المياه ، وفعل الطيور، فالماءُ ـ كما هو متعارف عليه ـ جعل الله تعالى منه كل شيء حي، ولكن أية حياة تلك التي يريد الشاعر أن يقذفنا فيها، هل هي حياة الكد والشقاء وبذل الجهد، أم هي حياة الدعة والاسترخاء، والركون إلى المصائر أيًا ما كانت هذه المصائر؟ ليغلق الشاعر علينا هذه المتاهة من الأسئلة مجيبًا أو كأنه يجيب هي حياة: لها منطق العيش، من يأكل الشهد فيها، ومن يشرب المرَّ” إذن هي حياة ليست للدعة والاسترخاء ، والركون إلى المصائر المحتومة، هي حياة أنت وحدك الذي يحدد ماهيتها، ويكون قادرًا على استساغتها حلوة كانت أم مرة، وأنت وحدك كذلك الذي يمكنك اختيار مساراتك فيها بعيدًا عن حبائل الآخرين الذين لا همَّ لهم سوى التلون ، وارتداء الأقنعة من أجل النجاة/ النجاة التي تقودهم إلى غاياتهم ذات الصبغة النفعية قريبة المنال، فهم على حد قول الشاعر: يغنون ليلى، وليلى تُنشِّف ريق الجميع” في طرح رؤيوي ساخر يميطُ اللثام عن المعنى الحقيقي لهذه الحياة، وتقلبات الناس فيها فقد: يطير الحمام، وقد لا يحطُّ ” هذا ديدنها والناجي فيها ومنها هو من يتعامل معها بمنطقها الحق/ منطقها الذي يركن فيه الإنسان إلى ذاته الحقة بعيدَا عن التزيُّف والتملُّق والرياء !
ثم نواصل طرْقنا على هذا الباب/ باب الحياة كما أرادها لنا الشاعر، حيث يقول في الخطوة التالية من هذا المرقوم الثالث في هذه القصيدة :
على بابك الآن قومٌ/ حفاةٌ/ عراةٌ.
يقولون: حتى يكون لنا موضعٌ.
في النظام الجديد.
علينا التخلُّص من كل شيءٍ.
يجرجرنا للوراء.
وهل للأمام طريقٌ بغير انتقاء الوراء؟!
السلام على السابقين الكرام.
من الكاتبِ الجالسِ القرْفصاء.
ومَن بعده في القرون.
بدجلة أو بالحجاز.
وسائرِ مابلغ الفاتحون.
إلى آخر القادمين بأحلامهم.
فوق أرضي،
وليسوا حفاةً/ عُراةً /من التين/ والنخل.
صوت البلاد الأمين/ السلام/ السلام.
نحن هنا على مدارج مشهدية سردية لا تخطئها عين، وهذا ديدن هذه القصيدة على المستوى الفني بوجه عام ، حيث يقف على باب هذه الحياة التي أسس لها الشاعرـ كما أسلفنا ـ أقوام حفاة عراة: على بابك الآن قوم، حفاة/ عراة” هؤلاء القوم أو الأقوام الذين يقفون على أبواب تلك الحياة تنتابهم حيرة ـ كما يبدو لي ـ أراها تأخذ سمت الحيرة الوجودية، نعم فهم هنا في أين، وإلى أين، ومع مَن؟ حتى يكون لهم موضعٌ في النظام الجديد على حد قول الشاعر يقولون: حتى يكون لنا موضعٌ في النظام الجديد” فهل بقولهم هذا يركنون إلى التخلِّي؟ : علينا التخلصُ من كل شيء” أم يوازنون بين التخلِّي والتحلِّي بمفهوم العرفان الصوفي، هل سيكتفون بإلقاء السلام على السابقين الكرام على حد قول الشاعر، أم أن هنالك صوتًا خفيًا آخرَ يتناوشهم، وربما يحدد لهم المسار؟ هذا الصوت الخفيُّ الذي يتناوشهم يتمثل ربما في قول الشاعر: وهل للأمام طريق بغير انتقاء الوراء؟، وهي جملة شعرية شديدة الاستسرار بالمعنيين الفني و الفكري في آن واحد، جوهرهما ـ أي جوهر هذه الجملة ـ ينجلي في كلمة انتقاء بمعنى أنه لا تفريط ، ولا إفراط ولا أمام بغير تدبُّر الوراء من أجل إحراز العبر، والبناء على أسس صلبة: هكذا أراد الشاعر أن يتحدث إلينا، أو هكذا عاينت حديثه فلابد من استعادة القرون الغابرة، ولا بد من استثارة ذلك الكاتب الذي يجلس القرفصاء/ ذلك الكاتب الذي يختصرُ بجلسته هذه حضارة كاملة، وإذن فلا يمكن أن نمرَّ عليه هكذا لإلقاء السلام فقط ، بل علينا أن نفكر فيمن جاء بعده من القرون: إلى آخر القادمين بأحلامهم” هكذا، وهكذا حتى يكون لنا من التين والنخيل ما يكون، وحتى نصبح على موعد مع:
صوت البلاد الأمين:
السلام
السلام.
المراجعات:
1- يراجع ” محمد عبد الستار الدش” ديوان ” من أغاني الطمي” كتاب الاتحاد/ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2009 م.
2- يراجع ” د. محمد زيدان” الشكل والبنية في الشعر المعاصر” مجلة فصول/ العدد110 / الهيئة المصرية العامة للكتاب/ خريف 2025م.
3- يراجع “د. شاكر عبد الحميد” الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي “سلسلة عالم المعرفة / المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ الكويت/ فبراير 2009 م.




