حوار

علي جبار عطية: وجهًا لوجه مع الأديب العراقي صالح البياتي

عالم الثقافة | بغداد

  • لديَّ رصيدٌ كافٍ في الكتابة الإبداعية استثمرته في الشعر والقصة القصيرة والرواية
  • خفف التنوع الثقافي في أستراليا من إحساسي بالاغتراب
  • الرمز والأسطورة هما تعويض عن حالة الانكفاء عند عدم تحقيق الهدف أو للوصول للحقيقة


حوار :علي جبار عطية

صالح البياتي ـ كما عرفته وشرفني بالكتابة عنه والحوار معه ـ هو الخارج من جنوب الألم والأنين ، من مدينة العمارة المنسية التي لا تذكر إلا في الحروب والمجاعات، فكيف لا نكون معه، وهو الناطق الصادق بمكابداتنا مهزومين تارةً، ومنتصرين بالحب والأمل تارةً أخرى، في نصوصه الرقيقة يرصد البياتي عذابات الإنسان الباحث عن وطن آمن، هاربًا من بطش الطغاة، وحروبهم العبثية التي لا نهاية لها على الحياة والطبيعة فلا يجد المرء الأمان إلا في أعماق البحار حيث السلام الأبدي !.. أدهشني وأنا أقرأ مسودة ديوانه (يبكي جبر ويغني) وكتبتُ عنه مقدمةً وقد صدر عن مكتبة عدنان/بغداد /٢٠٢٦م ووجدته قد كشف أسراره من عنوان الديوان الذي هو العتبة الأولى لنصوصه التي يشرك فيها القارئ مع هموم جبر ابن الشعب الكادح، البسيط، الذي ولد في ليلة ليلاء، وكان فانوس البيت في تلك الليلة بلا زيت، وشهد هجومَ المغول على البلاد..فهو يقول في قصيدة (حكاية جبر العراقي) :
(جبر عراقي أصيل النشأة
كالنخلة، متجذر في التربة
يقرأ كثيرًا في كتب التاريخ المهملة
ويهوى الموسيقى والشعر، ونظم القافية
ويتقن منذ الصغر، أجرومية اللغة
يعرف أنَّ الفاعل على الإطلاق، قوي ومقتدر والأزمنة، أما ماض غامض، أو مندثرأو حاضر بئيس معاش، أو يحتضر
أما المستقبل فضباب، لا يعلمه إلا الله).


وقد كتبتُ : جبر في قصائد البياتي ـ كما هو في الواقع ـ  نموذج للبائس الفقير المستكين من ملايين الناس البسطاء المحاصرين بالفقر والجوع والأمراض، ممن لا حول لهم ولا قوة، لكنَّهم يبقون تواقين إلى غدٍ أفضل، ومهووسين باللون الأخضر، وبسنابل رؤيا الملك في قصة يوسف، وهو يعيد بمهارةٍ سرد قصة إخوة يوسف البابلي المعاصر الذي يحلم بـ (مرايا تسطع كالأقمار، وبأبرهة الحبشي ببدلة جنرال أمريكي/فوق رأسه أسراب أبابيل) فقد صدق الذئب وكذب أولاد النبي يعقوب، مع أنَّ الذئب لم يكن أبوه نبيًا ! ولا غرابة في الأمر فالشاعر يفضحه أسلوبه السردي، ويؤيد ذلك صدور مجموعة قصصية له عنوانها (أرشيف مدينة تحتضر)  عام ٢٠٠٨م عن مركز الحضارة العربية في القاهرة، وكذلك رواية (نزيف المسافات) التي صدرت عن دار الورشة / بغداد / ٢٠٢١م و(يبكي جبر ويغني) – مجموعة شعرية- عن مكتبة عدنان 2025 فتجد النزعة القصصية بارزةً في كتاباته. أما الناقد صالح الرزوق فقد  كتب مقالًا عنوانه (أساليب الكتابة الجديدة في شعر صالح البياتي) نشرته صحيفة (المثقف) في عددها الصادر يوم ٢٠٢٦/٧/٢٧م، وقد شبّه الرزوق أسلوب صالح البياتي بلغة الروائي الشهير إرنست همنغواي، وأوضح أن الديوان يبتعد عن التعقيد البلاغي أو البديع والبيان، مستخدماً “لغة صحفية” قريبة جدًا من لسان البسطاء وحياتهم اليومية العادية. ولد صالح البياتي بمدينة العمارة في مطلع تموز سنة 1940 وأنهى مراحل دراسته  الابتدائية، والمتوسطة والإعدادية في مدينته، وحصل على البكالوريوس من جامعة بغداد /كلية الآداب (قسم علم الاجتماع) في سنة 1963
تأخر تعيينه لأسباب سياسية حتى نهاية كانون الثاني 1964… عُين مدرسًا في متوسطة الكميت (فتح جديد) بناحية الكميت، على الملاك الثانوي لمحافظة ميسان. ومارس التدريس في المدارس المتوسطة والثانوية في العمارة، ونُقل الى بغداد في منتصف العام الدراسي 1977. يقول عن هذه المرحلة :(كانت السنوات الخمس العجاف في بغداد  نقطة تحول قلبت حياتنا إلى معاناة يومية شديدة الوطأة، ولم تبق لن غير العناية الإلهية بعد أن  سُدَّتْ أمامنا أبواب الخلاص، اضطررنا لترك وظيفتنا في التربية والتعليم.. “زوجتي وأنا” ، وأثاث شقتنا المستأجرة بمدينة الحرية الثالثة(الدولعي) غربي بغداد ، وخرجنا خائفين نبحث عن وطن بديل في أرض الله الواسعة مع ابن في التاسعة وابنتين في سن الطفولة، حتى انتهى بنا المطاف أخيرًا الى أبعد أرض في أسفل العالم (أستراليا) عام 1995، ومنذ ذلك التاريخ ونحن نعيش في وطننا الثاني، الذي منحنا حق المواطنة والعيش الكريم الآمن).
في هذا الحوار يكشف لنا بعضًا من تجربته الحياتية والأدبية ومكابداته في الوطن، والهجرة والاغتراب والغربة..
 نبدأ من هجرتك إلى أستراليا.. فكيف تصفها، وهل كانت اختيارية أم كنتَ مضطرًا إليها؟
ـ لم تكن هجرةً، بل كانت لجوءًا.. الهجرة اختيار، واللجوء (سواءً كان سياسيًا أو إنسانيًا كلاهما اضطرار) يجد اللاجئ الأمان الذي افتقده في الوطن الأم، لكنَّ الغربة والاغتراب شديدتا الوطأة على النفس لمن شارف على الشيخوخة مثلي.
يتساءل الفيلسوف الدانماركي كيركغارد: (ما الذي يتعين علينا أن نفعل بحياتنا) وهو تساؤل وجودي، ولكن ماذا لو أجبرتنا ظروف خارجة عن إرادتنا، ماذا يتعين علينا أن نفعل بحياتنا عندما تنقطع آخر حلقة وتنفصل عن السلسلة المتصلة الحلقات، هنا تبرز الحيرة بدل التساؤل… عندما كنت مدرسًا ونُقلت إلى بغداد في أواخر سبعينيات القرن الماضي، استأجرت سيارة حملت أثاث بيتي، قطعنا نصف المسافة بين مدينة العمارة وبغداد، فجأة طلبت من السائق أن يستدير ويعود بنا من حيث جئنا… توقف السائق على جانب الطريق ولم يقل شيئًا، مد يده بسيجارة لي، تناولتها وظلت جامدةً بين أصابعي أحدق بها، ثم وضعتها بين شفتيَّ فأدنى نار سيجارته، ورحنا ندخن بصمت، عدلت عن رأيي بعد أن رميت عقب سيجارتي من النافذة، فكرت: أنَّ  هجرتي المكانية إلى بغداد التي أمضيت فيها سنوات دراستي الجامعية، قد تفيدني في امتحان قدرتي على احتمال الابتعاد إلى مكان أبعد يختفي الوطن وراء أفقه، فقلت للسائق: رجاءً لنواصل الطريق… وفكرة المكان هذه ترتبط بشكل وثيق بفلسفة الكاتب والناقد الفلسطيني أدوارد سعيد إذ يطرح في كتاباته وأفكاره حول المنفى والهوية أنَّ العلاقة بين الإنسان والمكان تبادلية، وأنَّ المكان يسكن فينا قدر ما نسكن فيه.
ما الذي أخذته الغربة منك وما الذي أضافته إلى تجربتك الإبداعية؟
ـ أخذت مني ذكرياتي وديعة عندها …. وعندما طالبتها بها، قالت الغربة: “عليك أن ترى هنا ما يذكرك بها.. لتستعيدها ” فكيف يا إلهي أذكر جسرًا على نهر الكحلاء كنت أعبره صبيًا، ذاهبًا لمدرستي المتوسطة وإيابًا لبيتي، وهنا لا يذكرني به جسر آخر مثله.. أخذت منا الغربة الانقطاع بين الأجيال، وحميمية الحديث بأريحية مع الأحفاد والحفيدات، بلغتهم المحكية (العامية) التي لا يتقنها إلا من ولدوا في هذه الديار..  لكنَّ الغربة لم تستطع أن تأخذ مني الوطن، لأنَّي وشمته حبة قمح على سعفة نخلة في قلبي… في مكتب مركز احتجاز اللاجئين في ڤيللا وود بسدني، كنت أنظر إلى خارطة معلقة على الحائط، بدا العراق مثلثًا مقلوبًا على رأسه، قام رئيس المكتب، وأشار بأصبعه للمسافة بين أستراليا والعراق، لم يكن يعرف أني كنت مدرس اجتماعيات (جغرافية وتاريخ)، كتمت صرختي.. يا الله كم أنا بعيد عنه.. لم يفهم ما قلت، لكنه ابتسم وعاد لمكتبه.
لم تصدمني بقوة ما تسمى بـ (صدمة الثقافة)، لأني استوعبتها سريعًا، خفف التنوع الثقافي في أستراليا احساسي بالاغتراب، وقد أثر ذلك في نفسي كثيرًا، فكتبت نصًا شعريًا عنوانه: (أستراليا) ترجم للغة الإنجليزية، والنص العربي نُشر في صحيفة (أوروك) .
هذا البلد انتقل من مرحلة أستراليا البيضاء (1901 – 1945) أحادية الثقافة إلى التعددية الثقافية   multiculturalis
والاعتراف بالسكان الأصليين لأستراليا، والاعتذار لهم عما يسمى بـ (سرقة الأجيال) أطفال السكان الأصليين الذين أخذوا من ذويهم وتربوا في أسر بيضاء مسيحية) ، وهذا الاعتراف والاعتذار تحول إنساني كبير يحظى بتأييد المناصرين لنبذ العنصرية.
هذه هي الإضافة التي أحببتها، وتمنيتها لموطني الأول العراق، البلد العريق بحضارته وتنوع أعراقه… أضافت لي الغربة أيضًا فرصةً للدراسة، فالتحقت بدورة دراسية وحصلت على دبلوم ترجمة باللغتين الإنجليزية والعربية في عام   2000 وبهذا التاريخ بلغت الستين، وبه صرت استحقّ معاش الضمان الاجتماعي غير المقيد بالبحث عن عمل، أتاحت لي الغربة أيضًا وقتًا كافيًا للكتابة، والتعرف على الناس من مختلف الأعراق.
على الرغم من ابتعادك عن العراق نجد الوطن حاضرًا في كتاباتك فما رأيك؟
ـ وسيبقى حاضرًا في كتابتي وماثلًا أمام عيني، في كل حرف أكتبه ، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
إنَّ معاناتي ليست أعظم من معانات آلاف العراقيين الذين عانوا الأمرين من دكتاتورية حزب البعث، لا أتصور كيف يعيش إنسان براحة بال وطمأنينة ، وإنسان آخر مضطهد يعاني الخوف في وطنه، الذي يفترض أن يكون المكان الأكثر أمنًا.
 عايشت تجارب أليمة زمن الدكتاتور فإلى أي مدىً كانت هذه التجارب زادك في الكتابة.
ـ صحيح أنَّ التجارب الأليمة ترفع الطاقة الإيجابية للكتابة على الرغم من مرارة هذا الزاد، لكن القمع والكبت وتكميم الأفواه يفقد الكاتب إبداء الرأي وحرية التفكير، احتفظت بما كتبت وانتظرت الفرصة حتى لو جاءت متأخرة، وأخيرًا عندما استقر بي المقام في سدني، لم أبتدئ من الصفر، فلديَّ رصيدٌ كافٍ في الكتابة الإبداعية، استثمرته في الشعر والقصة القصيرة والرواية.

بودي أن أعرف ظروف كتابتك لرواية (نزيف المسافات) ونسبة الأحداث الواقعية فيها؟
ـ فكرة الرواية (الثيمة) كان جزء منها مخزونًا في الذاكرة الجمعية وجزء آخر في اللاوعي، يضاف إليها ما موجود في كتب التاريخ عن أحداث ما قبل ثورة عام 1958 وما بعدها، كل ما في الرواية يقارب الواقع، لكن السؤال لماذا بدأت الرواية من نقطة محورية قبيل حرب الثماني سنوات (1980- 1988) في فترة من أحرج وأقسى الفترات التي مرت على العراق، كانت هذه الحرب العبثية، ضرورة استراتيجية للمصالح الأجنبية، كبلت العراق وأضعفته وخاطرت باستقلاله وقراره الوطني. عايشت زمن الحرب لسنة ونصف، وغادرت العراق مكرهًا بعد الترحيل القسري (التسفير) الذي طال ما يقارب ربع مليون عراقي من أصول إيرانية بعيدة، من بينهم أسرة زوجتي…رأيت أسرًا أصيلةً من الكاظمية وبجانبهم حاجاتهم القليلة الضرورية يفترشون الأرض أمام مخافر الشرطة بانتظار ترحيل قسري إلى إيران، بالمناسبة في الحرب العالمية الثانية عندما قصف انتحاري ياباني ميناء بيرل هاربر، قامت السلطات العسكرية الأمريكية، بحجز الأمريكيين من أصول يابانية في معسكرات خاصة لحمايتهم).  في أربعينيات القرن الماضي ضحى العراق بمواطنيه العراقيين اليهود، تماشيًا مع أحداث تلك الحقبة الزمنية المرتبطة سياسيًا مع بريطانيا. وكرر صدام بعنصريته وغبائه السياسي الخطأ نفسه دون سند قانوني. لذا كانت تلك الأحداث وغيرها الحافز على كتابة الرواية. ويحضرني الآن أستاذ علي ونحن في حوار (شائق وذي شجون)، ما كتبتَ في مقالتك النقدية القيمة في (جريدة الصباح) في 2023/3/12  وعنوانها: (الهوية السليبة  في  “نزيف المسافات”) ما حصل من تهجير لعوائل عراقية مخلصة بدعوى التبعية والولاء الأجنبي، الذي لا يوجد سونار لفحصه! ودعمتَ المقالة بهامش يوضح ما جاء في (الموسوعة الحرة) عن حملة التهجير القسري التي جرت في السنوات: 1969، 1970، 1980، وأشرتَ أيضًا إلى مسألة جديرة بالوقوف عندها طويلًا بقولك: “يشخص الكاتب وجود مؤشرات قوية على استعداد المجتمع العراقي لدورة العنف والدم والدمار والظلم”. ذكرتَ أيضًا نقطةً مهمة في نقدك للرواية بقولك ” مع اعتناء واضح بالخط الفكري الذي يعلي من قيمة الإنسان ويدعو الى قيم المحبة والجمال، نضم صوتنا الى صوت الكاتب الذي يقول: “أتمنى أنَّ جميع مشاكل العراق تنتهي هكذا بالحب فقط.”
 أين شخصيتك في هذه الرواية، وهل كنت ضحيةً فيها أم بطلًا؟
ـ كاتب الرواية ليس أحد شخصياتها، وإنْ بدت الرواية أشبه بسيرة ذاتية من حيث الفضاء العام الذي تدور فيه أحداثها.
شخصية نوح الحالمة بعمل بطولي، تأثرت عاطفيًا منذ الصغر بملحمة الطوفان، لكنَّها اصطدمت بواقعٍ قاسٍ فتحولت فعلًا من بطلٍ منقذٍ إلى ضحيةٍ محبط، يعاني الفشل وينتهي بالانسحاب والهرب، وهو بذلك نقيض لشخصية سعيد الشيوعي الصلب المتسلح بأيديولجية ثورية ويعرف الطريق الذي يسير عليه. في الرواية ثلاث شخصيات محورية، فضلًا عن شخصيات أخرى ثانوية، لعبت أدورًا مهمةً في الرواية، أميل أكثر إلى نوح الإنسان الحالم المواطن المتعلم، مدير مصرف حكومي، يتمنى أن يعيش مع الآخر في مجتمع مدني عادل يتساوى فيه الجميع بالحقوق والواجبات، والتفوق والنجاح متاح كقاعدة لكل ذي كفاءة واستثناء لبعض المحظوظين من ذوي الشطارة. ولكني لا أقر نوحًا على سلوكه الانتهازي على قاعدة (الغاية تبرر الوسيلة) فأرى أن انتماءه لحزب البعث لغرض تحقيق هدفه في بعثة دراسية للخارج، كان سلوكًا انتهازيًا ، وهذا عكس ما فعلت، لإعطاء صورة عما يعرف بـ (السلامة الوطنية) التي طبقت على القبول في البعثات الدراسية، وبعض فروع الدراسة في الجامعات العراقية، كما طبق تبعيث التعليم وعسكرة المجتمع، طبقوا منهج إستالين الاستبدادي البغيض وكان صدام يتشبه به. كنت أطمحُ لإكمال دراستي العليا في علم الاجتماع، فاشتركت مرتين ولسنتين متعاقبتين، في امتحان قبول للمتقدمين على درجة الماجستير، في الأولى كنت متأكدًا من نجاحي، ولم أقبل، وفي الثانية كذلك، وقبل الخروج من قاعة الامتحان تكلمت مع أحد المشرفين قلت: ” إنَّي متأكد من نجاحي في المرة الأولى وهذي المرة ، ليش ما انقبلت ؟ ” قال لي: ” مو مهم تنجح بالامتحان” سألته: ” شنو المهم إذنْ “قال: ” أنتَ بعثي؟ ” ؟ قلت: “لا.. ”
ما أثر البيئة الأسترالية على كتاباتك؟
ـ البيئة الأسترالية بيئة غنية بطبيعتها وجمال شواطئها واختلاف مناخها، وبتعدد ثقافاتها، فهناك الشاعر الذي يكتب بلغته الأم، وآخر بالأنجليزية، و اتحاد أدباء أستراليا يحتضن الجميع، تجد الشاعر والروائي والفنان التشكيلي، وشعراء وكتابًا من السكان الأصليين.. للناطقين بالعربية حضور حضور في المشهد الثقافي أما بالنسبة للعراقيين المقيمين في سدني فالنشاط يكاد محدودًا، يقتصر على ندوات أدبية، وإحياء مناسبات خاصة كمهرجان الجواهري الشعري السنوي. ولأدوات العزف ولرقصات السكان الأصليين نكهة فريدة، تجذب أنظار السواح قرب دار الأوبرا، كونت فكرة أجمع فيها هذه المكونات لكتابة رواية عن الحياة في أستراليا ثيمتها الأساسية صدمة الثقافة وأثر البيئة الأسترالية على المغتربين وخاصةً العراقيين حديثي العهد بهذا البلد البعيد، الذي يطلق عليه لبعده down under. لي اهتمام بالأدباء الأستراليين الذين يكتبون باللغة الإنجليزية وكذلك بأدب السكان الأصليين.. أستراليا بلد الفرص لتأسيس مشاريع تجارية صغيرة للمهاجرين من البلدان الأسيوية المجاورة والشرق الأوسط (الأدنى) وخاصةً من لبنان.
كيف تنظر إلى الأحداث العراقية مقارنة بالأحداث في أستراليا وهل يمكن أن تكتب رواية عن المجتمع الأسترالي؟
هناك فرق كبير، عندما يتعلق الأمر بالمقارنة، أستراليا أقدم من العراق في تأسيس نظامها الدستوري الفدرالي، ولذلك هي أكثر استقرارًا من العراق، نظامها السياسي ليبرالي قائم على أساس برلماني ديمقراطي، فيها حزبان رئيسيان يتنافسان ويتناوبان السلطة،فضلًا عن أحزاب أخرى… أنظر للأوضاع بالعراق بمنظار إيجابي، وأمامه فرص كبيرة، للاستقرار السياسي، وذلك يعتمد على الاستفادة من أخطاء الماضي، وأن يضطلع مجلس النواب بتشريع قوانين تواكب العصر وتطلعات الشعب العراقي، الذي عانى الأمرين من الأنظمة السابقة وبالأخص النظام البعثي، وبذلك تُبنى الدولة المدنية الديمقراطية التي تحتضن الجميع دون تمييز للعرق أو الدين… نعم أستطيع بعون من الله وتسديده أن أكتب روايةً، عن الجالية العراقية وتعايشها في المجتمع الأسترالي، الإيجابيات والسلبيات، بداية من صدمة الثقافة ثم التكيف مع الحفاظ على اللغة والتقاليد والعقيدة الدينية.
بودي أن نتحدث عن مجموعتك الشعرية (يبكي جبر ويغني) ما الذي دعاك إلى التعبير عن المواطن جبر بالشعر؟
ـ التراث الشعبي أو الرمز وراء المثل العراقي (جبر من بطن أمه للقبر) جبر العراقي الأصيل المتجذر كالنخلة بالتربة…الرمز والأسطورة هما تعويض عن حالة الانكفاء عند عدم تحقيق الهدف أو للوصول للحقيقة… أستاذ علي، أنت وصفت جبر بتقديمك للمجموعة الشعرية، وصفًا يطابق واقع الحال والمآل قلت: “نموذج البائس الفقير المستكين من ملايين الناس البسطاء المحاصرين بالفقر والجوع والأمراض، ممن لا حول لهم ولا قوة، لكنهم يبقون تواقين الى غد أفضل.”
 هل التعبير عن هموم الوطن والمواطن بالشعر أسهل من التعبير بالسرد؟
ـ ذلك يعتمد على قدرة الكاتب على التعبير عن هموم الناس والوطن، سواء بالشعر أو السرد، بما يمتلك من تجربة حياتية عميقة وثراء فكري إنساني، قد يعجز السرد عن ملامسة هموم الناس، بينما تلهب قصيدة شعرية مشاعرهم نحو هموم الوطن والمواطن.
أي لون أدبي تجده الأقرب إلى نفسك؟
ـ الشعر هو الأقرب لنفسي ثم الرواية والقصة القصيرة.
منْ هم الأدباء الذين تأثرتَ بهم، وتتمنى الوصول إلى مستواهم من حيث الجودة والتأثير؟
ـ قرأت الأدب العالمي المترجم للعربية (روايةً وقصصًا قصيرةً) قبل الأدب العربي بجناحيه المشرقي والمغاربي، والاهتمام بالأدب الروسي (في مرحلة النهم للقراءة) ما قبل الجامعة، كانت له الأولوية على الأدب الغربي.
تأثرت بالروائيين الروس: تولستوي، دوستويفسكي، إيفان تورجينيف، وغوركي، وبتشيخوف في القصة القصيرة والمسرحية، ومن بين هؤلاء الكتاب العظام، كان دوستويفسكي الأكثر تاثيرًا، ربما لأنَّه الأقرب لنفسي، والوصول لمستواه هو ما أطمح إليه في سبر أغوار النفس البشرية التي تتأرجح بين العظمة والدناءة، والرغبة بالتكفير والتقرب إلى الله عبر التطهر النفسي، وهذه ما اتصفت به المدرسة الروسية التي غاصت عميقًا في سايكولوجية الروح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى