أدب

المشهدية والتناص ورؤى العشق في ديوان “دوبامين” لـ أحمد الشيخ

رؤية الناقدة والقاصة أ. رانيا ثروت

أحسن مافيها العشق والمعشقة
وشويتين الضحك والتريقة
شفت الحياة، لفيت، لقيت الألذ
تغييرها، وده يعني التعب والشقا
صلاح جاهين

العاشق.. صادق ،مقتول بعشقه ،مهزوم ببراءته ،محترق بأمله ،في فجر لا يأتي .
والعاشق كون تنبض في عينيه وفي قلبه كل مفردات الكون ومعانيه ،والشاعرعاشق حتى النخاع سحرته روايات العشق ورؤاه سلبت منه الروح ،أهدته النور فصار عصفورا يرتحل بين أغصان الوجد والشوق والحزن الشفيف يرى الحال والأحوال ويغرد لحنا منفردا يدعو فيه كل العشاق ،لمأدبة من “الدوبامين “لعله يكون عونا على حياة قتلت فيها عمدا مع سبق الاصرار روح العشق .

تتناول هذه الدراسة ديوان «دوبامين» للشاعر المصري أحمد الشيخ، بوصفه تجربة شعرية عامية معاصرة، تتكئ على المشهدية الكثيفة، والتناص الديني والإنساني، ورؤى العشق بوصفه قيمة وجودية في عالم مأزوم.
وتسعى الدراسة إلى تحليل بنية الديوان، لغته، صوره، إيقاعه، وعلاقته بالتراث الديني والإنساني، مع إبراز خصوصيته الجمالية وموقعه داخل سياق تطور قصيدة العامية المصرية.

يصوغ الشاعر المصري أحمد الشيخ في ديوانه الثاني «دوبامين» شذرات مكثفة، يصف من خلالها الطبيعة بكل ما تحمله من حيوية وجمال، كحاضنة للإنسان، بكل ما يحمله من آمال وأحلام وتطلعات، وبما يرزح تحته من أوجاع وقلق واغتراب.
ينطلق الشاعر من إهداء رمزي يستوعب الإنسان برمته، أيّ إنسان، وأينما كان، ليؤكد منذ العتبة الأولى البعد الإنساني الشامل للديوان.
وعند قراءة النصوص، تفوح رائحة المكان بوضوح؛ حيث العصافير والنخيل، والريح، والبساتين، في مشهدية تستدعي الذاكرة الجمعية والبيئة الأولى.
ويحوك الشاعر بخيوط قلمه غربة الإنسان في وطنه، بين أحبته، حين يعجز عن البوح بمكنوناته، فيتراكم الخوف والقلق، مقابل الامتلاء الوجودي .

الإهداء:
إهداء نثري بلغة رشيقة ، قطعة أدبية مهداة للإنسان في كل زمان ومكان ،إهداء محمل بهموم الإنسانية ينطلق من العام العالم وصولا للخاص الأهل والاصدقاء يعكس موضوعات الديوان التي تغوص في شجون البشر أفراحهم وأطراحهم واحزانهم ودموعهم وهمومهم .
والتي ولابد ستمس القاريء فأحمد الشيخ يحكي حكاية الأنسان عموما والعربي والمصري خصوصا .

عنوان الديوان “دوبامين”:
فمن العنوان الذي يحمل اسم هرمون السعادة الشعورية وناقل الإشارات بين الجسم والمخ أو العقل ، والذي يطرح استنتاجا بأن القادم في هذا الديوان سيجمع بين أشياء تسعدنا وتحركنا شعوريا وروحيا وأشياء تمثل إشارات لعقولنا عن مواضيع خاصة تشغل العقل البشري كمصير الإنسان وماهية الحياة التي تحبس روحه من كل جانب فتصير والجسد “كتابوت الروح” التي تنتظر البعث ربما كشهيدة حزن وربما كدراكولا ينتظرها القصاص العادل.
خاصة أن العنوان ليس عنوان أحد القصائد.
وهو عنوان يعد بالكثير ويناجي متطلبا هاما من متطلبات هذا العصر البائس المقتول بالمادة ربما كنفحة من سعادة وعشق ربما كوخزة ألم محببة تنذر بشفاء قريب ربما..
يحمل عنوان الديوان «دوبامين» دلالة علمية ونفسية في آنٍ واحد؛ إذ يشير إلى الهرمون العصبي المسؤول عن الحركة والمشاعر والسعادة، والذي يمكن تعزيزه بالغذاء، والنوم، والموسيقى، والتأمل.
وقد استعان الشاعر بهذا المصطلح عنوانًا رمزيًا جامعًا لكل ما يعزّز الإنسان، ويعيد اتزانه النفسي، ويمنحه القدرة على الاستمرار في عالم مثقل بالقسوة.
ويكتسب العنوان بعدًا تأويليًا أعمق لكونه غير منتمٍ إلى أي قصيدة بعينها، بل يعمل بوصفه مظلة دلالية شاملة للنصوص كافة.

عناوين النصوص:
تكشف عناوين النصوص السبعة عشر في تنوعها بين الفصحى مثل ( تجربة ،قال ألقها ، مخيمات الصدر ، نيران صديقة ، العلة ، عمل فردي ) وهي قد تقرأ على أنها عامية دارجة أيضا فيما عدا (قال ألقها ، عمل فردي ).
والعناوين بالعامية الدارجة مثل (قلب قماش، قروش، في الليل، خوف، نظرة تانية للشتا ، سيدنا الولي ) والمصطلحات الغربية المعربة مثل (سولميت،ماريونيت، الكارما) وأسماء الأعلام والتي كانت من نصيب المرأة ولا ريب مثل (زينب ،مريم).
كما تنوعت العناوين بين كلمة واحدة و مضاف ومضاف إليه وجار ومجرور والجملة الفعلية والجملة الإسمية.
كما أن العناوين حملت في منطوقها التناص مثل “قال ألقها” مع قصة سيدنا موسى و”زينب” مع شخصية زينب للحبيبة الأديبة ريم بسيوني في روايتها “أولاد الناس”و مؤشرات أخلاقية منفتحة على ثقافات وديانات أخرى مثل الهندوسية والبوذية والطاوية في عنوان ” الكارما ”
وكذلك الإشارة لفنون أخرى مثل “ماريونيت ” في إشارة لعروس الماريونيت وفن تحريك العرائس .
ذلك التنوع اللافت لماهية العناوين دلالة على سعة الثقافة واتساع الرؤية لدى الشاعر ويؤكد على التصدير الخلفي للديوان المأخوذ من قصيدة “العلة ” والذي يقول:
” حيلة العاشق خياله، وحيلة المغلوب سؤال
الشعر أحلى لو من لسان الناس اتقال
المجد للشاعر إذا قال بني الإنسان
وكان راضع هموم الناس
وكانت قِبلته والغدر عكس عكاس
وقام صلّى بآيات الزهد والإخلاص
وأنا زي كل الناس، ساعات أحب الناس
وساعات..
ألعن سلسفين سيدهم
هما كمان أوقات يشدوا الدراع جدًّا
وساعات..
يسيبوني من إيدهم.
ومنه يتضح ذلك الحمل الثقيل الذي أخذه الشاعر على عاتقه وتلك المسئولية التي تجيزه من وجهة نظره ليليق بلقب “شاعر” وهي حمل الهم العام والتعبير عنه ومواساة البشر وكشف كل مايزعجهم من فساد خارجهم وفيهم كمكاشفة همها المواجهة على المستوى العام والتطهر على المستوى الخاص والشخصي .فالشاعر بناء على ذلك رسول قومه الذي ينادي دائما وأبدا بقيم الحق والخير والجمال .

اللغة والبنية الأسلوبية:
يعتمد أحمد الشيخ على العامية المصرية السلسة، لغةً نابضة بالحياة، محمّلة بنبض الحزن والمرارة الملازمين للإنسان والطبيعة منذ الأزل.
وتتجاور داخل النصوص تناقضات الوجود:
الفرح والحزن، الغضب والانتظار، الحب والقلق، الغربة والانتماء.
وتتسلل إلى اللغة إشارات للماضي السحيق، زمن الأنبياء، في مفردات مسترسلة وواضحة، تنسج خيوط الغزل بالحبيبة، وتستدعي تفاصيل أنثوية بسيطة (كالخلخال)، في تماهٍ واضح مع أجواء المكان والبيئة.

بين الاستهلال والخاتمة:
يستهل الشاعر قصائد الديوان بقصيدة بعنوان “التجربة ” ، كان كل ما في الكون ينبض في هذه القصيدة حيث تضافرت عناصر الطبيعة مع أزمة الوجود الإنساني والصعوبات التي يعانيها الإنسان ومراوغات الحلم المؤلمة .
ومنذ زمن لم أطالع قصيدة أستخدمت مفردات الطبيعة في قاموسها اللفظي بهذا التكثيف وبهذه المشهدية مثل ( عصافير – النخل -السما -الشمس – الهوا-فراش -الورد ) لتكوين صورة أقل مايقال عنها أنها بهية تناقض أزمة الوجود الإنساني التي أثارها الشاعر في النصف الثاني من القصيدة وأحمد الشيخ مغرم بتعشيق النقيضين والمتضادات لإبراز المعنى وتوضيحه والتأكيد على مدى إختلاف الصور والحقائق وهذا تكرر في قصائد عدة في الديوان ..كمافي قصيدة ” نظرة تانية للشتا ” أيضا .
وهنا كان التناقض في الصورة البهية مع محاولات صيد العصفور وأمة الحلم الإنساني ربما ليوصل أن الطبيعة كما خلقها الله جميلة بعكس ما يحدث في عالم الإنسانية من قبائح فهي لا تلتزم بجمال الطبيعة المخلوقة على الفطرة ولا تترك تلك الطبيعة لتحيا في سلام .
كذلك الحلم والأفكار العظيمة عن الأبرياء لا تدعهم الدنيا دون محاولة كسرهم وتلويثهم بتجارب مختلفة مختارة وغير مختارة لتدور الدنيا وتعري بجنون الوجوه الحقيقية للبشر أمام انفسهم على الأقل كاشفة مواطن الضعف بلا رحمة ،ويزداد الأمر سوءا مع الوحدة والمواجهة الفردية أمام متاريس الدنيا التي تدك حصون النفس وتكسر حلمها الطيب .

ويختتم الشاعر قصائد الديوان بقصيدة بعنوان ” سيدنا الولي ”
تحمل معنى اللجوء الصوفية وطلب العون من أهل الله على الفهم والإجابة على الأسئلة التي مازالت تتردد في جنبات النصوص ومابعدها في الحياة عموما .
وحتئ ذلك اللجوء أضحى مشكوكا فيه لأن الجميع شيخ ومريدين من كل ملة ودين يطوفون في دائرة المعصية والستر لتستمر تقنية السؤال كمدد للنهاية المفتوحة في قول الشاعر :
يا مين يرتب جوه قلبي الكركبة
يا مين يرد الأسئلة فتنجلي ؟!!

وحدة القصائد والديوان :
تحققت وحدة القصائد من حيث مناقشة الجو العام للأزمة العالمية وأزمة الإنسان الوجودية وصراعاته مع نفسه من ناحية كما تجلى في قصيدة “قلب قماش ” ومع الآخر من ناحية أخرى سواء كان هذا الآخر المجتمع كما في قصيدة “قروش ” ومفردات العصر أو حتى القدر كمافي قصيدة “قال ألقها ” حيث يتساءل الشاعر “مافكرتش ليه ميلادك دلوقت وكل سنين حياتك تبقى دي بالذات ؟!!!”.

الإيقاع :
يتدرج الإيقاع داخل الديوان بين الهدوء والتسارع، بما يكسر الرتابة ويواكب التحولات الشعورية.
فبعض القصائد تتسم بإيقاع تأملي هادئ، بينما تنبض أخرى بإيقاع سريع متوتر، يعكس صدام الذات مع الواقع.
كان الإيقاع متواترا على مدار قصائد الديوان فمن الإيقاع المتوسط كما في قصائد عدة مثل قصيدة ” خوف” و ” عمل فردي ” إلى الإيقاع السريع في قصيدة “ماريونيت ” و”نيران صديقة ” “العلة”.
ذلك التواتر الذي يخلق حالة من التوتر الكاسرة للملل والمنعشة لجو القراءة والمخففة من تلاحق الصور وغزاراتها وثقل معناها .

المشهدية:
الديوان حافل بالمشهدية والصور الحية النابضة التي إتكأت على أفعال الحركة والأفعال المضارعة والتي تخلق حالة من التماهي مع الصور المشهدية والمشاركة في صناعة النص من قبل المتلقي بالخيال .
كذلك تعتمد على الصور البصرية والسمعية، ما يمنح النصوص طاقة سينمائية لافتة.
فالطبيعة ليست خلفية جامدة، بل كيان حيّ متفاعل:
النخل يعانق السماء، الشمس تُلامَس، البحر يتموّج ويضطرب، في انعكاس مباشر لحالة الذات الشاعرة.
في قصيدة «التجربة» تتجلى بلاغة التعبير الصادق في قوله:
«نورك في روحك مهما يعيبوك»
ليقرر الشاعر أن الحلم بالجمال يحتاج فضاءات تتجاوز ضيق العالم.
أما في «قلب قماش»، فتتحول الأحاسيس المكبوتة إلى مرض روحي، يكرمش القلب كما تُكرمش قطعة قماش، نتيجة السير في طرق غير آمنة، في صورة بليغة تجمع بين المادي والنفسي.
وتفردت مشهدية قصائد دوبامين أحمد الشيخ بالتفرد والجدة من حيث الصور وأستخدام ألفاظ قل استخدامها في مواضع دقيقة مثال ذلك قول الشاعر في قصيدة قال “ألقها ”
“يا ماشي العمر بالمندار ” والمندار هو
وكذلك في قصيدة “ماريونيت ” لفظة” مسد” كمسمى للحبال المصنوع منها أيدي العرائس واللفظة متناصة مع سورة المسد وتعطي إحساسا بمعكوس الصورة اللطيفة للعرائس وكأن تلك الحبال وإجبارهم على الحركة دون إرادتهم صنف من صنوف عذاب الجحيم كل هذا المعنى الثري اختصره أحمد الشيخ في لفظة واحدة .
ومن أجمل الصور المشهدية يقول الشاعر :
من قصيدة “قلب قماش ”
“فاس الدنيا عزقت وشي
جنبي طرشق منه النعناع فدادين
أيامي يا غربال مانع
عمري يا أعتاب على باب جامع
مشاعري اتدلقت من عيني
خلتني أشوف الناس خيالات
مهزوزة يا صورة في الجفن الدامع “

من قصيدة مخيمات الصدر “أنا معرفش البحر بيضحك ليه
لكن عندي سبب معقول لبكاه
يمكن مل النوم على ضهره سنين
يبلع شمس وينفخ غيرها
توبه الأزرق موصول بسماه “
وقصيدة سولميت كاملة
تلك الصور المركبة والوصف الشفيف خلقت مشهدية نابضة بمخاتلة الفكرة المثيرة للذهن والتي تحث على التأمل للوصول للمعنى العميق بين المفردات البسيطة ذلك المعنى الحرج الذي يقع بين المسموح والممنوع بين الموجود والمفقود .

التناص :
أنَّ التناص بمعناه الحقيقي قبل ظهوره على شكل مصطلح نقدي موجود قديمًا منذ أن وجدَت الكتابة بذاتها قبل مئات السنين، إلا أنَّه كمصطلح نقدي مستقلٍّ بخواصه حديث الظهور، فقد ظهرَ بدايةً في الأدب الفرنسي في الستينيات من القرن العشرين، ويعود أصل ظهور إلى الناقدة والفيلسوفة الفرنسية جوليا كريستيفا التي وضعت له تعريفًا مستقلًّا ومنذ ذلك الحين فرضَ التناص نفسَه في مجال النقد والأدب كمفهوم له هيمنة واسعة.
والتناص معناه” تفاعل النصوص مع بعضها البعض، إضافةً إلى تأثير تلك التفاعلات بين النصوص في إنتاج الدلالات التي ينطوي عليها النص ذاته الذي يتضمَّن هذا التفاعل”
والديوان حافل بأمثلة عديدة للتناص بمختلف درجاته وأنواعه فهناك تناص مع الموروث الديني عموما ومع القرأن وسير الأنبياء خاصة ومع المفاهيم الأخلاقية في أيدولوجيات مختلفة
التطابق: ويعني الاتفاق أي تساوي النصوص في خصائصِها البنيويَّة ونتائجها الوظيفيَّة، مثل التطابق بين مسرحيَّة القصَّة المزدوجة للدكتور بالمي للكاتب الإسباني أنطونيو بويرو باييخو، ومسرحية الإغتصاب للكاتب السوري سعد الله ونوس.
يشق صدر المبتلي تناص مع واقعة شق صدر النبي صلهم
يشاء المولى لو واحد عصا موسى
في قصيدة قال ألقها تناص إتفاق مع قصة عصا موسى والعصا هنا كانت رمزا للإيمان وقوة الإرادة وللصديق الصدوق الأمين .
في قصيدة زينب استدعاء زينب كحالة وليس كشخصية من قصة زينب والأمير محمد من رواية أولاد الناس لريم بسيوني النموذج المثالي للمرأة العاشقة “روقة المماليك ”
رب أرني كيف تحيي الفرصة تناص مع دعاء سيدنا براهيم في سورة البقرة ” إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِ”
التناص في قصيدة مريم مع الرواية المسيحية لقصة سيدنا عيسى أو يسوع المسيح
في قصيدة الكارما ( يوسف /المسيح /أيوب / فلك نوح /موسى /قابيل /يعقوب /إسحاق /الخضر /الحسين/ يزيد )
التفاعل: حيثُ أنَّ كل نصٍّ هو تفاعل لنصوص سبقته، فيكون النص مقتبسًا لكن هدف الكاتب يدفعه لصياغة نصٍّ واحدٍ من تلك النصوص له رسالته ودلالته الخاصة، مثل مسرحيَّة الحياة حلم للإسباني كالديرون دي لاباركا وحكاية النائم واليقظان في ألف ليلة وليلة.
التداخل: عندما لا تحقق المداخلة التفاعل والامتزاج بين نصَّين، فإنَّهما يظلَّان دخيلين على النصِّ الأصلي، حتى لو كانا يشبهانه وهذا ما يخلق صلةً محدودة بينها.
المجاورة أو التحاذي: عندما لا توجد صلات بين النصوص تبقى العلاقة بينها مجاورة مع محافظة كل منها على هويَّته.
التباعد: يقوم على مقارنةِ نصوصٍ مختلفة ولا ينتمي أي منها للآخَر.

الأنسنة :
تعددت صور الأنسنة في هذا الديوان الحي النابض بحيوية وثورة مما وهب الجمادات فيه والأشياء غير الحية الحياة والشخصنة ومنها على سبيل المثال لا الحصر” أيام بخيلة والحنين سجان ”
حيث صور الشاعر الأيام بإنسان بخيل بالخير والفرص والحنين بأنه سجان لا يسمح بالإفلات من القديم ولا التقدم ناحية الجديد .
كذلك “شوق رجلي الهوا المتعافي ع الشبابيك ” حيث أبحت ال”الرجل ” منفصلة الإرادة عن الجسد بشعورها الخاص بالشوق
وأيضا تشبيه الهواء برجل قوي يجذب الشبابيك ويفلتها وكانه يصارعها وهي صور تحمل من الجمال والجدة والحياة ما زاد من ثراء القصائد في الديوان .

القاموس اللفظي والكلمات المفتاحية والثنائيات الضدية :
لم يبتعد القاموس اللفظي كثيرا عن بيئة الشاعر الصعيدية الريفية وإن أختلط كذلك بالبحر كونه أصبح من أهل الإسكندرية حيث يقيم .
وانقسمت الحقول الدلالية للقاموس اللفظي إلى :
حقل مظاهر الطبيعة والنباتات المتمثلة في السماء والشمس والبحر وطين الارض والغيم والطيور والنخل والنعناع والقرنفل .
حقل الحب والمتمثل في كلمات مثل
حقل المرأة والمتمثل في كلمات
حقل الأمومة والمتمثل في كلمات( لبن الأمهات – الحلب – الصدر – الفطام)
حقل الإيمان والمتمثل في كلمات
حقل الحياة المادية والمتمثل في كراتين خشب الورق و حديد المكن والمواتير
(حجاز – نهاوند –
( الحياة الموت – الحب الحرمان – الإيمان الشك – الرؤية والحيرة

قصيدة قروش عموما
الماكينات في زينب

دلالة الألوان
اللون الأخضر
حضور الإسكندرية
العلة سيدي أبو الدردار والبحر
قصيدة نوة تانية للشتا

العشق بوصفه رؤية وجودية:
يحضر العشق في الديوان بوصفه قوة كونية، لا مجرد علاقة عاطفية.
في قصيدة «سولميت»، يقسّم الشاعر العشق على مقامات موسيقية (النهاوند)، ويفتح ذراعيه للحب في ألحان الطيور، في مشهد احتفالي بالحياة والجمال.
ويعيد الشاعر تأويل السقوط الأول لآدم، لا بوصفه هبوطًا، بل صعودًا نحو الأرض، حيث غرست حواء حلمًا إنسانيًا يسبّح في ملكوت الجمال.

المرأة في ديوان دوبامين:
(الرموز والإشارات والتصريح )

حضور المرأة كان طاغيا سواء كان بالرمز الأنثوي أو الإشارة أو التصريح وقد تكثف في صورتين أساسيتين الحبيبة والأم وهناك حالات التباس بينهما مثلما حدث في قصيدة مريم
تنويعات على وتر العشق
سولميت – زينب –
في «زينب»، يبحر الشاعر في تفاصيل الأنثى بوصفها حالة جمالية وروحية، متأثرًا بصورة زينب البطلة الروائية، ليصل إلى اعتراف وجودي بالامتلاء والانكسار في آنٍ واحد.
أما في «مريم»، فيحدث تداخل رمزي بين صورة الأمومة المقدسة والإنسانية الهشة، في واحدة من أكثر لحظات الديوان كثافة دلالية.

بين شعر التفعيلة وقصيدة العامية :
القصيدة الشعرية عبارة عن نتاج لعملية مركبة من عدد المهارات العقلية والإنفعالية العاطفية التي غايتها جمالية حيث أن الوظيفة الشعرية تعتبر أكثر الصور الأدبية انحرافا عن معايير اللغة العادية.
عندما ظهرت انتفاضة الشعر الحر كإنطلاقة لقيت إقبالا واسعا من القامات الابداعية في العالم العربي؛ فكانت تعبر عن نفسية الشاعر المعاصر وإرهاصاته ورؤيته لما يقابله من تغيرات وما ينعكس على روحه من أحداث.
وقد كان العرب قديما منذ القرن السادس الهجري قد قاموا بتقسيم فنون الشعر إلى سبعة أنواع سموها الفنون الأدبية السبع، منها الشعر العمودي والمرشح يكتبان بالعامية والزجل والقوما و”الكان وكان” يكتبون بالعامية والدوبيت والمواليا يكتبان بالفصحى أو العامية، وكان لكل فن من هذه الفنون شكله وتنظيره الخاص به عند التناول النقدي.
أمّا الآن يعتبر النقاد أن قصيدة العامية الحرة هي المعادل العامي لقصيدة التفعيلة الفصحى؟!
والزجل هو المعادل العامي للشعر العمودي؟
وفي الواقع قصيدة العامية الحرة ليست قصيدة تفعيلة، حيث أن قصيدة التفعيلة تعتمد في بنيتها الموسيقية على تفعيلة واحدة محددة تتكرر طوال القصيدة، اما قصيدة العامية الحرة فهي قصيدة حرة تقوم على اعتصار موسيقى اللغة والموسيقي الحرة التي لا تلتزم بوحدة التفعيلة، وقصيدة التفعيلة في عند روادها وظفت الأسطورة والتراث العالمي والعربي، أمّا قصيدة العامية فمنذ بدايتها عند حداد وجاهين وظفت مجازات الشارع والتراث الشعبي.

إشكالية شعر العامية والفصحى وأزمة التاسيس النقدي :
إن شعر العامية المصرية لا يقل بأي حال من الأحوال عن الشعر الفصيح فاختلاف الفنون ودروبها سنة محمودة ولكل منها محبيه ومريديه كما أن شعر العامية من وجهة نظري هو نوع من أرشفة التراث الحي للشعب والموروث التاريخي والحكائي والحكم والعبر وهو الأقرب لقلب البسطاء وحدود علمهم وفهمهم …
فمن يستطيع أن يضاهي تأثير مسحراتي فؤاد حداد مثلا الذي عاش في وجدان الشعب المصري والشعوب العربية على مدار أعوام عديدة .
ولذا يجب من وجهة نظري القيام بعمل منهج نقدي بإجراءات تتلاءم وطبيعة هذا الفن المصري الخالص وتراكيبه وتتفهم مواطن الجمال فيه …فمثلما ننادى بعمل مدرسة نقدية عربية خالصة بعيدا عن المناهج المستوردة من الغرب والتي تطبق على أعمال عربية لها سماتها الخاصة خاصة وأن العرب أهل الأدب واللغة والشعر وبالتأكيد نحن قادرين على ذلك .
كذلك يجب ان يكون هناك رؤى نقدية وأليات لوضع شعر العامية في ميزان النقد بما يتلاءم مع خصائصه ولغته وصوره.

ختاما…
نقف في ديوان «دوبامين» أمام تجربة شعرية عامية ناضجة، تجمع بين الجدة والتفرد، وتؤسس لمسار خاص داخل شعر العامية المصرية، يقف إلى جوار مدرستي فؤاد حداد وصلاح جاهين، ولكن لا تشبه إلا نفسها .
دوبامين منتج أدبي متقن و نفحة روحية تنبض بالحياة والوجد والعشق والإيمان والشجن ومحبة الحياة ومواجهة الصعاب في أمل ومثابرة .
عمل خرج من جعبة شاعر مبدع له رؤية وقضية يدافع عنها ، مازال يرى ما عمي عنه الناس مازال يتأمل في براح الكون وإن لم يجد ذلك البراح خلقه ببراعة قلمه وبخضار روحه .
ديوان «دوبامين» ليس فقط نصًا شعريًا، بل فعل مقاومة جمالية في زمن يفتقر إلى السعادة، ومحاولة جادة لاستعادة إنسانية الإنسان عبر الشعر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى