قراءة في رواية “المنبعث” للروائي الفلسطيني عدوان عدوان

بقلم -هدى عثمان أبوغوش
صدرت الرواية عن دار آسيا للنشر والتوزيع، وتقع في 248 صفحة من القطع المتوسط. ود. عدوان نمر عدوان أستاذ مشارك في الأدب والنقد في جامعة النجاح الوطنية. والشيء اللافت في رواية”المنبعث”منذ رؤية الغلاف هو أن الرواية كتبت ليس على يد الروائي فقط أو بمساعدة شخص آخر،وإنما بمساعدة الذكاء الإصطناعي.لكن من يدير ويحرك “ادم”Alهوخلف خلف.
والسؤال الذي يطرح لماذا اختار الروائي د.عدوان الإستعانة بالذكاء الإصطناعي هل بسبب تأثره بتلك التقنية المشهورة و لجذب القارئ،وكيف للقارئ أن يميز من خلال السرد ماهية أسلوب الكاتب؟تبقى الأسئلة مشرعة في زمن الحداثة والتطور،وفي بحث القارئ عن أساليب الذكاء الإصطناعي في الرواية،أما أنا فأرى السرد العام الذي لا يذكر فيه التفاصيل الدقيقة ولا يدخل إلى أعماق الشخصية قد يكون من حروف الذكاء الإصطناعي.والروائي وظّف الذكاء الإصطناعي لخدمة نصوصه بمساعدة “خلف خلف”الذي أدار تطوير النصوص في مرحلة معينة من مراحل السرد.
الغلاف-غلاف الرواية هي صورة “طائر الفينق” الذي يدل على التجدد والنهوض من الرماد وعليه فإن الرواية تعطي للقارئ من لحظة رؤية الغلاف رمزية عن مضمون الرواية ألا وهو النهوض من بين الرماد بعد الدمار وأن المضمون هو فيه التحدي والألم.
المنبعث”اسم فاعل من الفعل انبعث أي المتصاعد،المندفع،وفي الأدب ترمز إلى التجدد والقيامة من جديد،فالمنبعث هو يعبر عن التحول الجذري للشخصية في الرّواية.وفي الرّواية يرتبط بشخصية يوسف الذي يحدث عنده هذا التحول في حياته من حالته البسيطة إلى القوة ،العزيمة والثورة على الظلم،هو كطائر الفينيق الذي يولد من رماده.نجد “يوسف”بطل الرواية يتحدى الظلم والحزن من خلال ولادته من جديد،وإصراره الانتقام لصديقه حمزة الذي استشهد.،وثم ثورته ضد الاحتلال.
العنوان يرمز إلى تحدي الفلسطيني واقعه السياسي،ومقاومته من خلال تحويل الألم إلى الأمل،والنهوض وعدم الانكسار.
يقول يوسف: “ومع أن أمل التحرر أعرج إلا أنه الحلم الجميل أو آخر الحبال التي يتعلق بها الإنسان”.
الزمن في هذه الرواية يسير بشكل فيه تسلسل الأحداث تمضي بتتابع مع الاسترجاع الفني للشخصيات مما يؤدي إلى تراجع الزمن إلى الماضي،وثم حضوره في الحاضر. نجد تراجع الزمن في شخصية يوسف الذي يسترجع نوادره مع الأصدقاء والمعارف في الماضي وطفولته واستحضار المكان،و يستحضر الحاضر في السجن الذي يمثل الزمن النفسي حيث الغضب والزمن البطيء من خلال سجن يوسف.
المكان-المكان يعبر عن الهوية الذاتية والجمعية للفلسطيني ،يبدأ الروائي في سرده بتصوير كيفية نشوء وتطور البؤر الإستيطانية بالقرب من القرى الفلسطينية.
يشكل المكان صراع الفلسطيني في دفاعه عن مكانه،وأرضه في وجه المحتل.فالصراع يختصر في هذا الحوار العقيم الذي جرى بين الفلسطيني الجامعي والمستوطن القادم من أوروبا حيث قال الأخير”هذه أرض جدودنا وعدنا إليها”.ويوثق الكاتب ذاكرة المكان (في الفضاء)حيث الجدار وبيت لحم ونابلس الشوارع والمخيم والمحلات من أجل إبراز تعلّق وأهمية المكان عند الفلسطيني في تشكيل هويته وصراعه؛ فالمكان هنا يمثل ذاكرة جمعية،والمكان أيضا في السّجن(المكان مغلق) يعبر عن القهر والبحث عن الحرية. اكتشاف الأسرار وهو مرحلة المنبعث في رحلة الهروب ومحاولة التحرر من القيود،والمشفى هو تحليق طائر الفينيق يوسف نحو الخلاص والثورة.
رواية “المنبعث” هي رواية الأسئلة الحيرى والبحث عن الإجابات،هي رواية عن الهم الذاتي والجمعي للفلسطيني والصراعات.صراع الفلسطيني مع ذاته،مع عدوه،مع العملاء والخيانات،صراع حول المكان،صراع الفلسطيني في تحدياته اليومية عبر الطرقات الإلتفافية والحواجز.وصراعه في انتظار الحق ونهاية الظلم.
ذاكرة الطفولة حاضرة في الرّواية بقوة من خلال الإسترجاع الفني حيث تعبر عن الحالة النفسية والسياسية وأيضا الإجتماعية.فهي شاهدة على التغيرات التي حدثت في الوطن والتي غيرت في شكل المكان،وأثرت على حياته اليومية، مثل :الجدار الفاصل. فقد كان يوسف شاهدا في طفولته على مشاهد العمال الذين يتسابقون في البحث عن لقمة العيش عبر الجدار،وهو شاهد على واقعه السياسي مثل: الإعتقالات في بلدته والبلدات الأخرى.
ذاكرة الطفولة تعبر عن العلاقة المتينة بين يوسف وصديقه حمزة،ونكشف من خلالها عن شخصيتي يوسف وحمزة بروحهما المرحة ،والنوادر الجميلة،والعزيمة والذكاء وتحمل المسؤولية والوطنية ومساعدة الآخرين.
العاطفة في الرّواية هي ليست مجرد علاقة حب من طرف واحد،كقصة يوسف الذي أحب ليلى أخت صديقه حمزة،أو قصة حب حمزة وثم استشهاده؛بل جاءت لتؤكد على أن المقاوم هو إنسان له احتياجاته العاطفية ويبحث عن الحياة، كانت العاطفة هي أيضا صاحبة الأثر على الشخصيات (وهي تشمل عاطفة الحب والصداقة والوطن) وفي تحولهم النفسي من احتراق إلى انبعاث وولادة .خسر يوسف حبيبته التي تزوجت،لكن هذا الحب ظل يرافقه في السّر،ولم يفصح عنه لأحد،هذه العاطفة شكلت ملامح الأمان له،طيف الحبيبة هو الطاقة الحرارية للإنبعاث،هو الأمل لإستمراره ومقاومته ونضاله.وهو النور في سجنه،وفي إختبائه أثناء بحث الجيش عنه.”
وقد شكلت العاطفة عند حمزة كدافع لتحدي واقعه الإقتصادي واختراق الجدار عدة مرات من أجل توفير المال للزواج من حبيبته.فهنا العاطفة هي المنبعث في عدم الانكسار والمحاولة رغم المخاطر ورغم موته فإنه يحيا من جديد من خلال عاطفة صديقه الذي ينتقم له ويحرك أحداث الرواية المتصاعدة.
مشهد البئر وسقوط يوسف فيه ومساعدة حمزة لصديقه وسقوطه أيضا ثم نجاحهما بعد معاناة وخوف ،هو مشهد تصويري جميل يعبر عن الحالة الفلسطينية والتي تكمن في رمزية البئرفي الظلم والنجاة
يقول يوسف:هل سيأتي أحد لإنقاذنا من هذا البئر المظلم حوله؟هل سنعود إلى بيتنا؟
اللغة سهلة،ومباشرة، إنسيابية،يصف السرد تفاصيل الفلسطيني المعذب وصراعاته.جاء الحوار بالعامية،وتخلل السرد الحوار الذاتي عند الشخصيات مثل :(يوسف يحاور نفسه) في مفارقة لماذا على الفلسطيني أن يعمل عند عدوه لكي يعيش ؟عليه أن يبني المدن الإسرائيلية؟!على سبيل المثال لا الحصر .وأيضا بعض الشخصيات في حوارها الذاتي مثل حمزة وحامد.
استخدم الروائي التناص الديني ،والتناص الشعري من ديوان محمود درويش ومقطع من قصيدته”لماذا تركت الحصان وحيدا؟” ليعبر عن أهمية المكان وأثره في النفوس،وأيضا ذكر من عدّة قصائد لبعض الشعراء مثل:جميل بثينة،المتنبي.كما أنه استخدم الأمثال والحكم، كشف الروائي من خلال السرد عن دخول بعض العبارات والمفردات إلى اللغة اليومية للفلسطيني أو بمعنى آخر لها دلالاتها الخاصة في الواقع الفلسطيني اليومي والسياسي مثل :شارع “الاشتباكات””،الطرق الالتفاقية هذه العبارات تعبر عن مدى القهر الذي يعيشه الفلسطيني والمضايقات التي يتعرضها يوميا في حياته اليومية.
نجح الروائي في جعل القارئ يضحك ويتألم؛ فالدعابة والنوادر التي بين يوسف وحمزة كانت لها ميزة خاصة في السرد حيث كسرت الجو المشحون بالقلق والمعاناة عند الشخصيات.
عبر الرّوائي في هذه الرواية عن مواضيع هامة تقلق الفلسطيني من الجوانب المختلفة للحياة في حياته اليومية وتؤثر عليه مثل إبطاء الوقت عند الفلسطيني. (مثل :تنزه المستوطنين أو تخييمهم يؤدي إلى توقف حركة المرور عند الفلسطيني أو الحركة الميتة عند الحواجز)ويضع القارئ أمام صورة المجتمع الفلسطيني دون تزوير للحقائق بل يعكس وجهه كما هو.فهناك الوطني والمقاوم ،والخائن والتائب من الخيانة،ويبين كيفية إسقاط العملاء.
يظهر تأثر الروائي بقصة الملعقة وأسرى النفق في الرواية حيث قام بتوظيفها من خلال محاولة يوسف وبعض رفاقه الهروب من السجن إلا أنه تم القبض عليهم.
وأيضا وظّف قطف يوسف لأكله بعض الفاكهة أثناء هروبه من المشفى من خلال نفس القصة التي ذكرتها.
رواية “المنبعث”هي رواية الهوية الذاتية والجمعية في حفظ الذاكرة الفلسطينية.مبارك للروائي د.عدوان نمر عدوان.



