أدب

ظلُّ الجبل

من قصص التحدي والكفاح

في ربيع عام 2016المكان: قرية “وادي بنتوت” جبل شمس – سلطنة عُمان
كان الصباح في وادي بنتوت يجيء دائمًا هادئًا، كطفلٍ يتسلّل من بين الأفق على رؤوس الجبال. وفي ذلك الصباح، خرج “مازن” ذو العشرين عامًا مبكرًا كعادته، يخطو بين الحقول المتناثرة حول القرية. كان يحمل في قلبه شغفًا لا يهدأ بالتصوير السينمائي، حلمٌ وُلد معه منذ أول مرة التقط فيها هاتف والده وصوّر غروبًا أحمر فوق السهول.
كان مازن يعيش مع أمّه في بيت صغير من الطين. والده توفّي قبل خمس سنوات، تاركًا وراءه إرثًا من المحبة، وفقرًا لا يُخفى. ورغم ذلك، كانت الأم تؤمن بقدرة ابنها على تجاوز حدود القرية، وتكرّر له:من وُلد تحت ظل الجبل… يعرف كيف يصعده.”
لكن نيران الفقر كانت تكبر. عمل مازن في رعي الأغنام، ثم في محل صغير لبيع الأدوات، ثم في مقهى، فقط ليحصل على ما يكفي لشراء كاميرا مستعملة. تلك الكاميرا أصبحت قلبه الثاني، لا تفارق كتفه ولا يده.
في ربيع ذلك العام، أعلنت وزارة الثقافة عن مسابقة وطنية لصناعة فيلم قصير عن البيئة العُمانية، وجائزتها رحلة تدريبية إلى الخارج. حين قرأ مازن الخبر، شعر كأن الجبل يهمس له: “هذه فرصتك.” لكن المتطلب الأصعب كان إنتاج فيلم احترافي خلال شهر واحد. بدأ مازن العمل بحماس، يصوّر الأودية والسهول، والطيور التي تعبُر السماء، والمزارعين وهم يسقون حقولهم. لكن أثناء التصوير، تعرّضت قريتهم لعاصفة مطرية قوية جرفت بعضها، وكسرت الجسور الصغيرة التي تربط بين الأطراف. وفي تلك الليلة تحديدًا، تعطّلت كاميرته الوحيدة بسبب تسرب الماء.
جلس مازن تحت ظل الجبل، ينظر إلى الجهاز في يده، ويشعر أن حلمه بدأ يتشقق.
قال في نفسه: كيف أصنع فيلمًا بلا كاميرا؟ كيف أصل إلى المسابقة؟”
..اشتد الصراع داخل مازن: هل يستسلم ويكتفي بأن يكون شابًا عاديًا؟
أم يقف ويتحدى واقعًا يأبى أن يلين؟ قرّر ألا يستسلم. استعان بصديقه “سالم”، شاب يجيد إصلاح الأجهزة. جلس سالم طوال ليلة كاملة يصلح الكاميرا قطعة قطعة، بينما مازن يراقب بشغف وحيرة. عند الفجر، قال سالم بصوت متعب: نجحت في تشغيلها… لكنها لن تصمد طويلًا.”
خرج مازن حاملًا كاميرته الضعيفة، مصممًا على إنهاء عمله. لكن المشكلة الكبرى ظهرت حين احتاج لتصوير مشهد نادر لطيور مهاجرة لا تأتي إلا فجراً عند قمة الجبل.
كان عليه أن يصعد جبل شمس قبل شروق الشمس، في رحلة شاقة لا يستطيع معظم أهل القرية القيام بها دون تجهيز.نظر مازن إلى طريق الجبل الطويل، وشعر بالخوف. الهواء بارد، والليل معتم، والجبل صامت كقبرٍ عظيم.لكنّه قرّر أن يصعد… ولو زحفًا.
كان يصوّر كل شيء: خطواته المتعبة، أنفاسه اللاهثة، يداه ترتجفان في البرد. وحين وصل القمة، كانت الشمس تشرق، والطيور تعبُر السماء في مشهدٍ ساحر كلوحة من صنع القدر. شغّل كاميرته بينما دموع الفرح تختلط بعرقه، وصوّر أهم لقطة في فيلمه.
عاد مازن إلى القرية متعبًا، لكنه عاد وفي قلبه نورٌ يشبه ضوء الجبل.أمضى أسبوعًا كاملاً يمنتج الفيلم في غرفة صغيرة، مستخدمًا برنامجًا بسيطًا يعمل على حاسوب بطيء. كان ينام ساعات قليلة فقط، ويواصل العمل حتى اكتمال الفيلم الذي أسماه:”ظلُّ الجبل… وصوت الأرض.” أرسل الفيلم للمسابقة، وظل ينتظر النتيجة بقلق. وبعد أيام، جاءه اتصال من رقم مجهول. أستاذ مازن؟ فيلمك فاز بالمركز الأول… ونودّ رؤيتك في الحفل.”لم يصدّق ما سمعه. ركض إلى أمّه، قبّل رأسها، وقال بصوت مختنق:أمي… سنصعد الجبل مرةً أخرى، لكن هذه المرة للسماء.”
كان فوز مازن أكثر من مجرد جائزة؛ كان اعترافًا بأن الفن لا يصنعه المال وحده، بل يصنعه الإصرار والروح.وهكذا أثبت الفتى الذي نشأ تحت “ظل الجبل” أن الظلال ليست نهايةً للضوء… بل بدايته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى